ثقافة المقال

هنري ترويا: قصص الخرافات الروسية

قلم: ريتا باسيل الرامي *

الى طاولته القديمة كان يكتب واقفاً، كما يفعل الرسامون، تاركاً مسافة اضافية بينه وبين شخصياته لكي يصير في وسعه النظر اليها من بعد. هو نفسه وسواها في آن واحد، تماماً مثل اسمه، “هنري ترويا”، ذي الرنة الفرنسية جداً بالنسبة الى روسي. الى طاولته القديمة كان يكتب واقفاً، ربما لترك مسافة اضافية بينه وبين نفسه كي يتمكن من النظر اليها من بعد. ت”، “ر”، “و”، “ي”، “ا”…” حروفٌ استقى الشاب ليف بعضها من اسمه الحقيقي تاراسوف، ليجد لنفسه اسماً فرنسياً، بناءً على نصيحة أحد أساتذته، حتى لا يظن الناس انه يكتب باللغة الروسية ويُترجَم الى الفرنسية. سينكبّ اذاً، وبألم شديد كما يروي بنفسه، لإيجاد اسم يشبهه، مثيراً بذلك ضحك اصدقائه الذين كان يسألهم المشاركة في اختباراته حول أسماء العلَم.
لن يتم هذا التحول من دون ألم. الشاب ليف الذي صار هنري، سيفتش طوال حياته، وبلغ فرنسية مثالية ستوصله الى الاكاديمية الفرنسية، عن “روسياه” الضائعة التي  لم يعد اليها مطلقاً منذ رحيله المفاجئ. ولد ترويا في موسكو، في تشرين الثاني 1911، لعائلة ثرية جداً من تجار الاقمشة. في الثامنة من عمره، أُرغم على الفرار مع والديه من وجه الثورة البولشفية، ليبدأ مساره نحو السهوب الاوروبية. ستسافر العائلة في خزانات الماء على السفن وفي الحافلات المخصصة للحيوانات، قبل ان تصل اخيراً وبعد ثلاث سنوات من التنقل، الى فرنسا حيث يقرر آل تاراسوف الاستقرار في نويي. منذ ذلك الوقت، ورغم رواياته التي  تقارب المئة ونجاحه الفوري بعد الكتاب الاول الذي اصدره عندما كان في الرابعة والعشرين، سيتملك ترويا خوف لن يفارقه طوال حياته: الخوف من الانتهاء مشرّداً في الشارع. ظهر شغف القراءة والكتابة لدى الشاب هنري في مرحلة مبكرة. في طفولته كانت تهدهده القصص الخرافية الروسية، وقال انه  كان يستمع الى والديه يرويان بالروسية هجرتهما “مثل قصة خرافية”، لكنها  للأسف قصة مرة جداً. في العاشرة اكتشف “الحرب والسلم” لتولستوي وبُهر بالروائي الروسي. في الثانية عشرة، بدأ بالكتابة في نظام “صارم” لا مكان فيه للنزق، ولم يتوقف حتى وفاته. سريعاً ما أصبح معروفاً، ونال في 1938  جائزة “غونكور” عن روايته “العنكبوت” التي تحكي قصة رجل يدعى جيرار فونساك  يسيطر على النساء اللواتي يقاسمنه حياته: والدته وشقيقاته الثلاث. وكمن أجل أن لا يبقى وحيداً، يفعل جيرار كل شيء كي لا تغادر ايٌّ منهن المحيط العائلي: مكان مشوِّش بالنسبة الى الشاب الروسي، ترويا، الواصل حديثاً الى  فرنسا. في ما بعد، سيروي انه في المنزل كان يحس نفسه في روسيا، وفي المدرسة كان يشعر انه في فرنسا. بسبب حيائه، لن يغامر الا نادراً بالكتابة عن  حياته، وحتى “أليوشا” Aliocha، أكثر رواياته قرباً من السيرة الذاتية،  تلمّح بعض الشيء الى حياته العائلية، لكن اقل مما يكفي لتكون دليلاً الى  هذا الكاتب الروسي ذي اللغة والهوية الفرنسيتين. تدور حوادث هذه الرواية في الثانوية نفسها التي درس فيها هنري، “ليسيه باستور” المشهورة في نويي. وتحكي قصة عائلة روسية تفرّ من الثورة وتستقر في باريس، في شقة متواضعة  جداً نسبة الى تلك التي كانت تشغلها في روسيا. بعد وفاة لينين، أراد والدا  ألكسيس (بطل الرواية) العودة الى روسيا، وفي اعتقادهما ان الثورة سوف تنتهي. الا ان الشاب ألكسيس احب العيش في فرنسا، ولم يرغب العودة الى ارضه  الام رغم كل المعوقات التي تواجهه والفقر الذي يحرمه من ملذات الحياة. لكن، لحسن حظه، كان صديقه تييري، الاحدب ذو القلب الطيب، الى جانبه فقدّم اليه حذاء وقميصاً ليتمكن من مرافقته الى سان جيرفي خلال العطلة. في “أليوشا”،  يبدو ترويا من خلال هذين الصديقين المتلازمين والمتواطئين، كما لو انه يكتب في الوقت نفسه عن نصفه الروسي من خلال شخصية ألكسيس، ونصفه الفرنسي من  خلال شخصية تييري، هذا الفرنسي السريع العطب والعاجز، الذي يحلم بكتابة  الروايات في المستقبل. وإذا كانت “أليوشا” روايته الأكثر شهرة بلا ريب،  فإنها تشكّل أيضاً العمل – المفتاح للولوج إلى العالم الروائي والواقعي لهنري ترويا. عالمٌ يلتحم فيه التمزّق بالبحث الدائم عن فرنسا وروسيا اللتين لا يكلّ عن التفتيش عنهما. روسيا هذه، الجزء الطفولي الذي يشكّل الكائن، هي التي سعى الكاتب إلى إيجادها وترميمها وإعادة إنتاجها طوال  حياته، وعلى امتداد رواياته المتعددة: “فيو” Viou (حكاية طفلة فرنسية  صغيرة، تبلغ الثامنة من عمرها، تفقد والدها في الحرب ولا تعرف كيف تعبّر لوالدتها عن ألم الابتعاد عنها)، “نور العادلات” 1958 (ترصد إرهاصات الثورة الروسية في العام 1917، من خلال حياة رجل وزوجته)، وروايات كثيرة أخرى عرفت نجاحاً باهراً مثل: “ما بقيت الأرض” 1947 (نوع من المسرحية الهزلية الموسكوبية تدور في فجر الاضطرابات التي شهدتها الضواحي البلطيقية)، “البَذر والحصاد” 1953 (حكاية امرأتين: أم وابنتها. نقلها كريستيان فرنسوا  إلى الشاشة). في جعبة ترويا، الذي يفضّل الكلام عن الآخرين أكثر من الكلام عن نفسه، نحو خمسين سيرة أيضاً لرجال ونساء معروفين مثل:  دوستويفسكي، تولستوي، بوشكين، والحزينة مارينا تسفيتاييفا (الثائرة  الخالدة)، المرأة الناقمة منذ اقتلاعها المباغت من بلدها الأم روسيا

وعودتها المستحيلة التي تنتهي بانتحارها حالما تدوس تراب وطنها عقب الثورة،

أي في مرحلة روسيا الألمانية في العام1939. على غرار روسيا، تجرجر مارينا

جروحها في أوروبا حيث تصف قدرها العاثر في أشعار مستوحاة من بوشكين

والأغاني الشعبية الروسية. بوشكين سكن هنري ترويا أيضاً حتى آخر رمق  أدبي. فقد أسلم الأكاديمي الفرنسي العتيق الروح عن 95 عاماً، قبل أن يتمكّن من توقيع روايته الأخيرة “الإحاشة” La Traque 2006، التي تتحدّث مرة أخرى  عن مراهَقَة روسي يعيش في موسكو، وتمنعه الثورة من إقامة ذكرى بوشكين الذي  مات قبل مباشرة الراوي دراسته في المؤسسة التعليمية التي كان فيها الكاتب  الكبير. يكتب هذا الراوي الذي يجد نفسه ملتزماً في القسم الأول من الرواية  متابعة المسيرة: “روسيا كلها كانت أرملة. مع ذلك، لم يشعر أحد بهذا الفقد  الخبيث أكثر منا نحن الطلاب. نحن المتخرجين حديثاً من مدرسة، لم نلتقِ فيها إلا بظلّه، اعتبرنا أنفسنا مدينين له إلى الأبد”. حتى النهاية خدم هنري ترويا روسيا التي لم يرها مجدداً منذ رحيله عنها في عمر الثامنة. لكنه سهر  بلا كلل، ومن بلده الثاني فرنسا، على الوفاء للمبدعين الروس الكبار وحماية التراث الأدبي، عبر حياة تليق بالملاحم الكبرى التي لم يكن جديراً بها سوى  النوابغ الروس.

*كاتبة من لبنان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق