ثقافة السرد

الزمن القاسي

بقلم. خالدي وليد.

خرج من دائرة صمته لتوه يمسح العرق من جبهته بيده، ثم قال بصوت متهدج:
ثكلتك أمك أيها الزمان، لم كل هذا الجفاء؟!.. وعلى مرأى ومسمع من الناس!.. والله سلبتني أغلى ما أملك، فحور العين لم يعد كسابق عهده فقد علته حمرة، وما فتئت ترعد فرائص الناظرين، كشجرة تعرت من أوراقها بحلول فصل الخريف المباغت..
سكت هنيهة مطبقا شفتيه عديم الحيلة، وصوت صفير الرياح من حواليه يدوي، وفي ظل هذا الإحساس القاتل، أردف قائلا وقد انتابته قشعريرة تشي بشيء من الحماس:
كل يوم تضغط على الزناد، وأجدني في زنزانة فاقد المعاني والدلالات.. ما أراك إلا كجرذ يقضم بأطرافه الجمال، وأنت بصنيعك حولت كل مروءة إلى فتات مترامي الأطراف وسط صحراء لاسعة، طحنت أمعائي بنظراتك الثعلبية، وأدميت قلبي بسمج أفعالك، مشاعر كهذه لم أدر متى وكيف اخترقت أسواري؟ وها أنا ذا أركض بخطى حثيثة منساقا وراءها كأسد هصور يتحين الفرصة لينقض على فريسته.
فكر مليا ثم أطلق صرخة مدوية، شاحب اللون مع برودة في أطرافه:
تطوي آمالي كلما أبصرتك، تحك فرو رأسك كقرد لا يهمه سوى إشباع نزواته وشهواته.. تورعت أن تقف إلى جانبي ولو لمرة واحدة، سهامك القاتلة لا تبرح تنخر عظامي وتهشم أسناني، فإذا كان هذا مصيري المحتوم، فلم أنت في ازدياد؟.. ألا يجدر بك أن توقف عقارب ساعتك ولو لتوان!!!.. حتى أستريح من وعثاء الهموم والغموم.. أرتشف الهواء العليل تحت حفيف الشجر وخرير المياه.. لا والله أقسمت ذاكرته بالحرف الواحد، وقالت بلسان الحال:
مهما يكن لا تزال الجراح تقطر دما وتحتفظ بتلك المآسي المترعة بالأحزان، وعلى الرغم من زرقة السماء.. صار لا يرى إلا الظلمة؛ لأنه يعيش في عالم غامض تحيط به العتمة المبهمة من كل حدب وصوب، ومع غروب كل شمس يعزي نفسه، فلا يخالجنك الشك أيها الزمان، ولكن جوارحي منذ نعومتي أظافري أخبرتني بأن الزمان مهما تجبر واستقوى، فإن الحياة قد قامت بختانه منذ الأزل، ولا محالة أن الجسد بعد عجزه يستعيد عافيته؛ ليقف من جديد على قدميه..
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق