قراءات ودراسات

الذاكرة الفلسطينية في المواجهة بين مفتاح ودبابة

د. رياض كامل

مقدمة
أصدر الروائي إبراهيم نصرالله مؤخّرا “ثلاثية الأجراس” (2019)، وهي عبارة عن ثلاث روايات منفصلة ومتّصلة في آن معا: “ظلال المفاتيح”، “سيرة عين” و”دبّابة تحت شجرة عيد الميلاد”، متابعا مشروعه الأدبي الواسع، “الملهاة الفلسطينية”. تناول فيها جوانب هامة من حياة الشعب الفلسطيني في القرن العشرين. تقوم هذه المقالة بدراسة رواية “ظلال المفاتيح” في محاولة توضيح العلاقة بين مبنى السرد الفني وتفعيل الذاكرة.
يقوم الروائي إبراهيم نصرالله في عدد من رواياته بتوظيف التاريخ ونقله من باب السرد الجاف إلى مجال السرد الفني، فقد أدرك هذا الروائي خطورة تزييف التاريخ وتمييعه، ومحاولات تغييبه عن الأجيال الشابة التي لم تعش مرحلة النكبة والنكسة وما سبقهما. فعمد إلى تفعيل الذاكرة وإنعاشها وإغنائها عبر روايات تمتح أحداثها من الواقع بقدر ما تمتح من الخيال. لكنّه في “ثلاثية الأجراس” يضيف إلى التاريخ حقولا أخرى تعتمد على الفكر المستنير بالفن، في مجالاته المتعددة: التصوير، الرسم، العزف والغناء، والفكر المتوهج بالمشاعر الإنسانية.
تتكئ رواية “ظلال المفاتيح” في سردها على ثلاث محطات هامة في تاريخ القضية الفلسطينية؛ النكبة، النكسة والانتفاضة الأولى/ انتفاضة الحجر. وقد اختار الروائي أن تكون الشخصية المركزية امرأةً عربية فلسطينية عاشت مع عائلتها في قرية وادعة، حتى جاءت الكتائب الصهيونية واقتلعت أهلها من بيوتهم، ثم قامت بمحو القريةِ؛ بيوتِها ومعالمِها عن وجه الأرض. لم يتبقّ لهذه المرأة ولبقية العوائل سوى المفاتيح معلقةً في أعناقهم. فإن تمكن المحتلّ من اقتلاع القرية ومحو معالمها كليا إلا أنه لم يتمكن من محو الذاكرة، ما أتاح لمريم/ أم جاسر أن تعيد بناء القرية من جديد، رغم مرور أربعة عقود كاملة، فيكتشف المحتلّ خطأه الفادح وفشلَه في محو الذاكرة وظلال المفاتيح. فكيف تمكنت مريم من إعادة البناء كاملا؟ وما أبعاد هذا الفعل وما دلالاته؟
شغلت قضية الصراع الفلسطينيّ اليهوديّ فكرَ الأديب الفلسطيني منذ بداية القرن المنصرم، فعبّر عن ذلك شعرا، قصة ورواية، ومقالة أدبية، وسياسية. وبما أنّ الرواية حقلها واسع فإنّها قادرة على الخوض في هذه القضية بطرق شتّى، وأساليب عدّة لتشمل عالما بانوراميا متشعبا. ففي الرواية نجد صورة للماضي، ونعثر على شخصيات قياديّة حفظتها من الضياع، ونطّلع على أحداث لم تذكرها كتب التاريخ، أو مرت عليها مر الكرام.
الرواية ليست شهادة يقدمها المؤلِّف في محفل سياسي، بل هي سرد فنيّ قادر على اختراق الروح وتفعيل العقل والعاطفة على حد سواء. لذلك فقد ساهمت مساهمة كبرى في تثوير الذاكرة وحفظ الماضي من الضياع، خاصة حين يكون هذا الماضي ذا قيمة تتعلق بأهمية الوجود الإنساني. وقد أثبتت التجربة أن الزمن عدو لدود قادر على إضعاف الذاكرة، فقامت الرواية الفلسطينية، بالذات، بدور فاعل في حفظ المكان والزمان والشخصيات واللغة وتثبيتها في الذاكرة، وتوريثها من جيل لجيل، دون حاجة لتسجيلها في أوراق ثبوتية.
دمجت “ظلال المفاتيح” بين الواقع والفانتازيا، كعالمين متضادين غير مفصولين عن بعضهما، يصوران في اجتماعهما واقع الإنسان الذي فقد أرضه وفقد ناسه وبيته، لكنه لم يفقد الحلم، وبدا أنّ حفظ الذاكرة، بهذه الدقة، جزء من هوية فكرية راسخة. لم تلجأ “ظلال المفاتيح” إلى تلك الفانتازيا أو العجائبية كما هي معروفة في مجال الأدب الفانتاستيكي الذي يوظف الخرافة والأسطورة، بل كان أبطالها أشخاصا عاديين من بسطاء الناس، تقف في مركز الأحداث امرأة فلسطينية صبورة وقوية.

هيكل الرواية التخييلي
يبني نصرالله روايته وفق ثلاثة فصول، أو بالأحرى ثلاثة لقاءات، بين جندي صهيوني اسمه ناحوم شيرمان وامرأة فلسطينية اسمها مريم وكنيتها أم جاسر، تعيش مع عائلتها في قرية تدعى “راس السرو”. تُسرد الأحداث في “ظلال المفاتيح” من خلال راو مشرف كلي ومعلق، معتمدا “الرؤية الخارجية”، أو ما يطلق عليها تودوروف “الرؤية من الخلف”، حيث يكون السارد مطّلعا على كل ما تقوم به الشخصيات، يحركها، يدخل إلى عوالمها الداخلية، يكشف أسرارها، يرسم الأفكار، ينظم الحوار ويتنقل بين الأزمنة بسهولة.
يبدأ اللقاء الأول نهاية سنة 1947، بضعة أشهر قبل النكبة، إذ يجد الجنديّ، ناحوم شيرمان، نفسه عالقا وحيدا بعد انسحاب الكتائب الصهيونية إثر معركة ضارية مع أبناء القرى الفلسطينية. وكي ينجو بنفسه يتذكر ما قاله له والده: “إنّ أفضل مكان يمكن أن تختبئ فيه هو بيوت أعدائك، فهي الأكثر أمانا من غيرها! أما أفضل حياة يمكن أن تعيشها، فهي الحياة التي تعيشها في تلك البيوت بعد أن تتخلص من أولئك الأعداء”. (ص12) يحفر في الأرض ويخبئ سلاحه، ثم يتوجه نحو أحد بيوت القرية القريبة ويختبئ داخل حظيرته. تكتشف صاحبة البيت، أم جاسر، أمر وجوده. تشفق عليه وعلى دمعة أمه، حين تراه شابا صغيرا في عمر ابنها البكر ابن السابعة عشرة، فتخفيه ثلاثة أيام عن عيون المقاتلين. تُطلع زوجها المقاتل في صفوف المقاومة على السر. ومع أنه لا يوافق مبدئيا على تصرفات زوجته إلا أنّه ينصاع لإرادتها، ويساعدها في إخراجه من القرية سرا ليعود إلى أمه سالما معافى.
تحتل الكتائب الصهيونية القرية وتهجِّر أهلَها ثم تقوم بهدمها ومحوها عن بكرة أبيها كي لا يعودوا إليها. وكانت يد ناحوم هي التي تضغط على آلة التفجير تنفيذا لأوامر من ضابطه. فتستقر عائلة أم جاسر في قرية “النبعة الفوقا”، المجاورة والمطلة على “راس السرو”.
أما اللقاء الثاني فكان في أعقاب حرب حزيران سنة 1967 بعد أن تقدّم الجنود الإسرائيليون داخل الضفة الغربية بيسر كما “تتقدم فيه سكين في قالب جاتو”. (ص77) وكان ناحوم قد نفّذ أوامر قادته بدبابته. انتهت الحرب خلال ستة أيام، وكان هَمّ ناحوم العثور على أم جاسر. يصل القرية بدبابته يرافقه جنديّ آخر، يتركه داخلها موجها فوهتها نحو بيت أم جاسر مباشرة. يسير باتجاه البيت، فتُسارع إلى الخروج لتقف أمامه وجها لوجه بكل ما فيها من قوة ومن جبروت، وقد تجمّع أهل قرية “النبعة الفوقا” ومختارها لا يصدقون ما يرون وما يسمعون، خاصة حين يعلن ناحوم شيرمان أنه جاء ليرد لها جميلها منذ عشرين عاما، يفتح صندوقا صغيرا أحضره معه فيه باقة من ورد، وصندوق فيه حلويات، وقطعة من قماش، سرعان ما تكشف أنّه شالها الذي كان قد أخرجه من خزانتها قبل تفجير المنزل. (ص88) تأخذ شالها رافضة الهدية، وتطلب منه مغادرة المكان فورا، دون أن تسمح لأحد أن يمسّه بسوء، ولكن بعد أن أوضحت له رأيها أمام الحشد الكبير من أهل القرية: “ناحوم، أنقذتك يومها لأنك كنت ولدا صغيرا، ولدا خائفا مرتعبا، ولدا التجأ إليّ طالبا حمايتي، ونحن لا نقتل أحدا يطلب حمايتنا؛ أخلاقنا يا ناحوم، تمنعنا من أن نقتل أحدا يلتجئ إلينا، حتى لو كان عدونا، فما بالك إذا ما كان ولدا صغيرا يرتجف على وشك أن يُقبّل القدمين لينجو بحياته”. (ص89)
ترفض مريم الهدية لأنّ الجنديّ وصل القرية على ظهر دبابة. أما قبولها الشال فإشارة واضحةٌ إلى أنّ الفلسطيني لم يتنازل، ولن يتنازل عن حقه، فكل ما هو تابع له سوف يعمل على استعادته، مهما مر من زمن.
تبدو مريم في هذا الفصل بحالة أسوأ مما كانت عليه في الفصل الأول، فقد كبرت عشرين سنة، وكانت إسرائيل قد أكملت احتلال بقية الأراضي الفلسطينية و”سمحت” للفلسطينيين بزيارة مدنهم وقراهم. ولما قامت بزيارة قريتها “راس السرو” مع الجموع هالها ما رأت، فتوجهت إليهم سائلة: “هل يذكر أحد منكم إن كانت البيوت قد هاجرت معنا في ال 48؟ كأني لم أنتبه يومها لذلك، كأنني لم أنتبه”. (ص104)
أما الفصل الثالث من الرواية فهو الأكثر تخييلا، ينحو فيه السرد باتجاه الترميز والهلوسة والهذيان والفانتازيا والأسلوب العجائبي، وبالتالي تصبح اللغة أكثر شاعرية، والشخصياتُ أكثرَ غموضا، تحمل الكثير من المفارقات والتضاد، بالذات شخصية أم جاسر، التي تكبُر عشرين سنة أخرى منذ ال 67. تتابع القيام بدورها الريادي، كعادتها، إذ رغم فقدِها ذاكرتَها، ونسيانِها تفاصيلَ هامة مرت في حياتها، إلا أن هذه الذاكرة تصبح أكثر انتقائية. ورغم هزال جسدها إلا أنها تبدو قوية الشكيمة بعيدة الرؤية والرؤيا، بحيث نراها تستعيد، أحيانا، قوتها الجسدية المألوفة. وتبدو أنها أكثر من شخصية في آن معا، ترفض التعامل بالشيكل وتستبدله بالحجر، وتشغل جميع سكان قرية “راس النبعة” بتصرفاتها اللافتة، التي تُوِّجت باختفائها وظهورها المتكررين.
تدخل أم جاسر في حالات الهلوسة، ويصبح مفتاح بيتها المعلقُ في جيدها، أهمَّ ما تملكه في حياتها. تدخل في طور الرؤيا: “وسمعتْ أصوات مفاتيحَ كثيرةٍ تموج في صدرها وتقبِض على قلبها مثل دمعة ناي”. (ص116) اكتشف أفراد عائلتها أنّها تتسلل يوميا إلى قرية “راس السرو” وتعود آخر الليل، ولاحظوا “أن قوة غير عادية دبّت في جسدها، بحيث لم يعد باستطاعة أحد اللحاقُ بها”. (ص118) بقيت على هذه الحال تختفي وتظهر حتى اختفت رافضة البقاء “ضيفة” في قرية “النبعة الفوقا”. لحق بها أبناء القرية كلهم واكتشفوا أمورا لا تصدق، “كانت أم جاسر قد أعادت بناء قريتها كما كانت تماما… تماما كما كانت قبل أربعين عاما”. (ص131) أعادت مخطط القرية بحجارة صغيرة ولم يبق أمام أهل القرية إلا إعادةُ بنائها، وبات كل معلم من معالم القرية واضحا.
انتشر الخبر وحضرت إلى المكان أهم وسائل الإعلام العالمية تصور أهل البلدة داخل مسطح بيوتهم وساحاتها وأحواشها. تحضر كتيبة الاحتلال ومعها ناحوم يقود جرافته العسكرية ويمحو، بأمر من القيادة، كل ما بنته أم جاسر. فيأتي رد الفعل من الجموع المحتشدة التي ترشقه هو وسيارته ومن معه بوابل من الحجارة لم ير مثيلا له في حياته.

واقع وتخييل
لقد بدت الرواية، منذ بداية صفحاتها، وحتى أبعدَ من منتصفها أقربَ إلى الواقع منه إلى الخيال. وجاء السرد شبيها بما نعرفه من خلال ما قرأناه وسمعناه عن النكبة والنكسة، وعن تهديم القرى وبيوتها، وعن الهجيج والسكن في الخيام والبيوت الطينية في قرى استقبلت اللاجئين. أما في النصف الثاني من الرواية فإنّ الأحداث تنحو بشكل بارز باتجاه التخييل المكثَّف، والترميز والإيحاء. وباتت الشخصية المركزية أكثر تعقيدا تنتقل بين الهذيان وتفتُّح الذهن الصاخب. يسير السرد نحو التظليل والضبابية والذهنية، يتنقل بين الواقع والخيال، وبين الحقيقة والحلم، وبين التهديم وإعادة البناء.
لن تكون هناك رواية بدون تخييل، فهو العنصر الرئيسي الذي تقوم عليه الرواية، والتخييل قد يصل مدى أبعد أو مدى أقل، وقد يصل حدّ الفانتازيا. والفانتازيا في روايتنا أقرب ما تكون إلى الواقع، أو بالأحرى تستمد خيوطها وتنسجها من الواقع. لقد حمل الفلسطيني مِفتاحه حين هُجّر من وطنه عام النكبة، ولم يبق له منه سواه. ثم جاءت النكسة وابتعدت فلسطين أكثر، فلم يبق للفلسطيني سوى الحلم بالعودة. تقوم أم جاسر ببناء القرية، وترسم حدودها ومعالمها وجدرانها وبيوتها وشبابيكها وحواكيرها. يرى الجنود المحتلون ما فعله الفلسطينيون، فيجن جنونهم ويفقدون توازنهم، ويكتشفون “خطأهم” القاتل إذ لم يجردوا الفلسطيني من مفتاح بيته ومن حُلْمه، وثبت لهم أن تهديمَ القرى ومحوها من على الأرض لم يتمكن من محو الذاكرة، فظلت هذه القرى صورة حية متوهّجة غير قابلة للنسيان.
يتساءل المتلقي وهو يقرأ مشاهد إعادة بناء قرية “راس السرو” بعد أربعين عاما: من الذي يهذي؟ هل هي أم جاسر؟ أم أبناء القرية؟ أم هو المحتل الصهيوني؟ يُقبل القارئ على التهام الصفحات الأخيرة من الرواية مشاركا في عملية التخييل ليصبح جزءا من الرواية، يَقبل بالهذيان والتخييل، وينتظر ما سيحدث بعد “إعادة بناء القرية”، من ردّ فعل الناس، وردّ فعل المحتل، وينسى كليا أن ما يحدث مجرد تخييل.
قام الروائي بتوظيف الواقعية التسجيلية إلى جانب العجائبية فخلق رواية ذات نص مفتوح؛ يخسر الفلسطيني بيته ووطنه كما يحدث على أرض الواقع، لكنّه يحفظه مبنيّا في ذاكرته. يقود ناحوم الجرّافة العسكرية تنفيذا لأوامر من السيد لسحق القرية وسحق الحلم. فرأى من خلف المقود الجموع المحتشدة مثل شلال، ورأى القرية كما كانت قبل أربعين عاما بمساجدها وكنائسها وحقولها وبدأ يجرُف كل تلك الحجارة التي أعادت بها مريم رسم قريتها من جديد. تهاوى كل شيء بنته مريم، لكنه يكتشف عجزه في تلك الأثناء، وأدرك “للمرة الأولى في حياته، أن دفن الظلال أمر آخر، وفيما كان يحاول محو الظلال “سقطت حجارة من جهتي الشارع، بقوة غير معهودة. أشرع الجندي الجالس بجانب ناحوم بندقيته وأطلق النار نحو أشجار الزيتون على يمين الشارع، صوْب مصدر الحجارة القابع وسط الغيوم المنخفضة والخضرة الداكنة، وعاد وذخَّر بندقيته من جديد، وقبل أن يُشرعها ثانية، كانت السيارة تتعرض إلى أسوأ عاصفة حجرية عرفاها”. (ص138- خاتمة الكتاب)
تنتهي أحداث الرواية في إشارة واضحة إلى انتفاضة الحجارة (1987) واعتبارها نصرا فلسطينيا، تعيد إليه كرامته، وتنعش حلمه، حتى وإن لم يستعد أرضه. فيبدو الفلسطيني منتصرا والصهيوني مغلوبا منكسرا. الأول ما زال يعيش الحلم والثاني يؤرقه هذا الحلم وينغص عليه حياته. فقد سارت الرواية في اتجاهين متضادين، أحدهما يميل أكثر باتجاه الواقع المباشر، والثاني ينحو باتجاه التجريب الفانتاستيكي، فبدت مزيجا من الواقع واللا واقع، ويقع القارئ بينهما، مشدودا باتجاه التخييل الذي بدا في عينيه واقعا.

امرأة وجنديّ
تلعب المرأة الفلسطينية في هذه الرواية الدور المركزيّ، كمقاتلة عنيدة، وكقائدة اجتماعية تجترح المعجزات، ولا تبرز أي شخصية فلسطينية، سواها، على مسرح الأحداث. يبدو أنّ هذا جزء من مشروع إبراهيم نصرالله الروائي، الذي نراه يعيد للمرأة الفلسطينية بعض حقها المغبون. ففي روايته “سيرة عين” (2019)، إحدى “ثلاثية الأجراس”، تتمحور الأحداث حول “كريمة عبود” أول مصورة فلسطينية، وما كابدته هي والعائلة من ألم ووجع وموت، بسبب الاحتلال الإنجليزي لفلسطين. فإن كانت المرأة في رواية “شرفة العار” (2010) هي ضحية المجتمع الذكوري، فهي في “ظلال المفاتيح” و”سيرة عين” رائدة التغيير، في ساحة القتال وفي مضمار الفن، كوسيلة من وسائل التصدي لرواية الآخر التي تنادي بإلغاء الرواية/ الرؤية الفلسطينية. فما لم تحققه السياسة على أرض الواقع قد يُحقق في مضمار الأدب، وفي عالم التّخييل.
لقد جعل إبراهيم نصرالله المواجهة بين أم فلسطينية وجنديّ إسرائيلي بالتحديد، ولم يجعل المواجهة بين جنديين، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي لأنها مواجهة غير متكافئة، بناء على الواقع المعيش. فهل هذا يعني أنها متكافئة حين تكون بين جندي إسرائيلي وامرأة فلسطينية؟!
يمثل الجنديُّ جيلَ اليهود الصغار الذين حضروا إلى “أرض الميعاد” بناء على ما بثته الأيديولوجيا الصهيونية، في مقابل امرأة فلسطينية تمثل الجذور، بكل ما تحمله الكلمة من معنى وأبعاد ودلالات. تقوم المرأة بدورها كمسؤولة مباشرة دون أن يعطيها أحد هذا الدور أو يوكلها به، بينما الجندي الوافد حديثا ينفذ أوامر قادته. تسعفنا السيميولوجيا في إنارة العديد من الجوانب، فالأم هي الأصل ومنها ينحدر الخير والعطاء، هي الشجرة التي تثمر، وهي التي تبذل كل غال ورخيص من أجل البقاء والاستمرار في مشوار الحياة، وهي قبل هذا وذاك ذات أصول فلسطينية ولدت من تراب أرضها بينما أم ناحوم، وافدة غريبة على بلاد غريبة. لهذا تنتصر الأم في “ظلال المفاتيح” ويفشل الجندي.
يقف ناحوم اليهودي أمام موقفين متناقضين ومتضادين؛ تمثل أمه أحد طرفيهما، وتمثل أم جاسر الطرف الآخر. تنتصب أم جاسر في مواجهته أماً جسورة صامدة قوية صارمة، فتغلبه بإنسانيتها، مما يتناقض مع ما تعلّمه من أبيه، ومن أمه بالذات. يستمع ناحوم دائما إلى خطابين: خطابِ الرأفة والتسامي عن الضغينة، كما يتجلى بوضوح في اللقاء الأول والثاني مع أم جاسر، وخطابِ التعالي الفوقي الداعي إلى قتل العدو كائنا من كان، سواء كان طفلا، أو عائلة بكامل أفرادها، كما نرى في أحداث الرواية.
إن خطاب أم ناحوم لا يختلف عن خطاب قادته العسكريين، فقد توصلت إلى نتيجة مفادها أنّ سبب هجرة اليهود من ألمانيا يعود إلى قسوة تعامل الألمان معهم، أما عدم هجرة العرب فنابعة من خطأ اليهود في عدم اتباعهم نفس القسوة التي كانت للألمان، فتساءلت مستنكرة: “لماذا لا يرحلون يا ناحوم، ولماذا تفعل تلك المرأة ذلك حتى اليوم، بعد عشرين سنة على طردها منه؟!
– لماذا؟! لأننا لم نقس عليهم بما فيه الكفاية، هذا هو خطأنا الذي لم يرتكبه أعداؤنا في برلين وسواها”. (ص92)
بناء على هذه العقيدة وهذا الخطاب يتجند ناحوم، يصل القرية مع الكتائب التي تتراجع بفعل المقاومة فيقع في يدي أم جاسر، ولم يحدث ما توقعه حتى ناحوم ذاته: “ستقتله، فكّر في ذلك، ستقتله امرأة! امرأة عربية…”. (ص9) تقف المرأة الفلسطينية في مواجهة الجندي، منذ اللقاء الأول، يقع بين يديها، دون أن تحمل سلاحا، ويصبح قرار مصيره مرتهنا بها وحدها. وتكون المفارقة؛ هو الضعيف وهي القوية، هي صاحبة القرار، وهو الأسير الذي دخل الحظيرة مختبئا بعد أن تُرك وحده دون بقية أفراد الكتائب اليهودية: “وجها لوجه وجدت مريم، أم جاسر، نفسها معه، أدركت أنه سمع صوت أقدامها؛ كان يحاول الهرب، ولأن نوافذ الحظيرة عالية، لم يجد أمامه غير الباب.
كان يرتجف، بدا لها في السابعة عشرة، دار حول نفسه عدة دورات باحثا عن مخرج يعرف أنه غير موجود”. (ص9) هكذا يفتتح الروائي الأحداث: الزمان 1947، المكان حظيرة بيت أم جاسر في قرية فلسطينية. يُهزم الجندي أخلاقيا منذ اللحظات الأولى حين هدّأت من روعه، وحين أطلقت سراحه دون أن يمسّه أي سوء، ويعود إلى أمه وإلى كتيبته “بطلا”، يدعي أنه اختبأ داخل مغارة صغيرة ثلاثة أيام حتى نجا بنفسه، فينال وسام الشرف، تماما كما كان قد ناله من قبل حين أمره القائد بإلقاء الطفل الذي قتله للتو، لكونه عربيا، إلى قعر الوادي. وتتكرر الأوسمة المتشابهة إثر تنفيذ أوامر القتل، التدمير والتشريد.
يتكرّر الموقف بعد عشرين سنة (1967)، وقد أكمل اليهود احتلال كامل الأرض الفلسطينية، بحث عنها ناحوم ووجدها تعيش مع عائلتها في قرية عربية أخرى كانت قد لجأت إليها بعد تدمير بيوت قريتها: “فتحت الباب، وجدت نفسها وجها لوجه مع تلك الملامح التي لم تمحها عشرون عاما مرت”. (ص86) تبدو مرة أخرى هي القوية، وهو الضعيف: “تراجع ناحوم خطوتين، وقد فوجئ بها أمامه”، (ص86) كما تفاجأ في المرة الأولى. تتركه مرة أخرى يمضي في حال سبيله، دون أن يمسه أحد بسوء، وكان ذلك ممكنا أن يحدث في كل لحظة.
ويكون اللقاء، مرة ثالثة، بعد عشرين سنة أخرى (1987)، فوق تراب قريتها “راس السرو”، وجها لوجه، كما في المرتين السابقتين: “سمعت أم جاسر تلك الخطوات التي تعرفها، أشرعت عينيها، حدقت في وجه ذلك العسكري الواقف أمامها، دعكت عينيها، اعتدلت، رأته، رأته واضحا، سألت كما لو أنها تهمس لنفسها: ناحوم؟! (ص135)
كان من الطبيعي أن ينتصر الجندي، كما هو مألوف في العالم الواقعي، فهو يحمل السلاح، يقود، أحيانا عربة عسكرية، وأحيانا أخرى دبابة. لكنّ أم جاسر تنتصر في اللقاءات الثلاثة معنويا وإنسانيا وأخلاقيا، بعد أن تتواجه مع ناحوم “وجها لوجه”، رغم كل ما مرت به من تشرد ومن وهن وضعف جسدي، ورغم خسارتها وطنها وبيتها، إلا أنها ما أن تواجهه حتى تتحول إلى صخرة صلبة لا تتزحزح، ويعود إثر كل مواجهة مهزوما حائرا لا يعرف كيف يتصرف، غيرَ مدرك سر تلك القوة والجسارة. أما هي فتظل متمسكة بموقفها تؤمن به، واثقة أنها ستحقق يوما ما أحلامها، فهو يهدم وهي تعيد البناء.

سارد ومتلق
لا نقصد من خلال هذا العنوان أن نقوم بدراسة “نظرية التلقي” أو “جماليات التلقي”، ولا الدخول في فلسفة هذه النظريات الهامة التي تعنى بالعلاقة الجدلية بين القارئ والنص، بل سيكون مرجعنا هو الشعور الذاتي – أنا القارئ – أثناء المواجهة المباشرة مع النص منذ بدايته وحتى نهايته، بشكل موجز، دون الدخول في التفاصيل، ودون الاتكاء على “النظرية والتطبيق”.
يثير الموضوع وطريقة عرضه تساؤلات عدة لدى المتلقي، إذ لا شك أن زمن الأحداث وزمن الكتابة وزمن القراءة تتفاعل كلها في ذهنه فتثيره وتستفزه، وهو يقرأ موضوع المواجهة الذي ما انفك يؤرق الإنسان الفلسطيني الذي يبحث عن أسباب مأساته، لديه ولدى الآخرين، ويبحث في الآن ذاته عن سبل الخلاص. كيف يَقبل القارئ العربي استجارة الجندي اليهودي وهو يعيش اليوم نتائج تلك النكبة؟ فمن أي زاوية ينظر إلى هذه الخطوة؟
نقف في مستهل الأحداث إزاء أم عربية فلسطينية يحارب زوجها إلى جوار بقية أبناء قريتها وأبناء القرى المجاورة لصد كتائب اليهود المعتدية، تلتقي، كما ذكرنا، وجها لوجه مع جندي يهودي في السابعة عشرة من عمره في حظيرة الدواب التابعة للعائلة، يدور حول نفسه ترتعد فرائصه خوفا ورعبا، حين يراها. ولكن سرعان ما تنجح مريم، سيدة البيت، بتهدئته ونقله إلى غرفة خشبية آمنة كي لا تصله أيدي المقاتلين الفلسطينيين. لماذا هذا القرار وكيف اتخذته؟ وماذا قد تفعل السيدة فيما بعد؟ أسئلة راودت الفكر عند تقليب هذه الصفحات.
يشعر القارئ أنّ مريم تقوم بهذه العملية بناء على ما يمليه عليها ضميرها، وحسّها الإنساني الرافض للقتل. وأم جاسر تُنفّذ كل خطوة من منطلق القوة، لا من دوافع خوف أو وهن، خاصة وأن التبرير سرعان ما يصل القارئ، حين تعلن إشفاقها عليه، لكونه في جيل ابنها جاسر، وقد بات في حماها. ومن يكن في حمى العربي فلن يمسه أحد، على حد قولها. لا تبذل مريم كبير جهد كي تقنع زوجها المقاتل، “أبو جاسر”، خاصة وأنها سيدة صارمة في قراراتها، عدا عن ثقته بها وبصدقها. فتأتي الخطوة التالية غير مفاجئة للقارئ حين يقومان بتهريبه خارج القرية ليعود إلى أمه.
هذا الخطوة تدفع القارئ إلى طرح أكثر من تساؤل خلال عملية المواجهة مع النص ومضمونه: هل هذان الزوجان يمثلان العربي الفلسطيني الساذج، الذي لم يدرك جيدا دور هذا الجندي الصهيوني؟ ماذا يبني لنا الكاتب؟ وماذا يُحضّر للقارئ؟ هل سيقوم ناحوم برد الجميل لهذه العائلة؟ وهل سيكافئها على صنيعها معه؟ وقد يكون التساؤل الأهم هو كيف يشعر القارئ تجاه ناحوم؟ هل يشفق عليه كما أشفقت أم جاسر؟
يطّلع القارئ، من خلال الراوي العليم، على أحداث هامة تتعلق بناحوم، فيما تبقى أم جاسر خارج إطار هذه المعلومات. يتساوى السارد والمتلقي في معرفة ماضي ناحوم وحاضره، وما حل بالقرية من دمار قبل أن تكتشف مريم ذلك. وكأنّ الكاتب يبحث عن مبرّرات ومسوّغات تبقي مريم في نقاء صورتها النابعة من صدق نواياها، وكي تحتفظ بهيبتها في عين المتلقي، خاصة وأن ناحوم يرتكب الجريمة تلو الأخرى بأمر من أسياده القادة، الذين يُحمّلهم الروائي والراوي، معا، وزر هذه الجرائم.
يشدّ الراوي، المشرف الكلي، الأحداثَ بخيط يراه القارئ ولا تراه الشخصية المركزية، أم جاسر، وفق ما أسماه تودوروف “الرؤية من الخلف”، كما جاء أعلاه، حيث السارد يعرف أكثر مما تعرف الشخصية الروائية. يرتكب الجندي الإسرائيلي الجريمة تلو الأخرى بأوامر عليا، ويقف القارئ وجها لوجه مع كل الجرائم والموبقات التي تُنفّذ بحق القرية وأهلها، فتطرح التساؤلات، في كل مرة هي نفسها: من المسؤول عن هذه الجرائم؟ هل هو الجندي (ناحوم)؟ أم الضابط؟ أم كلاهما؟
يرى القارئ الكثير من الأعمال التي يقوم بها ناحوم: يقتل، ويدمّر، ويحتلّ، ويهدّم بيوتا، ويمسح قرى عن بكرة أبيها، بأمر من أسياده، ويبدو في عين القارئ مجرد آلة كتلك الآلة العسكرية التي يُفعّلها، إذ ليس عفوا أنْ وَضع القائد يده فوق يد ناحوم التي كانت فوق مقبض التفجير، لا يقوى على اتخاذ الخطوة التدميرية، ضغط القائد على يد ناحوم وتطايرت حجارة البيوت حتى وصلت السماء. يتحول ناحوم إلى آلة قتل وتدمير يتساوى مع آلاته العسكرية، هم يفعّلونه وهو يُفعّل آلاته.
تقابل مريم ناحوم في ثلاث مراحل من حياتها؛ صغيرة، كهلة وعجوزا، ويمتد الزمن أربعين عاما، منذ فقدت بيتها وموطنها، ولم تتغير قناعاتها، فتمكنت من أن تكون النموذج الذي لا يلين في وجه الرياح والصعاب، رأى أبناؤها وأحفادها وأبناء قريتها بأم عينهم التحام أم جاسر بأرضها وقضيتها بعد أربعين عاما، فأورثتهم لا ذاكرتها فحسب، بل أورثتهم معنى الكرامة والإخلاص والشهامة والتحدي والصمود. هذا الصورة التي رسمتها الأحداث لأم جاسر هي التي تنطبع في ذهن المتلقي، كما انطبعت في ذهن الأولاد والأحفاد. بل إن المتلقي ليتعامل مع أم جاسر، في كل مواقفها، بنفس الطريقة التي يتعامل معها من يحيط بها من أبناء ومحبين، ويزداد التلاحم وينمو أكثر حين تدخل في مرحلة التوهج والهذيان.
يطّلع المتلقي على كل الأحداث، فتنتصب أمامه صورة سيدة عربية فلسطينية قوية ملتحمة بالأرض وبقضيتها الكبرى، هذه القوة وهذا الإيمان بصدق القضية أتاحا لأم جاسر أن تتمكن، اعتمادا على الذاكرة، من إعادة بناء القرية؛ محافظة على المفاتيح وظلالها.
تتقاطع الرواية في بعض محطاتها وأحداثها، وفي بعض رؤيتها، مع رواية “عائد إلى حيفا”، إذ بعد أن نجت المرأة اليهودية من المذابح النازية، أقنعتها الوكالة الصهيونية بضرورة ترك بولونيا والانتقال إلى “أرض إسرائيل”، “أرض الآباء والأجداد”. يُحمّل كلا الراويين في الروايتين، وكلا الروائيين، غسان كنفاني وإبراهيم نصرالله كاملَ المسؤولية للذين ينظّرون، والذين يقنعون اليهوديّ أنّ له حقا تاريخيا يقوم على رؤية مؤدلجة هي الرؤية الصهيونية. ويصبح الصراع بين رؤيتين متناقضتين، وبين أيديولوجيتين متناقضتين، فيها، وفْقَ رؤية الكاتب الفلسطيني، جلاد وضحية.

خلاصة
يجنّد الكاتب الذاكرة كتقنية، فلا يتعامل معها كعملية عادية تحدث لنا كل يوم، بل يوظّفها كفعل سيكولوجي ليدخل في أعماق القضية الفلسطينية، التي بدأت أصولُها تتفاعل حين فقدَ الإنسان الفلسطيني أهمَّ ما يملك: بيته وناسه، وما يترتب من انعكاسات نفسية وجراح لا تندمل مهما طال الزمن. إنّ “ظلال المفاتيح” هي رواية الذاكرة الحية التي تتفاعل يوميا، فينتقل الجرح من جيل لجيل، لتبقى القضية حية.
وظّف الروائي إبراهيم نصرالله الراوي المشرف الكلي، الذي يحرّك الأحداث ويعلّق عليها، من الخارج والداخل. أما توظيف الحوار والمونولوج والاسترجاع والذكريات فلم يقلّل من هيمنة صوت الراوي المشرف الكلي، فبدا يتحرك إلى جوار الشخصيات؛ خلفها وأمامها، خارجها وداخلها. أما الحوارية الأساسية في الرواية فهي تتمحور حول الرؤية الفلسطينية والأيديولوجيا المؤمنة بالحق التاريخي، والرؤية الصهيونية والأيديولوجيا المؤمنة ب”أرض الميعاد”. فكان الصدام بينهما حادا عبر مواجهات مؤلمة أدّت إلى قتل الفلسطيني وتدمير قريته وتهجيره من وطنه، وانتصار الآلة العسكرية الصهيونية، في مقابل انتصار الفكر الفلسطيني في تحقيق نصر “عجائبي” لا يحدث مثيل له في الأساطير. وبدت الأيديولوجيا الصهيونية مبنية على خرافات.
إن العنوان، “ظلال المفاتيح”، ذو أبعاد دلالية، سيميائية وعاطفية. فالمفتاح يرتبط ارتباطا مباشرا بالإنسان الفلسطيني دون غيره من الشعوب قاطبة وبات رمزا لوطن كامل. والظلال تشير، في دلالتها، إلى شيء موجود لا نراه ولا نلمسه، لكنه في الوقع هو ظل لشيء موجود، مرئي وملموس. هذه الظلال انعكاس للفضاء، بكل ما تعنيه الكلمة في المفهوم الأدبي، وفي البعد السيكولوجي. وبما أنّ للحجر، مهما صغر، ظلاً، فإنّ ظلال الوطن باقية في الذاكرة.
يحقق إبراهيم نصرالله في ثلاثية “الأجراس” مشروعا نهضويا فكريا، حين يواجه المحتل الإنجليزي والإسرائيلي مواجهة فنية بالرسم والنحت والتصوير والغناء، وبالتصرف الإنساني العفيف، لتُلغى فكرة تشويه صورة الفلسطيني الذي صوره الآخر قاتلا، ومتخلفا فكريا، يعيش خارج إطار الحضارة.
إن توظيف الفانتازيا خاصة في نهاية الرواية، لهو وسيلة ذكية من الكاتب كي ينقذ فكرته الرئيسية التي بنى عليها روايته: قوة الفلسطيني، في مقابل الضعف الإسرائيلي. من شأن هذه الثنائية أن تضعف عصب الرواية، وقد تبدو ساذجة في طرحها، حين تنتقل الفكرة إلى المتلقي الذي يعيش الواقع بعيدا عن الحلم، وهو يرى غلبة الآلة العسكرية الإسرائيلية على أرض الواقع. جاءت الفانتازيا لتنقذ الحلم الفلسطيني، والذاكرة الفلسطينية. فإن كانت آلة الحرب قادرة على قتل الجسد وتهديم البيوت والقرى لكنها ليست بقادرة على قتل الحلم ووأد الذاكرة.
اختار الروائيُّ أن تكون بطلة الرواية امرأة فلسطينية وليس رجلا مقاتلا، وبنى شخصيتها بشكل ممنهج ثابت، بحيث جعلها لا تتبدّل مواقفها ولا تتغير مع مرور الزمن، فتحولت إلى رمز لكل أم فلسطينية لا تتنازل عن مشاعرها الإنسانية رغم القتل والتدمير والتهجير والهجيج، مع الإبقاء على صرامتها وإيمانها العميق بهويتها وإرادتها، في مقابل أم يهودية تنازلت عن إنسانيتها إثر ما تعرض له شعبها من قتل وتدمير في موقع آخر، وعلى يد شعب آخر، فجاء انتقامها من شعب لم يكن عدوَّها في يوم من الأيام. وبالتالي تصبح المواجهة بين فكرين متناقضين وشخصيتين متضادتين تمثلانه امرأة فلسطينية تؤمن بقيم العدالة والإنسانية، وأم يهودية تؤمن بمبدأ المصلحة الخاصة على حساب القيم الإنسانية.
بدت الأم الفلسطينية صلبة في مواقفها تحتفظ بالمفتاح معلقا في جيدها لا يبرحها، وبدا الجندي مترددا مهزوزا ومُقيّدا، غير قادر على مواجهة الفكر بالفكر. ينتصر الجندي بدبّابته، التي ترافقه حيثما سار، بكل ما تحمله من دلالات سلبية تهديمية، وتنتصر الأم الفلسطينية بمفتاحها، بكل ما يحمله من معان ودلالات إيجابية عمرانية. فبدت قادرة على تجاوز القيود نحو الخلاص واجتراح المعجزات؛ فينتصر المفتاح على الدبابة.
د. رياض كامل

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق