الموقع

الأفكار السلبية معضلة واقعنا..

*أسامة طبش

مرد طرقي لهذا الموضوع الهام لدور الفكرة في توجيه مشاريع الإنسان وفي تجسيد نجاحاته وإنجازاته، فكل عمل لم يكن إلا عبارة عن فكرة هي التي أعطت شرارة إنطلاقه نحو الهدف المنشود والمبتغى المأمول. إن شبابنا اليوم وللأسف الشديد يعيش ندرة من حيث الأفكار حيث أنها وإن وجدت فهي سلبية في معظمها، وهذا دليل قاطع على أن هناك مشكلا فعليا يخيم علينا، ولا يدعنا نتحرر وننطلق نحو المستقبل بكل ما لدينا من إمكانات ووسائل. إن الإنسان الذي يعيش دون أمل ودون هدف يسعى لتحقيقه هو إنسان ميت فعلا، وإن كان ظاهريا هو بيننا ويمشي على قدمين، فالأمل والأهداف هي القاطرة الأمامية التي تسحب معها كل الجهود والأعمال التي نرقب بها آفاق المستقبل.

قد نسلم بأن الواقع قد ضاق بنا في زماننا هذا، والإختيارات أصبحت معدودة على الأصابع، وإنما نسينا أن طبيعة الوجود هي هكذا والسنة الكونية لن تتغير، فلكي تصنع مجدك عليك أن تحفر في الصخر أولا وتبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك، اليوم ينقصنا الإبداع وتنقصنا الهمة العالية ولله در ذلك الشاعر عندما يقول: ومن يتهيب صعود الجبال… يعش أبد الدهر بين الحفر.

يعجبني كلام للمفكر الجزائري الراحل “مالك بن نبي” في كتابه ” بين الرشاد والتيه” يقول فيه: ( إن الزمن نهر قديم يعبر العالم، ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي يعيش فيها كل شعب، والحقل الذي يعمل به، ولكن هذه الساعات تصبح تاريخا هنا وهناك، قد تصير عدما إذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها)، هنا أقول أنه ليست لدينا أفكار خلاقة، جمود وركود وكأننا سلمنا بهذه السيرورة، لا بد أن تتغير هذه العقلية السلبية إن أردنا فعلا إحداث تغيير في حياتنا ونحقق نجاحنا الذي نرنو إليه.

إن ميادين الحياة كثيرة فمنا: الحرفي ومنا المدرس ومنا الطبيب..، لا بد أن لكل مجال مساحة تجعل الإنسان يبدع في عمله ولا يقصره على جانبه المادي الشخصي فحسب، فبهذا سيكون الأثر أعم وأشمل لجموع المجتمع، علينا أن ندرك هذا المعنى جيدا إن أردنا فعلا السير قدما بأنفسنا أولا وبمجتمعاتنا نحو أفق أرحب ونحو طريق النجاح الحقيقي.

لا بد علينا الأخذ بزمام المبادرة، شبابنا اليوم تائه بين معاناة من البطالة وفوضوية في التفكير دون وجود لمؤطر ولا موجه سواء على مستوى المدارس أو الجامعات، لولا تكون عندنا إستراتيجية واضحة ومخطط محدد لن نبلغ مبتغانا ولو بعد مئة عام، نعاني من لخبطة حقيقية في حياتنا اليومية فلا نلتزم حتى في أبسط الأشياء.

إن للأفكار السلبية لدورا كبيرا في هذا الوضع، على الإنسان أن يتحلى بالإيجابية في حياته، أنا على يقين تام بأن كل واحد منا له من القدرات والمواهب ما الله أدرى وأعلم بها، لكن عليه أن يستكشفها، أن يخرجها ويضعها في موضع التنفيذ، التثبيط من الشيطان، بينما الإيمان بالله عز وجل يجعلك تعمل وتكد محتسبا ذلك عنده وهذا يكفيك، لكنك بتفضل منه سترى من وراء هذا العمل خيرا كثيرا وبركة عميمة تغطي جميع جوانب حياتك.

إننا ننشد مجتمعا إسلاميا بأتم معانيه، حب الحياة فطرة من الله سبحانه وتعالى، ألم يقل ربنا جل وعز في كتابه الحكيم:(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) _سورة البقرة، آية 30_، من خلال هذه الآية يتضح لنا أن عمارة الأرض من صميم إنسانيتنا، إذا: فلمذا لا نتحرك؟ لما لا نعزم على العمل؟

كلمات بسيطة أردت من خلالها التنبيه، فما نراه ونشاهده اليوم لا يسر على الإطلاق، وكأننا خلقنا في رحم المعاناة والعذاب، لا هذا ليس بالصحيح بتاتا، أنت من تعذب نفسك بإرادتك أو تسعدها بإرادتك، والسبيل لبلوغك مبتغاك هو الإستعانة بالخالق عز وجل أولا ثم الإنطلاق والبدء في إنجازات حياتك.

أنت الأدرى بنفسك والأدرى بواقعك والأدرى بأفكارك وطموحاتك، إن لم تثق بنفسك وتغير طريقة تفكيرك صدقني أنت الخاسر أولا وأخيرا، إستغل كل لحظة في حياتك ولا تضيعها، فكل دقيقة هي من حقك ولك الحق في أن تعيشها وتملأها بالعمل، الكسل وعدم المبالاة لن يجلب لك إلا الخسران، وأي خسران أكبر من أن يضيع الإنسان كنزا بين يديه، كان عليه أن ينميه ويزكيه لبلوغ الجنة والفردوس الأعلى.

في نفس السياق هنا، يوضح لنا المفكر الراحل “مالك بن نبي” في كتابه “مشكلة الثقافة” دور الفكرة في النهوض بالمجتمعات بقوله:( إن تنظيم المجتمع وحياته وحركته، بل فوضاه وخموده وركوده، كل هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك المجتمع؛ فإذا ما تغير هذا النظام بطريقة أو بأخرى فإن جميع الخصائص الاجتماعية الأخرى تتعدل في الإتجاه نفسه. إن الأفكار تكون في مجموعها جزءا هاما من أدوات التطور في مجتمع معين، كما أن مختلف مراحل تطوره هي في أشكال متنوعة لحركة تطوره الفكري؛ فإذا ما كانت إحدى هذه المراحل تنطبق على ما يسمى النهضة، فإن معنى هذا أن المجتمع في هذه المرحلة يتمتع بنظام رائع من الأفكار، وإن هذا النظام يتيح لكل مشكلة من مشاكله الحيوية حلا مناسبا)، هذا هو المسلم وهذا هو المجتمع الإسلامي، فدينك هو من يدفعك قدما في هذه الحياة، لا بد عليك أن تعي ذلك جيدا، بذلك ستحس أن لك رسالة تؤديها، وستبدع وتنجز لنفسك أولا ولمجتمعك وأمتك ثانيا، وإعادة مجد قد ولى واضمحل نحن في أشد الشوق لإعادة الإعتبار له، نحن أحرى بذلك، فقط علينا تغيير نمط تفكيرنا.

أتمنى أن يجد مثل هذا الطرح آذانا صاغية، لأننا سئمنا هذا الوضع وسئمنا البقاء في دائرة التخلف والتقوقع الذي فرضناه على أنفسنا، فعلى جميع الفعاليات في المجتمع السعي لتوعية الشباب، من خلال التحسيس بأهمية أن يكون لنا مشروع حضاري، نعم فكل فرد منا ما هو إلا جندي من جنود هذه الأمة، المسألة ليست بالهينة على الإطلاق وهي غائبة تماما وربما غيبت عمدا، فالوحل الذي بتنا نعانيه اليوم لا يوائم هذا الهدف السامي، لا مجال للتنظير ولا الإسترسال في الخيال، علينا أن نقف وقفة جادة ونقيم مرحلتنا، التخبط لن يساعدنا أبدا على النهضة التي ننشد، لا بد علينا من إتخاذ القرار اليوم قبل الغد.

قال تعالى 🙁 فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [آل عمران: 159]،آية ذات مدلول واضح، لو وضعناها موضوع التنفيذ لإستطعنا الإزاحة جانبا كل المثبطات وكل المعوقات التي تكبل مفاصلنا، هذا هو منهجنا وهذا هو السراج الذي ينير لنا سبيل النجاح والفلاح، الخضوع والخنوع للأفكار السلبية والوساوس النفسية لن يزيدنا إلا وهنا على وهن، هي رسالتي لشبابنا اليوم بأن لا يرضى بواقعه، وأن يسعى لصناعة مستقبله بخطى ثابتة حثيثة، فهو يستحق ذلك ولا بد عليه ذلك، نحن اليوم في أمس الحاجة لأن نزرع بذور الخير والنماء لتزهر ورود مجتمعاتنا من جديد، فلقد طال ذبولها وغاب وهج بريقها.

كاتب جزائري*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق