ثقافة السرد

المغارة المنكودة

 ناجي ظاهر

ادرك محفوظ منذ بدايات تفتح وعيه الاول، على الناس والنساء، انه انسان فاشل، ولن ينجح في اي من علاقاته، لا مع الناس ولا مع النساء، فكان ما ان يقترب من احدهم او احداهن، حتى يبتعد عنه متلفتا الى الوراء، في محاولة منه للتخلص مما وجد نفسه متورطا فيه. وكثيرا ما توقف محفوظ في هذه الزاوية او ذلك الركن من انحاء بلدته، متسائلا عن السبب. بعدها يمضي متوغلا في فراغٍ بات يعرفه اكثر من سواه. بل انه اضحى يألفه في النهار.. ويشكو منه في الليل.
هذا ما حصل مع محفوظ مرة تلو الاخرى، وكان كثيرا ما يرسل نظرة الى المرآة امامه ويتساءل عن السبب، سبب الابتعاد عنه، وعندما تعييه الاجابة يأوي الى فراشه مهيض الجناح.. كسير الخاطر.
عاش محفوظ اول مغامرة غرامية له عندما رأى ابنة الجيران تبتسم له، وتمضي في طريقها نحو بوابة بيتها. وتجرأ رويدا رويدا فغمز لها بعينه طالبا منها ان تتوجه الى مغارة الحارة.
انصاعت الفتاة.. وتوجهت الى هناك، اما هو فقد سبح في الهواء الرخي وراءها. جلس الاثنان هناك كل منهما يحدّق في الآخر، وكان لا بد لاحدهما ان يبادر الى التحدث، وعندما لمست، هي، انه لن يتحدث، بادرت وسالته عن سبب صمته، فقال لها انه لا يعرف ماذا يقول… وعندما طلبت منه ان يقول اي شيء، عجز عن القول. وتابع صمته، وليته اكتفى بالصمت، بل اصابته حالة من اللعثمة زادت الطين بلة.. وجاءت النتيجة المحتمة وهي فرار العصفورة من المغارة ورفضها العودة اليها.. رغم كل ما انطلق من عيني محفوظ من استجداءات ورجاءات.
مضت السنوات تترى واحدة وراء اختها، وما زال وضع محفوظ كما هو، بل يقال انه اكتشف ان حادث المغارة ونكدها ما زالا يلاحقانه، وعبثا حاول ان يخرج منهما، فقد كان يعود اليهما مرغما ودونا عن ارادته.
بقي وضع محفوظ على هذه الحال، يمضي من سنة الى اخرى، الى ان التقى بشيخ مسن وحكيم، وطرح عليه معاناته، شاكيا باكيا. فما كان من ذلك الشيخ الا ان قال له ان مشكلته بسيطة وانه ما عليه الا ان يجد البديل لطلاقة اللسان، فساله محفوظ بلهفة مُحبٍ طال هجر الناس والنساء له، وما هو هذا البديل.. في رايك؟ فشب الحكيم على قدميه واشار الى جسمه قائلا اطلق سراح جسمك ولتكن رياضيا ذا قِوام يجذب اليه الآخرين كما تجذب الوردة عشاقها. اشرأب محفوظ بعنقه متسائلا وماذا ايضا؟ فاتخذ الحكيم مجلس عازف قيثارة واقترح عليه ان يتقن فن العزف عليها.
لم ينم محفوظ في تلك الليلة، بل انه انتصب في منتصف الليل.. فتح باب غرفته وانطلق باتجاه الشارع القريب من بيته، ومن هناك ابتدأ بالدوران حول بلدته المسترخية في الظلام. في اليوم التالي توجه الى افضل عازف قيثار في البلدة، وطلب منه ان يعلمه العزف.
بعد سنوات كان تكوين جسم محفوظ قد اقترب من تشكل جسم كيوبيد، اما معزوفاته فقد اقتربت من معزوفات ابولو. فَرِحَ محفوظ بإنجازه هذا.. الا ان حنينه الى الناس والنساء، ظل يلاحقه دون ان يحقق فيه ما يمكن ذكره، وكان ما يحيره هو انه ما ان تصل لُقمة الناس.. او النساء الى فمه، حتى تختفي مثل فص ملح وتذوب مذكرة اياه بتلك النُدبة التي خلّفها جرح ابنة الجيران في جسمه وروحه. صحيح انه سعد باهتمام الناس بقوامه الكيوبيدي، وصحيح ايضا انه كان مبتهجا سعيدا بإعجاب المحيطين به وبعزفه الابولوي، الا ان داخله لم يسعد ولو لحظة واحدة، وكان محفوظ يحاول كل اكام سنة ان يوجد صديقا او صديقة، سوى ان النتيجة لم تكن تأتي افضل من سابقتها. بل انها كانت تؤكدها وتشكل استمرارا طبيعيا لها.
بقي وضع محفوظ على ما هو عليه، الى ان رفع راسه من هموم حياته ليجد نفسه في السبعين من عمره، وليكتشف ان كل من امكنهم تحمله من اهله واصدقائهم، قد ولوا في طريقهم الابدي، وليبقى بالتالي مثل سيف وحيد استغنى عنه صاحبه المقاتل.. فأهداه الى متحف يحمل نكهة الماضي.. وحلم المستقبل.
وكما يحدث في القصص، ما ان اتم محفوظ السبعة عقود من عمره وبادر لإشعال شمعتها، في مغارته المنكودة، حتى اطل عليه وجه طالما تمنى ان يراه… انه وجه ابنة الجيران وقد كبرت وباتت تشبهه. انتصب محفوظ وسط المغارة فبدا مثل اله اسبارطي، واحتضن قيثارته كما يحتضن متيمٌ معشوقَته، وراح يعزف الحانا ادخرها، بكل صبر ودأب، لتلك اللحظة.. خلال سنوات تعلمه وما تلاها من سنوات طوال.
انفعلت ارض المغارة، حجارتها.. جدرانها وسقفها، وانتقل الانفعال ليشمل كل ما اتى بوجهه، بما فيه ابنة الجيران، ما شجع محفوظ على المزيد من العزف، وما شجع مستمعته على المزيد من الاصغاء، وحان الوقت لينظر احدهما في وجه من قبالته هناك في اعماق المغارة، فاكتشف انه عاد شابا لمّا يؤثّر عليه تعاقب السنوات والعقود.. فرح الاثنان بما صنعته الموسيقى حولهما وبهما، غير ان ذلك الموقف القديم عاد، بعد انتهاء العرض، ليتكرر مرة اخرى، وليجلس كل منهما محدّقا في الآخر، دون ان ينبس ببنت شفة.. ويقال انهما بقيا جالسين في مكانهما، حتى تكاثف الظلام.. فانسلت ابنة الجيران تاركة محفوظها وحيدا.. بالضبط كما تركته في زمان قديم.. غابر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق