الموقع

رسالة إلى الرئيس فرانسوا هولاند

السيد الرئيس: منذ اثنتي عشرة سنة وجهت رسالة مفتوحة عبر جريدة “البصائر” إلى جاك شيراك رئيس فرنسا، ذكّرته فيها بجزء بسيط جدا من جرائم فرنسا في بلدي، التي تلخّصها مقوله الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت، وهي: “إن الاستعمار الفرنسي هو أسوأ وأخبث ما يمكن أن ينكب به شعب من الشعوب”، وعبّرت له فيها عن مشاعري ومشاعر الأغلبية من الجزائريين تجاه فرنسا، وهي مشاعر يلخصها بيت من الشعر للعالم المغربي محمد تقي الدين الهلالي، هو: أعادي فرنسا ما حييت، فإن أمُت فأوصي أحبّائي يعادونها بعدي. وأوجه إليك اليوم هذه الرسالة حاملة المعاني نفسها والأفكار نفسها بمناسبة مجيئك إلى الجزائر. لن أكون منافعقا فأقول لك: أهلا وسهلا.. لأنني أعرف أن بلدي لم يعرف الخير منذ التقى تاريخه بتاريخ فرنسا، وإنك لم تأت إلى الجزائر إلا من أجل صفقات تجارية لفائدة بلدك.. وأما الاعتبارات المعنوية فهي روح حضارتنا وقيمنا، ومن أمثالنا السائرة: “تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها”.
تعلم يا سيادة الرئيس، أو يجب أن تعلم، أن أفضال الجزائر وأياديها البيضاء على بلدك كثيرة، ومنها نجدة الجزائر عسكريا لفرنسا في عهد فرانسوا الأول، وهنري الثاني، وهانري الرابع، ولويس الرابع عشر.. دون أن ننسى الأموال الطائلة وأنواع المواد الغذائية التي أمدّت بها الجزائر فرنسا عقب الثورة الفرنسية، وحصار الدول الأوروبية لها، وماتزال دينا على فرنسا..

كنا ننتظر أن تعترف فرنسا بأفضالنا عليها، وتشكرنا؛ فإذا بها تشن علينا حربا قذرة خالية من أخلاق الحرب، حيث استهدفت البشر، والشجر، والحجر، والحيوانات، ولم ينج منها لا شيخ كبير، ولا طفل صغير، ولا امرأة.. وأشار بعض قادة فرنسا أن يُفعل فينا ما فُعل في سكان أمريكا الأصليين، وأطلق علينا إسم “هنود الجزائر”… رما منع فرنسا من تحقيق ذلك إلا هذا الجهاد الشريف النبيل الذي جُبل عليه هذا الشعب الذي نقل جهاده الأخير إلى فرنسا، وجعلها “الولاية السابعة” في تنظيمه الجهادي.. إن بين الجزائر وبين فرنسا – يا سيادة الرئيس – اعتبارات معنوية لا تعوضها المصالح المادية، وأؤكد لك أن العلاقات بين الجزائر الأصيلة وفرنسا لن تكون طبيعية ما لم تلبّ تلك الاعتبارات المعنوية. ولا يغرّنك ما يحشد لك من “غاشي”، يلوح لك بالأعلام، ويصفق لك..

إنني أعلم أن رئيس بلدية بورغ – سان بيير في جنوب غرب سويسرا- قدم إلى الرئيس ميتران عند زيارته إلى سويسرا (أفريل 1983) فاتورة قيمتها 45000 ف، ثمن 2037 شجرة صنوبر، و80 قطعة ما بين طناجر ومدافئ استعارها نابوليون في طريقه إلى إيطاليا وضاعت، وذلك في 13 ماي 1800، فكيف تريد فرنسا أن تنسى الجزائر عشرات الملايين ماتزال في عنق فرنسا إلى الآن، إضافة إلى أشياء لا تقدر بثمن، أهمها الأرشيف الجزائري الذي سرقته، ونبش قبور الجزائريين، ونقل عظامهم إلى فرنسا لاستغلالها في صناعة السكر؟ وإنني أعلم سبب كره فرنسا للشعب الجزائري، وهذا السبب هو تحطيمه “عقدة التعاظم، والاستعلاء” عند فرنسا، وقد تجسد هذا التحطيم في:

❊) عدم استنجاد الجزائر – لمواجهة أعدائها – بفرنسا؛ بينما استنجدت فرنسا “العظيمة” بالجزائر لتدفع عنها اسبانيا، وانجلترا، والعصبة المقدسة وقد شهد بذلك مؤرخو فرنسا..

❊) لم تستسلم الجزائر لفرنسا؛ بل بقيت تجاهدها بالسلاح طيلة وجودها في الجزائر، وقد اعترفت الموسوعة الامبراطورية الرسمية أن الجزائر كلفت فرنسا 75 سنة من المجهود الحربي، (الموسوعة مطبوعة في 1948)، والحقيقة هي أن الجزائريين استمروا في جهادهم ضد فرنسا أكثر من ذلك، فثورة الأوراس الثانية وقعت في 1916.

❊) استرجاع الجزائر استقلالها غلابا، واستعادتها سيادتها عنوة، وليس في ذلك مثقال ذرة من فضل لفرنسا التي تتفضل على الشعوب الأخرى بأنها منحتها الاستقلال.

وكما حطم الشعب الجزائري المجاهد “عقدة التعاظم والاستعلاء” عند فرنسا فقد خلق فيها عقدة أخرى لا أعرف كيف أسميها، وأرجو علماء النفس أن يساعدوني في ذلك.. وهذه العقدة هي إن “انتصارات” فرنسا على الجزائريين غير مجيدة، لأنها انتصارات “الآلة والكثرة” على شعب أفقرته، وجهّلته، وأمرضته.. وإن انتصارات الجزائريين على فرنسا هي “عار مضاعف”، لأنها انتصارات شعب أفقرته، وجهلته، وأمرضته على دولة تعد نفسها من الدول العظمى..

سيادة الرئيس:

أطلب منك ما طلبته من الرئيس شيراك:

❊) اعتراف فرنسا الرسمي بجرائمها الكثيرة، والكبيرة، والتي لا مثيل لها التي ارتكبتها في الجزائر، وآثار بعضها ماتزال إلى اليوم، وستبقى إلى آماد طويلة. (التفجيرات النووية).

❊) اعتذار فرنسا الرسمي للشعب الجزائري عن تلك الجرائم، وعن تجهيله، وعن تحطيم منشآته الحضارية..

❊) إعادة آثاره التي سرقتها فرنسا، وفي مقدمتها أرشيفه.. كيف تسمح فرنسا لنفسها أن توصف إلى اليوم بـ”الدولة السارقة”؟

إن الاعتذار للشعب الجزائري هو اعتذار للإنسانية كلها، بمن فيها أبناء فرنسا الحاليين والقادمين، لأنه لا يشرفهم أن يكون بلدهم بهذا السوء، وبهذه البشاعة، جعلت أحد الأوروبيين يقول: “إذا كان الله قد خلق مستعمرا أسوأ من المستعمر الفرنسي فإنه لم يخبرني به”. (من قلب اللهيب: م.ص الصديق).

إننا مازلنا – يا سيادة الرئيس – على مذهب إمامنا محمد البشير الإبراهيمي القائل: “هيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المُر من ثمراتها”، لأن “باريس هي منبع شقائنا”. (آثار الإبراهيمي 2 / 466).

وسنبقى كذلك حتى ترضخ فرنسا – طوعا أو كرها – فتعتذر عن جرائمها، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وعندها تقول لأي رئيس لفرنسا يزور الجزائر، “مرحبا بك، وأهلا وسهلا”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق