قراءات ودراسات

قراءة عاشقة لنص ياسمينة صالح: أن تموت واقفا!

بقلم: د.عبد السلام فزازي

من المفترض أن كتابات ياسمينة صالح لا يمكن تناولها بعفوية ما دامت تبع حقا من مفهوم حداثي يختلف باختلاف مسمياته وتداولاته.. كتابات تقع في حدود مفهوم الحداثة العربية الذي يسبب كثيرا من الإرباك حين نحاول القبض على جوانيته الطالعة من ماغما اللغة العاشقة، وهذا ما يربك محاولاتنا ونحن نحاول ا طرح عدد كثير من التساؤل عن معنى وخصائص الجنس الأدبي ومعاييره عند الكاتبة المتفردة عن باقي الكاتبات حين تغامر بالدخول في معترك مثالة الاستعارة في زمن نستلك فيه اللغة العادية التقريرية بعيدا عن جمالية هذه اللغة العاشقة المتمنعة…

ولعل الكلام عن مدخل معقول للحديث عن كتابات ياسمينة صالح، هو أصلا مدخل يستند على أن الفرق بين النمطية والحداثة يعتمد على التناقض بين المفهومين، فالحداثة تجاوز للنمطية ( هل يصلح هذا تعريفا للحداثة؟). وبهذا المعنى فإن الحداثة ليست شكلا وليست أسلوبا أو اتجاها، بل معنى الإبداع في الإبداع، فالزمان الإبداعي تجاوز مستمر. وعلاقة مختارات ياسمينة صالح بالحداثة تتصل بهذا المعنى من وجهة نظري، ومن يقرأ هذا النص«أن تموت واقفا» يقف حتما أمام هذه الحقيقة التي لا يختلف عنها اثنان.فأي جمالية هي كتابتها حين تهيم بنا في عالم لا نستطيع أن نحدده أجناسيا لأنه يعانق بلاغة لغة شعرية متداخلة مع ما هم سردي: يرتبك قلبي حين يتسلل إليه عطر الليل المتكئ على شمعدان..عطرك! أتنفس ملء أناتي الممتدة من الفراغ إلى الفراغ. أتحسس بقايا مرورك على الأشياء التي أحببتها، قصيدة أرددها لأواسي ذاكرة معطوبة. رنة جوال تعرفها دقات قلبي السريعة، وكتاب أهديته لي منذ عام ولم أنته من قراءته! كمن يسعى إلى إطالة عمر الحلم مدى العمر!

فمن الواضح أن قصيدة النثر التي لا تبتعد بشكل من الأشكال عن كتابات ياسمينة سواء في هذا النص أو في باقي نصوصها الرواية الرائعة، أصبحت (نمطية) هي الأخرى ، و(استقرت في نمطها المتداول الذي يذكرنا بما استقرت عليه القصيدة العربية بعد 5 حزيران1967. ولعل وضوح النمطية في قصيدة النثر يجعلنا نتساءل  بنوع من العشق الاستثنائي عن تعبير ياسمينة الحداثوي بشكل مشروع؛ وبالتالي يدعونا كل هذا إلى الإقرار بتداخل الأجناس الأدبية وانصهارها في ماهية الكتابة الإبداعية بعيدا عن نمطية الكتابة الكلاسيكية. ولهذا ارتأينا في عنعنتنا هذه الاعتراف بمبدعة قادمة من جبال الأوراس بثبات نحو المجد الذي لا يمكن أن يصنعه كائنا من كان.هي من تحاول في كتاباتها أن تنفض غبار الماضي، متحديا قدسية الأجناس الأدبية التي طالما لم يكتب لها الانصهار في ما بينها، وهي بهذا التطهير الإرادي بالضبط تذهب إلى قارة الكتابة السردية مجربة أن تكون شيئا جديدا. وكما في كل فن، علينا ونحن نتناول هذا النص الإبداعي المتميز« هل تعرف كم يحتاج المرء من الوقت ليشفى من نزلة قلب؟ قد يحتاج إلى عمر الشجر، وإلى عمر السنابل، وإلى عمر النجمة التي تصدقني حين أتأبط ذراعك وأمشي معك في شارع العادة المستهجنة! أسألك: هل حان الوقت؟ وأكتشف صوتي يرتعش من البرد! تقول دهشتك: هل ضجرتِ؟ فيرد قلبي المنهك من عبث المشي: لا! لكني متعبة من طريق أعرف نهايتها مسبقا! وعلينا أن نعرف حدود اللغة التي سنحتاج إلى اختيار مفرداتها جيدا، كي لا نجرح بعضنا عندما لن تكون ثمة لغة تصلح للحوار! » أن نبحث معها في جوانيته، عن أدوات بناء العمل الفني وطريقة استخدامها، وفي كتابة هذا النص الجمالي وكيف تشكل فيه كل من اللغة والصورة أداة واحدة لا عنصرين اثنين في بناء السرد، فالمعنى صورة، والصورة معنى، وبناء النص هو تزاوج الصورة بالمعنى، بينما تربط اللغة هذا النسيج مع بعضه وتدخل هي فيه. ولعل دراسة نصوص المبدعة تعتبر خطوة نحو فهم هذا النمط من الكتابة ومحاولتها ليست إلا محاولة للنقد للوصول إلى مسافة أقرب من العمل الإبداعي وفق رؤية جمالية ترى الوظيفة الاجتماعية للفن في يوم وترى الفن للفن في يوم آخر. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن ياسمينة هي واحدة من أهم رموز الكتابة السردية المخترقة لمفهوم الأجناس الأدبية في يومنا هذا الذي نفتقد فيه إلى مثل هذه المحاولات الواعدة ، على مستوى الإنتاج والإبداع معا. فما أعظم سيمفونيات اللغة حين تدوزنها بلاغة مبدعة تراقصها في حضرة أبجدية عصية: « هل تعرف كم يحتاج المرء من الوقت ليشفى من نزلة قلب؟ قد يحتاج إلى عمر الشجر، وإلى عمر السنابل، وإلى عمر النجمة التي تصدقني حين أتأبط ذراعك وأمشي معك في شارع العادة المستهجنة! أسألك: هل حان الوقت؟ وأكتشف صوتي يرتعش من البرد! تقول دهشتك: هل ضجرتِ؟ فيرد قلبي المنهك من عبث المشي: لا! لكني متعبة من طريق أعرف نهايتها مسبقا! وعلينا أن نعرف حدود اللغة التي سنحتاج إلى اختيار مفرداتها جيدا، كي لا نجرح بعضنا عندما لن تكون ثمة لغة تصلح للحوار! »



د.عبد السلام فزازي جامعة ابن زهر بأغادير المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق