ثقافة السرد

السيجارة

عبد الكريم ساورة

غالبا مايسود الاعتقاد بين الناس أن الحياة مثل أوراق اليانصيب، هناك من يظل يلعب طول العمر ولايربح أبدا، وهناك من يربح من أول فرصة، وهناك من يلعب ولايعرف لماذا يلعب في هذه الحياة.
ذات شتاء وأنا أتجول بالولي الصالح بويا عمر قبل أن يتم ترحيل نزلائه أو بالأحرى سجنائه، أثار انتباهي شاب في مقتبل العمر، وسيم الوجه ينظر إلى الأعلى وهو مكبل الرجلين. اقتربت منه فلم يتحرك. نظر إلي فابتسم كأنه يعرفني. اقتربت منه أكثر وقلت له : أتريد خبزا ؟ ضحك وربت بيده على شعره الطويل وقال لي : ولماذا اخترت الخبز ؟ أيوجد الخبز وحده في هذا العالم ؟ بصراحة تفاجأت من جوابه السريع . ووقفت أفكر بماذا أجيبه . فقال لي : اقترب قليلا، هل أنت خائف مني رغم أنني مكبل بالسلاسل. وزاد قائلا كأنه يعرف جيدا مايقول : لماذا أنتم خائفون هكذا دائما ؟ وفجأة وجه نظره كمسدس نحوي وقال لي : أنا لا أريد خبزك ياسيدي، أنا إنسان شريف ولست بمتسول.
من خلال هذه الكلمات البسيطة والحاملة لأكثر من دلالة، جعلني أدنو منه دون إرادة وأنا أقول له : وماذا تريد أن أقدم لك ؟ فرد علي ببساطة : سيجارة فقط سيجارة. حينئد أجبته بسرعة ولماذا ترفض الخبز وتريد سيجارة ؟
فرد علي ولم يفكر ولو برهة : لأن الخبز سيزيد لي في عمري الشقي في هذه الحياة الكئيبة. أما السيجارة فستحرق ماتبقى لي من نبضات قلبي. وزاد قائلا كمن يريد أن يعترف بشيء يقلق سجيته : السيجارة ياسيدي ستزيد إشعال النار التي التهمتني ذات مرة. احتاج إلى النار أكثر، أكثر مما تتصور لأنتهي من هذا المسلسل الفظيع. ثم أنزل رأسه إلى الأرض كمن يقوم بطقوس الصلاة في معبد مشتعل بالنار من كل جنباته.
وقفت مندهشا لا أعرف ماذا أفعل وماذا أقول له ؟ لكن سرعان مابغتني بقوله : ياسيدي العزيز أنا لست بمجنون ولا مختل عقليا ولاشيء مما يمكن أن يدور في ذهنك من تصورات مسبقة عني. أنا هنا بسبب فورة طموحاتي التي لاتنقضي. أنا هنا لانني شاب أرعن. شاب أقلق أسرته وذويه وطالب أكثر مما ينبغي. طالب بما لاينبغي المطالبة به . وقاموا بالتخلص منه بهذه الطريقة الجهنمية . وأردف وهو يبتسم أنا معتقل ياسيدي بسبب رعونتي وفظاظتي وتعنتي في مواجهة الغول.
طلبت منه أن ينتظرني بعض الدقائق ، اشتريت له علبة سجائر وعدت مسرعا. سلمته العلبة ،تناول منها سيجارة وأعادلي العلبة كاملة. أشعل السيجارة وأخد يرتشفها بقوة كمن يقبل فتاة لأول مرة. بعد دقائق قال لي : أشكرك على هذا الكرم الذي لا أستحقه. أتعرف لقد تعلمت الكثير من الأشياء داخل هذا المعتقل. أنه مدرسة حقيقية لمن لم تعلمه المدرسة الأم. عرفت الجوع والضرب والقسوة والألم والوحدة والغربة. والأهم تعلمت أنني كنت الجاني على نفسي وعلى أهلي، وعلى من هم أكبر مني . أتعرف لايمكنك في هذا المكات الرهيب سوى أن تتعلم هذا الدرس السري . أو مات له برأسي كأنني أسايره على كل مايقول . وقد فهم أنني انصت له جيدا .
ارتشف رشفة طويلة تم قال لي : أراك لم تقل شيئا ؟ ألم تتوقع كل هذا مني ؟ قلت له نعم . فرد علي : كل من يحدثني يقول لي نفس الأمر. الحياة مفاجات ولكن أكثرها غير سارة. حاول أن يقترب مني أكثر كمن يريد أن يبوح لي بسر ولكن السلاسل منعته من التحرك أكثر وقال لي وقد خفض من صوته : أنا حاصل على الإجازة في السوسيولوجيا ومن عائلة فقيرة، كل ما أذكره جيدا أنني كنت أقرأ كثيرا، وأحلم كثيرا، أحلم بأشياء كبيرة… أليس الحلم هو بداية البدايات ؟ تم أضاف بنبرة فيها انفراج كبير في وجهه قائلا : من يدري ربما يجب علي أن أكون هنا، أسمع صوت السلاسل كل يوم ، أرى ظلمة الليل مباشرة، وأسمع صراخ الجميع، ساتحمل كل شيء من أجل أن تنفك قيود من دافعت عنهم ذات يوم دون مقابل.
نظرت إليه نظرة مطولة، ابتسمت في وجهه ، وأنا أهم بالمغادرة طلب مني سيجارة أخرى، وأنا أسلمه السيجارة حاول أن يقترب مني أكثر وهو يقول لي : إذا سألت هنا عن سبب مجيئي إلى هذا الجحيم، فجميعا سيقولون لك إجابة واحدة : وهي أنني شخص مدمن على المخدرات، الإجماع دائما يقتل المبادرات الخلاقة، المهم شكرا لك على السيجارة.
كاتب وقاص مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق