قراءات ودراسات

محنة الكاتب وسحر الرواية

ابراهيم سبتي

الموت لـ(موبي ديك) فليمتنا الله جميعا إن لم نقتل موبي ديك  ! فلنشرب نخب موته !! بهذه الكلمات كان القبطان  ( أخاب ) ، وفي ترجمة اخرى للدكتور احمد خالد توفيق (آهاب )، قد شحذ همم أصحابه في سفينة صيد الحيتان ( بيكود).. إنما هل يستطيع الإنسان ان يقمع هوسّه وتمرده الطاغي ؟ قد يحاول كل منا ان يجد له مكانا ما في ساحة الصراع أي كانت ، ولكن قد لا ينتج عن هذه المنازعة اية نتيجة او ربما تذهب المحاولة عبثا .. في خضم الانتاج الروائي العالمي، ثمة روايات اتخذت من الصراع بين الإنسان وقوى متعددة أخرى، ثيمة رئيسة فيها.. مع اختلاف نوع الصراع وكيفية معالجته.. الا ان موبي ديك رواية هيرمان ميلفل المكتوبة عام 1851، كان الصراع فيها مأساويا ومعروف النتائج، إلا أن مبدأ الخسارات لم يكن مطروحا في ممارسة وفكر أخاب بطل الرواية البحار العنيد ..
في القراءة الأولى للرواية (ترجمة الدكتور احمد خالد توفيق )، ثمة مقاربات جدلية لم تحسم في نظرتنا للصراع داخل المتن الروائي وهي قراءة لم تأت وفقا لما أراده ميلفل في متنه الضخم  .. وفي القراءة اللاحقة  ، كانت موبي ديك رواية أخرى تماما  وخاصة بترجمة الدكتور احسان عباس او لنقل ربما أصابنا هوس القراءة المخترقة لمغاليق السرد .. اخرى لانها كشفت بعمق ، المأساة الكامنة خلف سرد الراوي.. مأساة الإنسان المتكلف الراغب بهزيمة قوى الطبيعة المتمثلة بالحوت الأبيض ( موبي ديك ) .. هذه المقاسة خاطها ميلفل بعناية ودراية وعارف بشؤون البحار وأهوالها مما أهلته معرفيته الخوض في غمار تجربة الكتابة الشائكة للرواية البحرية الصعبة فبان انعكاس ذلك على أحداث الرواية بوضوح ، او كما يقول كارل يونغ أن الخبرات التي يمر بها الشخص لا تنسى ولا تختفي تمامًا إنما تصبح جزء من لا شعوره الشخصي وتلك الخبرات أما أن تكون قد كبتت لا إراديًا أو قمعت إراديًا باعتبارها ذكرى مؤلمة للأنا أو أنها من الضعف بحيث لم تترك انطباع شعوري في النفس..
.. وفي مقاربة أخرى يمكن اعتبارها قصة بحرية موسوعية لم تترك شيئا ، اسما او مصطلحا بحريا لم تأت به .. وتكلف ميلفل عناء بحثه عن الأسماء والاستعارات والصفات ذات العلاقة بحكم إيغاله بتفاصيل مضنية جمعها ليكتب عمله الضخم الذي لم يلق النجاح الذي حلم به و لم تحظ بالاهتمام النقدي حتى انها لم تعامل باهتمام  من قبل الناشرين في حينها ما جعل كاتبها يشعر بالاخفاق واليأس والإحساس بالعجز ويموت بعدها بعيدا عن الأنظار مهملا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر.. قال عنها برنارد شو (منذ عرف الإنسان كيف يكتب لم يوجد قط كتاب مثل هذا الكتاب ، وعقل الإنسان أضعف من أن ينتج كتاباً مثله ، وإني أضع مؤلفه في مصاف مؤلفات رابليه وسويفت وشكسبير). وقد خلقت الرواية قارئا خاصا لها ، فهي بحجمها الكبير وتفاصيلها المملة أحيانا والبعيدة عن قصة الرواية ، لا يمكن ان تكون سهلة ابدا .. فالقارئ حسب ناتالي ساروت ” يجب عليه أن يتعرف في ما يقرأ على عالم ليس عالمه، ولكن يرغب في أن يكون عالمه”.
تبدأ الرواية  ( بلسان إسماعيل الراوي وهو احد أفراد السفينة بيكود ) ، بحركة السرد السريع المخبر عن نوايا القبطان ورجاله حينما يتحركون من جزيرة الحواتين (نانتوكت ) متجهين إلى( رأس هورن ) للبحث عن موبي ديك الحوت الأبيض الهائل الحجم الغامض والذي كان مثار تحد وفزع لكل البحارة والممتهنين صيد الحيتان على حد سواء ، لكنهم كانوا يبحثون عن قدرهم في رحلة الخوف والصعاب والموت هذه بعد ان قرر أخاب بطل الرواية  ان يجمع طاقما قويا لمطاردة واصطياد موبي ديك ويقودهم بحرفة وبراعة الباحث عن كنز ثمين يعلم أين يجده ، بعد ان فشلت محاولته الأولى التي أسفرت عن  تحطم سفينته وموت رجاله وفقدان ساقه .. كان قرار أخاب العنيد ممتزجا بين الثأر والجنون والتحدي ، رغم ان فرصة النجاة كانت ضئيلة او تكاد تكون معدومة لكنه ظل مهووسا بفكرة الانتقام التي ألبسته الشعور بعدم الرجوع دون تحقيق مبتغاه .. المحاولة تنم عن ارادة مشوبة بالقلق من المصير المجهول ولكنها صممت لانتزاع سيطرة القوى الأخرى على الإنسان مهما كانت تمتلك  من الجبروت والقوة .. وبعد رحلة متعبة ومملة ومفاجأت وخوف مريع ، كانوا يخترقون البحار المتجمدة وجبال الثلج البيض تحت سماء ملبدة بغيوم مخيفة و يقتفون اثر الحوت الأبيض  وبعد معاناة ، يعثرون على طريدتهم  وتبدا المعركة لثلاثة أيام متتالية وهنا يتحول المسار الروائي كليا داخل فسحة السرد:
فصاح أخاب: “أجل ثب وثبتك الأخيرة نحو الشمس يا موبي ديك! دنت ساعتك ودنا من يدي الرمح الذي سيرديك! انزلوا جميعاً إلا واحداً في المقدمة. القوارب! تأهبوا!” أغفل البحارة استخدام سلالم الحبال المملة عند القلوع وانزلقوا هابطين على ظهر السفينة كأنهم وجوم الشهب، عن طريق الدعائم الخلفية المتفرقة وحبال الأعلام، بينما أنزل أخاب من مرقبه في انطلاق أقل وسرعة أكثر. وكأنما أراد موبي ديك أن يلقى رعباً في قلوب العصب الثلاث من الملاحين، إذ كان هذه المرة هو البادئ بالهجوم فقد استعدوا وتقدم نحوهم..” وهكذا يبدأ الصراع الثاني ( بعد معركة سابقة خسر أخاب ساقه فيها ) والأقوى بين رجال يقودهم أخاب بساق واحدة ، وبين موبي ديك وتمتد المعارك معه دون ان ينالوا منه ويروع البحارة من جبروت هذا الكائن الضخم . وفي ثالث أيام المعركة، غرس أخاب رمحه في جسده الأبيض اعتقادا منه انه سيقتله لا محالة ، ويحدث ما لم يكن محسوبا عندما يلتف حبل الرمح على رقبة القبطان أخاب وهو في احد قوارب السفينة المتعقبة للحوت.  و ينجح الحوت في ضرب السفينة وتدميرها ويغرق البحارة ويسحب الحوت أخاب  المشنوق بالحبل الى الأعماق السحيقة لينتهي كل شيء  وينجو من الكارثة إسماعيل الراوي .. إنها رواية فلسفية ومأساوية في آن معا  فرغم بطولة اخاب ينتهي نهاية درامية يفقد أصحابه والقوارب الأخرى المرافقة وينتهي المصير المؤلم الى هاوية التمني بالتحدي .. ولكن أي تحد ؟  تحدي الطبيعة رغم كل عنفوانها وجمالها ،  التي أصبحت هي قاتلة للكابتن وأصحابه وهذا ما يتعارض مع مبدأ الجمالية والاسترخاء وسلمية المعنى  لها .. في الرواية لا أجوبة قاطعة لتساؤلات آخاب غير الموت .. هو الحقيقة الوحيدة التي تدور حولها محاور الرواية ، فكل صرخات القبطان المتحدية والأنخاب التي تدور على السفينة ابتهاجا بلحظة ملاقاة موبي ديك ، وأوامره التي لا تنتهي لرجاله ونصائحه ، تذهب سدى مع ضربات الحوت المدوية للسفينة وقواربها المتقلبة وسط الموج والذي لم يستطع احد من التشبث باي خشبة منها للنجاة .  ويذكرنا هذا المصير المكتوب بطريقة السرد هذه بقول سارتر بأن الكتابة هي نوع من الشهادة الموجزة على موت الإنسان..
يحاول ميلفل الاقتراب من التاريخ ويستفيد من اسم آهاب وهو اسم ملك أخذه من العهد القديم وكذلك إسماعيل الراوي والناجي الوحيد هو ابن هاجر زوجة النبي إبراهيم .. في حين نجد ان سفينة الانقاذ التي تعثر على اسماعيل اسمها راحيل إحدى نساء يعقوب وهذه الدلالة بمعنى أزلية الصراع وأبديته وانه لا ينتهي .. لقد جر أخاب على نفسه مزيدا من العذاب والآلام وهو يحاول تحدي الحوت الضخم.. هنا يكون الإنسان وحيدا تجاه الطبيعة الغالبة، القوية والمفترسة.. هذا قدر اخاب .. حتى اننا نعتقد ان ملفل أراد الانتصار لقوى الطبيعة الخارقة تلك على الانسان الضعيف المستوحد في لجج الأمواج الهادرة وأي إنسان هو ، ذلك الذي يصارع بساق واحدة !! و الحوت مثال واضح لهذه المقاربة..
لم تلق الرواية في حينها أي اهتمام يذكر فقد كتبها ميلفل في عام 1851.  وفي عام 1907 كلفت مطبعة جامعة اوكسفورد  جوزيف كونراد بكتابة مقدمة للرواية التي أصدرت طبعة منها ، الا انه رفض بحجة ان الرواية عبارة عن عمل كلاسيكي ثانوي لايرتقي الى الأعمال المهمة والمؤثرة في تاريخ الرواية و فيه مبالغة وتكلف واضح عن عملية صيد حوت لا اكثر .. في عام 1919 كتب الناقد الأمريكي كارل فان دورين دراسة عن الرواية مشيرا الى انها إحدى أهم روايات البحر الرومانسية في جميع أدب العالم .. ولفتت الدراسة نظر الكاتب البريطاني د. هـ. لورنس الذي امتعته وبهره اسلوبها و كانت مقالته عنها قد أعادت اكتشاف موبي ديك واعتبرت من وقتها انجازا عظيما في الرواية الكلاسيكية ومعجما فريدا للحيتان وأدوات الصيد وصارت مصدرا مهما من مصادر البحث عن أساليب كتابة رواية البحر وأساس متين استند عليه الكثير من الروائيين كما يقول الروائي جاد الحاج كانت رواية «موبي ديك» نقطة تحوّل أساسية في مجرى الأسلوب والتعبير نسبة الى الرواية الأميركية والعالمية على السواء، بل أصبحت معلماً أو مرجعاً تقارن به مئات الروايات الحديثة حتى يومنا. ولعلّ «ثلاثية البحر» لوليم غولدينغ و «الشيخ والبحر» لأرنست همنغواي و «البحر، البحر» لدوريس ليسينغ من أبرز الانعكاسات، على رغم تنوعها، للأثر العميق الذي تركته «موبي ديك» في الكتابة الروائية، ناهيك عن عدد لا يستهان به من الأعمال الشعرية والسينمائية والموسيقية.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق