ثقافة المقال

الرومانتيكية في شعر عبدالله البردوني (2)

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

في الدواوين المطبوعة الثلاثة : من أرض بلقيس وفي طريق الفجر ومدينة الغد برع الشاعر العربي الكبير عبدالله البردوني في رسم الصور وتجميلها وصناعة الشعور والأحاسيس في روابطها فهو يصور الحياة الطبيعة الحب العاطفة الحدث الدامي الباكي الأم الحنون الرؤوم الأب المكلوم الفقيد الشهيد الجميلة الحزينة الزوجة الصالحة الفقيدة أو الشاهدة على الفقد.
ها هو يترنم في (نار وقلب) :
يا ابنة الحسن و الجمال المدلّل
أنت أحلى من الجمال و أجمل
و كأنّ الحياة فيك ابتسام
و كأنّ الخلود فيك ممثّل
كلّ حرف من لفظك الحلو
فردوس نديّ و سلسبيل مسلسل
كلّما قلت رفّ من فمك الفجر
و غنّى الربيع بالعطر و اخضلّ
أنت فجر معطّر و ربيع
و أنا البلبل الكئيب المبلبل
أنت في كلّ نابض من
عروقيوتر عاشق و لحن مرتّل
كلّما استنطقت معانيك
شعريأرعد القلب بالنشيد و جلجل
وانتزفت اللّحون من غور
أغواري كأنّي أذوب من كلّ مفصل
هكذا يستفز ويخرج اللحون من غور أغواره العميقة ليعطي المتلقي والقارئ هذه العصائر النفيسة فهو يحترق كالشمع ليصنع للغادين والرائحين النور والأشعة الدافئة الجميلة.
ويبلغ الأوج في تصويره لحبيبته وجميلته وأين وكيف يلاقيها؟ وأين مكانتها ومكانها في نفسه؟ وما قيمتها عنده؟
و ألاقيك في ضميري كما
لاقى الـفم المستهام أشهى مقبّل
في دمي من هواك حمّى
البراكـين العواتي و ألف دنيا تزلزل
و بقلبي إليك ألف عتاب
و حوار و حين ألقاك أخجل
أنا أهواك للجمال
و للإلـهام للفنّ للحوار المعسّل
و الغرامُ الطهورُ أزكى معاني
الحبّ ؛ أسمى ما في الوجود وأنبل
فانفحيني تحيّةً وتَلَقَّيْ
نغماً مـن جـــوانــحِ الــحــبِّ مُــرســـل!
هذا المستوى البديع في رسم الحب والمحبة والقرب من المحبوب والتضحية من أجل الحب لما لهذه العلاقة الطاهرة من الطهر والصفاء والنقاء والبقاء والسعادة العظيمة.
ويعود في قصيدته الرائعة (ميلاد الربيع) :
ولد الربيع معطّر الأنوار
غرّد الهوى و مجنّح الأشعار
و مضت مواكبه على الدنيا
كماتمضي يد الشادي على الأوتار
جذلان أحلى من محاورة
المنىو أحبّ من نجوى الخيال السّاري
و ألذّ من سحر الصبا و أرقّ
منصمت الدموع ورعشة القيثار
هبط الربيع على الحياة
كأنّهبعث يعيد طفوله الأعمار
في إبداع الصور المكنونة في دواخل الشاعر فهو يصنع هذه العوالم الجميلة في عقله اللاوعي ويعيدها للقارئ في الوعي الإنساني والذاكرة الإنسانية القريبة والتي تعتمد على المشاهدات والمرئيات دون غيرها.
هذا اللون الجميل الذي بدأه البردوني في الدواوين الأولى وبرع فيه وصور لنا الحياة وما فيها من جمال حقيقي من أنفاس الفجر وغناء الطيور وخرير المياه في الغدران وسحر الفتيات الغانيات الجميلات وسحر الفصول هجره الشاعر فيما بعد وأنتقل الى عوالم تصوير الألم والجراح والبكاء والغم والهم فماتت صور الطبيعة في شعره وغادرت الطيور الأشجار والحدائق الغناء وجفت الأنهار والغدران في تصويره الشعري.
الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق