قراءات ودراسات

الواقع والنبوءة: قراءة في ملامح التحول الثوري في الشعر النسوي الجزائري الحديث

حبيب مونسي*

1-تقديم: يجد كثير من الدارسين المهتمين بالجانب الفكري في الشعر العربي ضربا من النبوءات التي تتجاوز الواقع لتستشرف المستقبل، مطلة على الممكن من خلال الحاضر. وكأن الشعر على ألسنة الشعراء تتراءى فيه مخايل المستقبل في شكل رؤى قد تتسم بوضوح صريح، وقد يخالطها غموض شديد، مما يجعل الشعر يتجاوز التحليل السياسي، والاجتماعي للظواهر الفردية والجماعية. ومن ثم كانت الدراسات التي تتخطى حدود الجمالي والأدبي لتتشوف صوب الفلسفي، تصادف في الشعر كثيرا من الأفكار التي تتبلور تباعا وكأنها تستبق أحداث التاريخ فتتنبأ بالثورات والتحولات التي تسكن الذوات والمجتمعات.


إن الشاعر حينما يكتب قصيدته، لا يعبر عن ذات وحسب، وإنما يعبر عن نمط من الذوات تشترك في كثير من المعطيات التي تتفاعل وسياقاتها الخاصة. ما يكسبها سلوكا واحدا وردود أفعال واحدة، أو متقاربة، الأمر الذي يجعل التنبؤ بأفعالها أمرا ممكنا. لذلك كان فحص الشعر العربي من هذه الوجه، فتح آخر ينضاف إلى الدراسات الأدبية، ليعطيها بعدا استراتيجيا تستفيد منه في رسم صور المستقبل. أو على الأقل الاطلاع على ملامحه من خلال بعض الرؤى التي تتوارد على خواطر الشعراء. لقد قام الشعراء بدور “الرائي” قديما، وكانت أسجاع الكهنة من ذلك القبيل الذي يزعمون من ورائه أنهم يطلون على الغد القريب والبعيد. ولم يتخل الشعراء عن هذه المهمة أبدا، بل استمروا فيها تأديتها من خلال الشعر الغنائي المغرق في غنائيته، أو من خلال الشعر الاجتماعي الفاحص لأحوال الناس ومعاشهم.

1-المرأة والشعر:

ربما تكون حساسية المرأة أكثر قابلية لتعاطي الشعر، باعتبار الشعر لغة ترتفع عن الكلام الدارج بين الناس إلى ضرب من التخاطب العالي الذي يوظف في اللغة طاقتها المخبوءة، فيصرفها إلى ضرب من التكثيف، تنتهي فيه الدلالة إلى أبعاد تتسع دوائرها كلما قاربها الفهم،أو حاول أن تستنفد أبعادها الدلالية المختلفة. فالحساسية المفرطة لدى النساء ليست عيبا في هذا الفضاء، وإنما هي رافد من روافد التجلي الذي يخترق حدود اللغة إلى الغامض من المشاعر والأحاسيس، والغامض من المواقف والوضعيات. فإذا نحن توقفنا قليلا عند عتبة عنوان ديوان الشاعرة “منيرة سعدة خلخال” الموسوم “لا ارتباك ليد الاحتمال” أليفنا جملة منفية نفيا قاطعا، وكأنها تقول ابتداء أن احتمال قيام الوجه الآخر من القبول مرفوض رفضا باتا، وإنما النفي هو الموقف الذي ستتأسس عليه كل المقاربات التي سيمليها الديوان في نصوصه.. وكأن النفي حين يكون عتبة يريد أن يتصدى لوعي قائم على القبول والرضوخ، مؤسس على الاستكانة والرضى بالواقع المفروض. لذلك يقوم النفي صارخا في وجه كل ذلك إيذانا بتغيير وجهة، وإعلانا على رفض يتجاوز الاحتمال والممكن.

حينها تأتي مفردات الجملة في سياقها الأسلوبي لتكتب قرارا لا يمكن فهم أبعاده الدلالية إلا من خلال تحسس التمثيل المشهدي القائم وراءه.. إنه الارتباك.. واليد… والاحتمال.. ثلاث كلمات لا يجمعهما نسق منطقي معروف جملة واحدة، وإنما ينشطر النسق إلى قسمين: ارتباك يد… ثم احتمال.. فاليد غير معروف عنها أنها ترتبك.. وإنما المعروف فيها أنها تسجل درجات الارتباك من خلال ارتعاشها، أو شدة اضطرابها.. أو وَهَنها.. لأن الارتباك وضع داخلي يعتمل في أعماق النفس حينما تقف موقفا لا تدري أي المخارج تختار، ولا أي المسالك تسلك، وإنما تقف في لحظات قد تقصر أو تطول لتلملم شملها وتتخذ قرارها.. إنها لحظات ضياع وريبة.. تعرف النفس فيها انكسارها الخفي الذي ترتسم عوارضه على أطراف الجسد، وتتجلى آياته على صفحة الوجه، وعمق النظرات..

ليست اليد إلا واجهة.. تدفع بنا إلى الاحتمال.. تلك الكلمة التي لا يمكن تجسيدها ومن ثم إلحاق اليد بها.. لأنها وضعية عقلية مطلوب منها أن توازن بين أضداد تتقارب أو تتباعد.. تأتي جماعا أو أشتاتا. فالاحتمال هو ضرب من الترجيح الحدسي الذي لا يملك يقينا، لأنه مرتبك دوما بين أغيار.. لذلك كان احتمالا.. وليس أمام هذه التركيبة من مخرج سوى الارتفاع بها إلى مسوى مشهدي تُركب فيه الأشياء تركيبا حركيا، يخلع عليها رداء التشخيص، فيمنحها عن طريق المجاز – مثلما تقول البلاغة- إمكانية التجسد معنويا في حدقة البصيرة لدى القارئ..

إننا بها أمام مشهد كائن يقف في ثبات، وهو الذي لا يعرف الثبات لأنه احتمال فقط. فالجملة المنفية نفت عنه أصله الذي يعرف به، وزحزحته إلى وضعية جديدة أكسبته الثبات المطلوب. فلا ارتباك ليده، لأنه غير من طبيعة كلماته ونفض عنها معانيها القديمة ليلبسها معاني جديدة. فلم يعد بذلك احتمالا كما شاع عنه من قبل، وإنما هو إصرار، وعزم، واختيار. لذلك حينما يقف القارئ بمثل هذه العتبات ويتملاها برفق، يدرك أن اللغة الشاعرة ليست كسائر اللغات، وأن تعاطيها للدلالة ليس بالكيفية التي تتعاطاها الأجناس الأخرى، وأن عليه – برفق- أن يتوخى الحذر في اختلاس النظر إلى ظلالها ومشهديتها.. فديوان بهذا النعت لابد له أن يطل على المستقبل، لأن الاحتمال ضرب في كبد الآتي، وحفر في صلب رجومه. والعنوان حينما يكون على هذه الهيئة يُعِدﱡ قارئة ويُهيئه إلى تلقي النبوءة المخبوءة في غياهب الاحتمالات.

تقول الشاعرة “منيرة سعدة خلخال” في ديوانها ذاك:

تعودت أن لا أحزن

وأن أحصن سمائي بأعمدة

من غياب

تعودت أن لا أوقف الزمن اليباب

أن أهادن فكرتي في البشر

أن أتجمع في عين السحاب

تعودت أن أتعود (حسن المآب) ([1])

فإذا كانت العتبة السابقة قد أرجأتنا إلى موقف فيه الثبات والاستقرار، ونفت عن الموقف أي صلة بالارتباك والتردد، فإن هذه القطعة المختارة من نص يحمل عنوان “لوعة الالتباس” يشدد على اليقين والثبات. لأننا إزاء كلمتين متلازمتين هما “الارتباك” و”الالتباس”. وإذا جئنا نقرر حقيقة الأشياء في تراتبيتها قلنا أن الالتباس هو المُوﱢلد للارتباك. فإذا التبس الأمر على أحدهم انتهى به المطاف إلى الارتباك. وكان الالتباس لوعة، لأنه يوﱢلد ألما في النفس التي لا تعرف كيف تخرج من موقفها ذاك.. غير أننا حين نقرأ القطعة المختارة، نجد لفظا طاردا للاتباس والارتباك.. إنه لفظ “تعودت” لأن العادة هيئة تكتسبها الذات من طول الممارسة حتى تصير فيها طبيعة ثانية متجذﱢرة.

فإذا تعودت الشاعرة “التحصن” و “مسايرت الزمن” و “والتجمع” و “وتعودت حسن المآب” فلم يعد هناك مجال للالتباس ولا احتمال للارتياب. وكأننا في هذا الشطر من النص إزاء موقف شكوني لا يعبأ بالتحولات الحاصلة في محيط الذات.. لأنها ستستمر على هيئتها التي أنشأتها لنفسها واستمرت فيها مع جريان الوقت اليباب. غير أن كلمة “يباب” المضافة للزمن توحي بكثير من عدم الرضا.. بكثير من القلق.. قلق يستشرف الزمن الآتي. فهناك رضا بالواقع.. غير أنه ينتهي عند حدود اللحظة المعاشة فقط. لأن الزمن في جريانه لا ينتهي عند يقين وإنما ينفتح على “يباب”.

لذلك يصح لنا حين نقرأ مثل هذه النصوص أن نرتاب كثيرا من تصريحات الشعراء، وأن لا نصدق ما يأتي على صفحة لغتهم، لأنه سريعا ما ينقلب إلى ثورة وغضب… شأن النهر الجاري في المنبسط من الأرض، ينساب هادئا رخوا، ولكنه إذا صادف منكسرا من أحجار يعترض طريقه، زمجر وغضب، وأزبد وأرعد، وهدر وثرثر… فالكلمات التي رصدناها في القطعة السابقة: من تحصن، ومسايرة، وتجمع، وتعود، وحسن مآب… تنتهي سريعا إلى:

لم يكن صوته

كانت الريح تعدو

في براري الشجرة

لوعة الالتباس؟

لم يكن وجهه

كانت تقاسيم الصحراء

تسائل يأسي

لم تكن عينه

كانت الموجة تهدر

احتمالات الغياب ([2])

تأتي اللازمة داخلية لتعلن عدم اليقين في المشهد، تقطع اليقين بالشك: “لم يكن” في الماضي الذي ظننا أنه استقر على حال ثابت واستمر فيه. غير أن “لم” تنفي وجوده في الماضي والحاضر، وتدفع بنا إلى استقباله في الآتي على أنه كان مجرد ظن وتخمين.. وأن الارتباك مستتب فيه وأن الالتباس قائم في كل لفظ من ألفاظه. فاللازمة التي توقع هذه الفقرة في النص، تنشئ جوا من الإيقاع المتسارع، وكأنه يتدارك الهدوء المفتعل في النص، وينقلب عليه ثورة هادرة. ليظيف إلى النص كلمات جديدة على نسقه المستقر العام.. إنها “الريح العادية في البراري” و”لوعة الالتباس” و”تقاسيم الصحراء التي تسأل اليأس” و”الموجة التي تهدرُ احتمالات الغياب”.

كان هناك ظن! ظن يوهم بالاستقرار والثبات!. يوهم بحالة من الرضا والقبول والاذعان!. يوهم بأن الأشياء قد دجّنتها العادة وأكسبتها طبيعتها الصلدة التي لا تتبدد ولا تتبدل.. يوهم أن الاستمرار كائن في كل شيء .. في المعاني والمباني.. في الواقع والحلم.. غير أن خطوة أخرى في تضاريس النص تشعلها ثورة وانقلابا..

هل يمكن للقراءة أن تتشوّف صوب الأسباب التي دعت إلى مثل ذلك الغضب الصاخب الذي انتفض في وجه العادة والاستمرار؟؟. هل تحمل الكلمات التي اقتحمت ساحة الواقع الكائن دلالة جديدة تكشف لنا أسرار التحول؟ إننا إذا عدنا إلى الكلمات ذاتها لننظر فيها من خلال ما ترسب فيها من استعمال، وما أثبتته المعاجم في صلبها من دلالة، ألفينا “الريح” عقيما لم تستعمل إلا للدمار والعذاب. ووجدنا “العاديات” خيلا تدك سنابكها حصون العدو. وألفينا “البراري” امتدادا يوحي بالضياع.. كما أوحت “الصحراء” دائما بالمجاهل، والفقد، واليأس. ووجدنا “الموج” لا يعبر في لغة البحر إلا عن غضب وثورة. وأن “الغياب” نهاية ومآل.. كل الكلمات التي اكتظت بها هذه الفقرة من النص.

هناك ثورة وغضب.. سببها عقم في الواقع، وخراب في منجزاته، وعدم يقين في مشاريعه واحتمالاته.. هناك براري متشجرة من الرؤى التي لا يمكن لها أن تتحقق في حاضر أو آت.. هناك صحراء تمتد إلى تخوم بعيدة، ويأس من إمكانية تجاوزها.. هناك غضب يتكوّر في أعماق النفس بالقدر الذي تتكوّر به أمواج البحر الغاضب الثائر.. هناك لغط كثير وثرثرة لا تنتهي إلا إلى غياب.. فالنص الذي بدأ مسالما.. هادئا.. رصينا.. ينقلب إلى نص غاضب، متوثب، ثائر… وتلك هي نبوءته.

2- المرأة والسياق والرؤى:

يمكن لعين القارئ حينما تباشر نصا شعريا أن تجد فيه ما تريد إن هي ركزت على ثلاثة أمور: الشاعر، السياق العام، والرؤية الخاصة.. صحيح إنها كلمات فضفاضة واسعة مغرّرة، لأننا نستطيع أن نتكلم في “الشاعر” كلاما لا ينتهي، وأن ننشء فيه موسوعات معرفية متنوعة، وكذلك الأمر بالنسبة للسياق والرؤية. غير أن مطلبنا هنا بسيط جدا.. نريد من الشاعر صاحب النص، أو القطعة الشعرية التي نختارها، و نريد من السياق، سياق القراءة لا سياق الإنشاء. ونريد من الرؤية ما نبحث عنها نحن، لا التي بحث عنها الشاعر من قبل في تجربته. فحين تقول “أحلام مستغانمي” في نصها:

قتلت حارسي

حرّضت كل قابع في السجن كي يثور

لكنكم جرذان

تهوون في الدهاليز بالمجان

أما أنا قتلته

وليحكم السجان ([3])

إن كان “عبد الملك مرتاض”  قد وجد في هذا الضرب من شعر انتقاد السلطة سيرا: «على طريقة الشعراء العرب المعاصرين الذين يستهويهم ذلك،حتى يكبروا في أعين قرائهم» ([4]) فإننا من خلال السياق الذي نتأول من خلاله النصوص، نقف على نص عار من الظلال، يباشر فكرته من دون مواربة، ليقول ثورته.. أيا كانت تلك الثورة.. وأيا كانت طبيعتها.. من خلال استحضار ألفاظ ذات حمولة بغيضة، تستثير في النفس تداعيات الظلم والقهر التي عرفها الإنسان عبر التاريخ.. ف”السجان” يختصر المسافة بين الذات وعذابها دون المرور على الحاكم، وكأن في استحضاره على هذا النحو السريع تأكيد على تفاقم القهر والحجر.. لالتباس شخصي الحاكم والسجان في مهمة واحدة. بيد أن الشيء المثير في هذا النص لا يقف عند حدود تلك الشخصية البغيضة التي نعرفها، والتي جسدتها لنا الأفلام والمسرحيات، وهي واحدة في يد الحاكم.. المثير أنها “متعددة” بعدد الذوات.. فلكل ذات سجانها الخاص.. إن الرقيب فيها.. والمُعذﱢب فيها.. في صميمها.. في داخلها.. فالشاعرة حين تعلن أنها قتلت سجانها الخاص.. تعلن ضربا جديدا من الثورة والتحرر لا تستطيعه الذات إلا حين تتخلص من سجانها عن طريق القتل.. لذلك فهي تستشعر حريتها الجديدة التي تحرﱢض الآخرين لتذوق طعمها والشعور براحتها.. إنها حرية تخرجها من ظلمة الأقبية التي تحيل عليها “الجرذان”، إلى حرارة المواقف الثائرة الصاخبة.. ثم تأتي اللازمة من جديد لتأكيد الفعل المُقترف “أما أنا قتلته”.. تأكيدا لا يدع شكا لشاك.. لأن الموقف بما يسترفِد من حرارة يريد العودة إلى نقطة الانطلاق، لأنها مدار القطعة كلها.. إنها محور حجر الرحى الذي تدور حوله أحداث الثورة..

إن السياق الذي تعرضه الشاعرة يجسد حقيقة قد لا يلتفت إليها القارئ إذا هو أهمل دور الكلمات ودلالتها في سياق الجملة.. لقد قالت الشاعرة :

لكنكم جرذان

تهوون في الدهاليز بالمجان

فكلمة “لكن” استدراك يعترض الدفق الشعري، ليقرر حقيقة قارة.. إنهم جرذان.. أولئك الذي يرضون بالبقاء تحت سياط السجان ورقابته. في أقبيته المظلمة الرطبة المثخنة بالآلام والأحزان.. تلك الأقبية التي تسلبهم حق العيش الكريم، وتحرمهم حرارة النور والشعور. حقيقة يقوﱢيها فعل “تهوون” لأنه سقوط مستمر في غياهب لا قعر لها ولا حد.. إنها الهاوية التي تبتلعهم جميعا إلى الأبد الآبد. وليس لسقوطهم ذاك من جزاء.. إنه سقوط مجاني من دون مقاومة ولا رفض.

لقد نجحت الشاعرة في كلمات معدودات في توصيف واقع قار يستمر في ماضيهم وحاضرهم، ولا شيء يوقفه سوى القتل.. قتل السجان الذي يقبع في داخل كل ذات أولا.. ثم ليفعل الحاكم ما يشاء بعدها.. فالتحرر يبدأ من هنا.

يحق لنا أن نسجل أن بين نصي “سعدة” و”أحلام” ثلاثون عام.. من الدعوة الصريحة “لقتل السجان” إلى “رفض ارتباك يد الاحتمال” مسيرة جيل لم يعرف بعد كيف يخرج من المتاهة التي يهوي فيها، ويتجرع المُرّ، ويتحمل النكسات. ففي نص “حمر العين خيرة” موقف آخر يتأرجح بين التيه والرشاد.. بين لحظات يشخص فيها البصر، وبين أخرى تغيم فيها الرؤية فلا تبصر إلا حدود واقع ضيق شديد الضيق. قالت:

كنت وحدي

ولم أكن وحدي

كان في رأسي عمر

يرتشيه الدهر في سحق البشر

وكان في القلب أيوب

يحتسي مر القدر

وكان يصحبني الخضر

وكنت أسأله

فكان يجيبني في حذر ([5])

إن المسافة الزمنية التي تفصل “أحلام” عن “خيرة” وما رافقها من متغيرات على مستوى المجتمع والسياسات، وما حبلت به من تحولات، كان يمكن أن تجعل الجيل الجديد أكثر تلاحما، نظرا لظهور وسائط جديدة للتواصل، وانفجار القنوات الفضائية، واتساع الشبكة العنكبوتية .. غير أن الذي قوض العالم وأحاله إلى قرية صغيرة، لم يفلح إلاّ في عزل الذوات في دوائر ضيقة، مشبعة بالغربة والاغتراب. فالشاعرة حين تقرر ابتداء “كنت وحدي” تقرر واقعا في ماضيها مستمرا في حاضرها.. ففعل “كان” يفقد دلالة الماضي المنقطع حينما تغزوه الأفعال الأخرى الجارية في القطعة، والتي تعتمد المضارع زمنا لها، يستمر بها إلى المستقبل.

إنه الواقع الذي تُسارعُ فَتَنفيه..”ولم أكن وحدي” معتمدة على حرف العطف الذي يقف حائرا كيف يرتب المسألة: من هو أول، ومن هو ثان.. تلك الحيرة وذلك الارتباك الذي حاولت “سعدة” من قبل إخفاءه في عتبة ديوانها من قبل. ف”خيرة” تجعلنا نطل على “وقفة” و”موقف” تقف فيه الشاعرة وحيدة على مفترق طرق، أو في محطة من محطات العمر.. وفي قلبها “رحيل”، وليس في يدها “حقيبة”.. لأن الرحيل مغادرة لمكان.. مغادرة لواقع، ولكنه مادام في القلب فإنه مجرد حلم، واشتهاء لم يتحقق بعد.. ولأن “الحقيبة” موطن، وانتماء، وهوية.. فإنها تفتقر إلى هذا العنوان الذي يُحدﱢدُها شخصا من بين العابرين مِثلها في قطار الرحيل الطويل الذي لم يقلع بعد.. إنها “وقفة” في “زحام” و”عزلة” وسط “ضجيج”.. تستدرك عليها الشاعرة لتقرر أنها لم تكن وحدها، وإنما كان معها “عمر”!! لم تسمه “حياة” لأنها، لو فعلت لكانت الحياة عامرة بما هو سار ومحزن.. بما هو خير وشر.. بيد أن ال”عمر” لا ينصرف إلا للزمن الذي عُبر وغبر.. خال من معنى الحياة..

هذا العمر على الرغم من خوائه وخلوه من الحياة، يرتشيه “دهر” اختص في سحق البشر.. هنا يدرك القارئ كيف تكون الكلمات قاسية فيما تجرف وراءها من دلالة. حينما تتخطى حدود المقبول إلى التهويل.. إذ لم يعُد الحديث عن “زمن” عن “عمر” وإنما صارت الإشارة إلى “دهر”.. وهي الكلمة التي تجعل حياة الناس – كل الناس- في كبد وانسحاق، لأن الدهر تأبيد للفعل. تلك هي الفداحة التي تحملها كلمات الشاعرة في واقعها الجديد.

إن “حمر العين خيرة” تتعامل مع هذا الواقع الجديد المستتب بطريقة خاصة.. ليس على المستوى الأسلوبي، وإنما على المستوى الدلالي، لتعطي لفداحة الخط أبعادها الإنسانية الكبرى، حين تستحضر أقوى أنواع الصبر التي عرفتها البشرية مجسدة في النبي “أيوب” u فتقول:

وكان في القلب أيوب

يحتسي مر القدر

وهو صبر يقاوم الألم ولا يطلب زواله، إنما يُصابِره ويحتسب.. غير أن الشاعرة ليست بهذه القوة الصابرة التي “تحتسي” مر القدر.. لأن في فعل احتسى انتشاء ولذة، وطلب استزادة.. ولكن أن الشراب مرّ المذاق، لا تكاد تستسيغه.. لذلك تجعل من جملتها التالية استشرافا يحاول أن يفتِّق حجب المستقبل، فتقول:

وكان يصحبني الخضر

وكنت أسأله

فكان يجيبني في حذر

و”الخضر” بما أوتي من علم لَدُنِّي، يطل على المستقبل ليجد فيه ما يُعكِّر الصفو فيزيله، حتى وإن بدا فعله غريبا مخالفا للمعروف.. إنها وفقة في غاية الدقة تدفع بها الشاعرة إلى قلب المستقبل تطلعا وتغييرا.. لأنها لا تستطيع البقاء على صبر “أيوب” u، ولا تعرف مما هو مستور وراء حجب الغيب، ليهنأ بالها للآتي المنتظر. لأن الخضر فيها لا يجيب بيقين، وإنما يجيب بحذر..

2- الشعر والتحولات التي تسكن الواقع:

كثيرا ما يشير الدارسون إلى أن العصر الذي نحياه، إنما هو عصر التحولات الكبرى على جميع الأصعدة. وأن الذات البشرية تتلقى هذه التحولات كما تتلقى عناصر الطبيعة أعاصيرها الهوجاء.. فمنها من ينحني ويصمد، ويتكيف. ومنها من تقتلعه العواصف من جذوره، فيخر على وجهه ميْتا.. وما يعتري الطبيعة من سلوك يجانسه ما يعتري الذات من تبدُّلات وأحوال. والشعر أقرب الأجناس الأدبية والفنية لرصد هذه الطوارئ التي تترك أخاديدها في وجه الذات، فلا تخطئها العين.

إننا واجدون في كثير من نصوص الشعر العربي النسائي أخاديد احتفرتها التحولات الجارفة كما تفعل السيول بالأرض، نقرأ في أسطرها آيات الألم، والاستكانة، والخضوع.. كما نقرأ فيها أسطر الرفض، والتحدي، والثورة.. بيد أنها ليست أسطرا متجانسة التركيب، قريبة الدلالة، واضحة المعنى.. لأنها في ثورتها وهمودها، تكتب لحظاتها بما أوتيت من اقتدار على التجاوز أو التكيف. تقول “حمر العين خيرة”:

لا حمام

البيت بارد

لا مائدة للطعام

لا فرصة للكلام

لا فيء في السرير

كي أنام

أعطر الممر بالحلال والحرام

لكن شتاء هذا العام

يمر عاريا وباردا

دون أن أنام

لا عصافير تدنو من نافذتي

لا حمام

تطل كل شرفة على حلم

وشرفتي على أسى

تنام

وتغفو

في ظلام ([6])

تعودنا أن نقرأ في الكلمات رمزيتها المباشرة فنقول أن “الحمام” رمز للسلام.. رمز للتواصل بين الأحبة، لأنه البريد الذي يحمل الرسائل بين المتباعدين.. تلك هي الإشارات الأولى التي يوحي بها لفظ الحمام.. غير أن هناك إشارات أخرى قد تطل من وراء ذلك لتنثر بين أيدينا معاني الألفة والجوار.. معاني الحضور والإخلاص.. فالحمام من الدواجن التي تجسد ذلك المعنى، وتشيع الدفء في المكان.. وأن الحمام يكره الأماكن الخربة المهجورة، فلا يتخذها بيتا ولا مأوى.. لأنه يبحث عن الدفء.. وحين عَدَمت الشاعرة وجوده، أحست ببرودة البيت..

قد أقنع بهذا الحد من الفهم، وأقلب الصفحات، غير أن شيئا عالقا في حلقي يعيدني إليها من جديد.. لأتجاوز أحلام فتاة في مقتبل العمر، تبحث عن أنيس تعشقه ويعشقها.. تأوي إليه فيذهب وحشتها.. لأطل على واقع هام يجعل البيت البارد راهِنَها الذي فقد التواصل والدفء البشري.. ذلك الراهن الذي استطاع أن ينفي عن مائدة الطعام لمَّتَها وجَمْعَها للعائلة.. تأكل ..تتحدث.. تشعر بحضور بعضها بعض.. لأن المائدة لم تبسط لإشباع جوعة البطن فقط، وإنما بسطت لإشباع جوع التواصل العائلي.. في ساعات مخصوصة من النهار والليل.. إنها مواعيد يقف فيها الصغير إلى جوار الكبير.. إنها فرصة يحضر فيها الأب والإبن، والبنت والأم.. لكل واحد منهم وظيفته ومهمته.. إنهم حمائم البيت. تلك هي الفكرة التي تشغل بال الشاعرة حينما تعترض سريعا فتقول: “لا فرصة للكلام” للكلام وليست للطعام.. فالجميل في المائدة ليس خوانها وما صُفِّف عليها من أكلات شهيات، وإنما الجميل فيها ما يُلقى من قول، ويُسمع من ضحكات..

إن الإشباع الذي ترنو إليه الشاعرة إشباعان: واحد للذة الأذن، والثاني للذة الجسد.. حتى وإن تجرأت ووفرت سبيله بالحلال والحرام.. لأنها تريد أن تستدرك الزمن الذي يتصرَّم من بين يديها.. ولو على حساب حلالها لحرامها.. ففداحة الخطب هنا في هذه الجرأة على الإقرار براهن لا تتحرك فيه القضايا إلا وفق هذا المعيار.. ثم تعود مكسورة الجناح لتقر بأن “شتاء هذا العام يمر عاريا باردا من دون أن تنام” وأن شرفة الترقُّب تطل على صحراء من يأس وظلام…

3- النبوء الشعرية:

إن الفرق بين الشاعر والإخباري يكمن في زاوية الرؤية التي يطل كل منهما منها على الأحداث. فإذا كان هَمُّ الأول هو نقلُ الحدث بكل أبعاده الواقعية، فإن الشاعر لا يعنيه من الحدث إلا تلك اللمسات التي تتجاوز الحدث في مادته الغُلْف إلى الأسئلة التي يثيرها في النفس حين اللقاء الأول به، ثم تلك التداعيات التي تصاحبها في آتيها من الأيام وقد “تلوَّثت” باهتمامه، وصار هاجسها في تخلل غلالته الدلالية. من ثم كانت الرؤية التي يتشح بها الشعري، تتجه دائما صوب الآتي أكثر مما تنكفئ إلى الماضي. وكأن الشاعر حين ينشىء قصيدته، لا ينشئها لحاضره بقدر ما يصبو لأن يتطاول نصه لغدٍ آت، تظل معه المعاني حية جذابة مثمرة. تلك هي نبوءة الشعر، وذلك هو مجاله الذي يتعثَّر دوما على عتباته.

إننا حين نقرأ ل”كنزة مباركي” في قصيدتها “هوس بلون وجهي” قد نعجب للتركيبة الغريبة التي تطل بها العتبة على النص، ونفتش في ثنايا معرفتنا اللغوية عن العلاقات المنطقية بين الكلمات، فلا نجد شيئا نتشبث به.. شيئا يهدينا إلى المضمار الذي ستجري فيه خيول الكلمات الطائشة.. لأن الهوس ضرب من المرض الذي يرفع شعار الاصرار على هيئة واحدة.. على مطلب واحد.. على انشغال واحد.. إنه ليس بالحالة السوية، لأنه لا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي.. وللهوس ألوانه المختلفة من مهوس إلى آخر.. ثم أن يكون الهوس بلون وجه الشاعرة فذاك أمر يغرق العبارة في فراغ الدلالة، ويقطع سبل التواصل اللغوي.. إن العتبة هنا ليس حجر عثرة في طريق الفهم وإنما هي أبواب موصودة أمام كل المحاولات التي تروم اقتحام النص..

سيفعل غيري ما فعلته بالعتبة سيتخطاها وكأنه لم يقرأها.. سيرجئها إلى حين.. لعل النص سيفسرها؟؟.. وهل من وظيفة النص تفسير عتبته؟.. أم أن هناك انقلاب في الموازين والأعراف، يقدمه الشعر الجديد لقرائه؟.. إننا نعرف جيدا مراد الكلمات منفصلة عن بعضها بعض، ولكننا نجهل مرادها حينما اجتمعت على ذلك النسق.. ولن يُسعفنا التأويل في فك طلاسمها، حتى وإن جرينا به في شبكة الاحتمالات العنكبوتية.. ربما يكون التخطي خطوة مقصودة لندخل القصيدة ب”هوس” نحمله في أعماقنا.. هوس “عدم الفهم”.. عدم فهم الواقع.. عدم فهم الإشارات التي تُرفع إلينا.. عدم فهم الرموز التي تضِّج في ساحتنا..

إن “عدم الفهم” وضعية وجودية بامتياز، قامت عليها فلسفات، وأُسِّس عليها اتجاه العبث، وشُكّﱢلت من مادتها مسرحيات وروايات.. لأن عدم الفهم.. وسوء التفاهم.. والغموض.. وغيرها من افرازات الحداثة – على الرغم من وجود شبكات التواصل- يكشف عن أزمة الذات تجاه نفسها أولا، وأزمتها تجاه الآخرين ثانيا.. ومن ثم كانت “النبوءة” في الشعر ضربا من تجاوز المحنة، ليرفع “العراف” عقيرته وسط حشود المتلقين يبشِّر وينذر.. يتهدد ويتوعَّد.. يخاطب الحاضر والآتي.. يفعل ما فعله أسلافة من الكهنة صدقا و كذبا.. لأنه يشعر أن سوء التفاهم قد استشرى في العالم إلى درجة صارت فيه الكلمات كالعَصْف المأكول، تذروها رياح الشك في كل اتجاه.

إننا حين نتخطى العتبة تلك نجد “العرافة” “كنزة مباركي تقول”:

لا تخف

ستصير نبيا وافقا على عرش الكلام

وتمطر سحائب أصابعك رؤى.. وآيات جديدة

لكنها –لا تخف- منطوقة عن هوى..

وحرفك الخالد

سيمزق شوارع المدن التي تتقن البكاء

والمواساة

ليعلق انتصاراته وخيباته على

أجنحة الساعات المنقضية

حرفك المولع بالدهشة سوف يمضي

مخلفا من الحرائق

ما يكفي لإشعال سطورك الصامتة. ([7])

تطل “الطمأنة” من رأس الفقرة في عبارة موجزة.. فيما يشبه الأمر.. لا النفي.. “لا تخف”. وكأن الحديث هنا لكل شاعر ركب بحر الشعر الغامض.. ركب أحرفه وعباراته.. ركب إيقاعه وأوزانه.. لا تخف.. لأنك “ستصير نبيا” وعرشك “عرش كلام”. بيد أن المفارقة هنا أن “الكاهنة” “كنزة مباركي” تضعنا أمام شاعر “يكتب” لا الشاعر الذي عرفناه من قبل ينشد ويخطب.. ليس شاعرنا القديم صاحب البلاغة والمنطق.. والحكمة.. ذاك الذي كان يقف في وسط الحلقات يُمسْرِحُ قصيدته بحركاته وسكناته.. بجلبة صوته الجهوري.. إن شاعرها.. شاعر آخر.. “شاعر الحداثة” المنزوي في ركنه الغامض، تنفث أصابعه رؤى على الورق.. تمطر سحائبه رؤى على الورق.. وآيات جديدة على الورق.. ليس فيه ما كنا نعرفه في سلفه الفصيح البليغ.. الذي يُقارب ويُصاوب، ولا يخرج عن العرف.. لأن هذا “الرائي” الجديد “ينطق عن هوى” “عن هوس”.

حيمنا تخرج العبارة على هذا النحو في سياق شعري، يراد منها أولا أن تحدث انتكاسة في الموقف، وأن يكون لها معنى المحو.. محو المألوف لتصب في مكانه جديدا يتأسس عليه الوعي الآتي. فالذي “لا ينطق عن هوى” معصوم من الخطأ. لأن الكلام ليس كلامه.. وإنما هو مُبَلِّغ عن خالقه. وكلامه من كلام خالقه. والذي “ينطق عن هوى” غارق في الخطأ، عار من السداد، عرضة للنزوات.. لأن مصدره ومرجعه ذاته.. هوسه.. مرضه.. لون وجهه في مرآة ضميره… ولن يكون لكلماته خير يرجى، سوى خرائب التمزيق، والتفريق، والشتات..

إنها “نبوءة الكارثة” كما حفلت بها كتب التوراة لدى بني إسرائيل، حينما خرج بعض أدعياء النبوة فيهم، ينادون بخراب العالم الوشيك.. تلك صورة تقرِّب الماضي السحيق بالحاضر المعاش.. وتتجدد النبوءة من جديد..  في شوارع تتمزق.. ومدنا تتقن البكاء.. والمواساة… وتعلق الانتصارات والخيبات على أجنحة الساعات، ومدارها في الشاشات والقنوات.. والأخبار التي يُعاد بثها في حلقات دائرية، تطلع كل حين بجديد الخيبات والنكسات.. وسوف يمضي الحرف مخلفا وراءه حرائق الحروب، والتهم، والشتائم، والسباب… سيمضي مخلفا أسطرا صامتة، لكنها تضجُّ من خلال تأويل المأولين المتديّنين.. وتحليل المحللين المختصين.. الذي سيتقمصون دور مفسري النبوءات..

4-الوعيد الشعري:

عادة ما تسلك النبوءة أسلوب المناجاة، ولا تنفتح إلا على اثنين، يُلقي أحدها القول إلى الآخر إلقاء المُسِرِّ. بينما لا يجد الوعيد في الشعر إلا سبيل الجهر، ومخاطبة الجمع. فليس للوعيد أن يرقِّق حواشي خطابه، ولا أن يسترضي مخطوبَه.. وإنما عليه أولا أن يجعل من وعيده نبوءة تخترق الآتي فيما يشبه اليقين الذي لا مفر منه، والطارئ الذي لن يخطئ أحدا. غير أننا -في الشعر الحديث- نصادف وعيدا من طبيعة أخرى، كما كانت النبوءة -التي رأينا من قبل- من طبيعة مختلفة. وكأن الوعيد لا يريد أن يكون له جمهوره الخاص، يرفع فيه الصوت، ويدلي فيه بالفاجعة. وإنما المخاطب فيه هو الذات أولا وأخيرا.. إنها تتوعد.. ذلك صحيح.. غير أنها توعُّدَها ليس له من جمهور يتلقاه غير الذات نفسها.

تلك لعمري معضلة أخرى لا يمكن فك مغاليقها إلا من خلال التذكير بمقولة “سوء التفاهم” التي جعلها “كامو” من قبل عنوانا لإحدى مسرحياته.. وكأن الارتداد صوب الذات، إنما المراد منه تجلية سوء التفاهم الذي يظلل علاقتها بها، فتحتاج إلى خطاب صارخ يتوعدها هي، قبل غيرها فترتد إليها الضمائر مثقلة بالوعيد.. ولنا أن نقرأ في مقطوعة “عفاف فنوح” من قصيدتها “أغنية لحجر قديم” التي تفتتحها بنسيج كثير الألوان، كما كان يصنع الرومنسيون العرب في أواسط القرن العشرين قائلة:

قطعت خيوط الشمس من ضحكاتي

وعصرت من دمها دما للآتي

عانقت دمعي كي يظلل صبحها

متوهجا يحمي سما ظلماتي

لعيونهم رممت جرحي كله

حزنا على حزن على آهاتي

([8])

ولن نقف طويلا عند هذا المدخل إلا لنضع ألأصابع على القافية فيها.. تلك التاء والياء.. “تاء الذات” و”ياء نسبتها” وكأن الياء فيها ترتد على الذات وتعود إليها في دائرة مغلقة.. إنه الانطباع الذي سهل علينا فهم طبيعة الوعيد المرتد إلى الذات.. الوعيد الذي لا يغادر صدر صاحبته لينطمر من جديد في أعماقها. شيء متا في القصيدة يريد التوجه إلى الآتي إلى المستقبل ليحدث فيها تغييرا.. ثورة.. ليطعمه فيه دما جديدا حتى يتوهج صبحها وتتبدد ظلماته. بيد أن ضريبته الفادحة التي ستدفعها الشاعرة لن تكون إلا ترميما وتجديدا للجرح، ورَكْما للحزن على الحزن..

ثم استمع إليها تقول متوعدة:

لا تبك يا عرضا أباحو عرينه

قسما سأبعثني رماد رفاتي

لا تبك يا زهرا أراقوا عطره

قسما سأنشرني عبير ورداتي

([9])

إن المُخاطَب في الوعيد ليس جمهورا محدد المعالم، معروف الهوية، وإنما المخاطَب “عِرْض” و”زهر” فالأول “جرح” نازف في الذات حينما تصاب بسهم من سهام القذف والخطيئة، والثاني “عمر” في الذات نفسها، مرحلة من مراحل حياتها، وكأنه الوعاء الزمني الذي حدث في انتهاك العرض. لذلك تأتي الغضبة المقرونة بالقسم، متجهة صوب الآتي لترد الاعتبار للذات المجروحة.. بعثا من رماد.. على هيئة “الفينيق” المتأبِّد. ونشرا لعطر.. على هيئة الربيع المتجدِّد. إننا هنا إزاء بعثين: أحدها أسطوري النزعة، والآخر طبيعي الدورة. وكأن الشاعرة لا تأمن تحقيق الأول، فترضخ ليقين للثاني.

بيد أن الانكفاء الذي يتجسد في تركيبة الأفعال “سأبعثُني” و “سأنشرنُي” يوحي بالاستحالة والامتناع. إذ كيف لميت أن يبعث نفسه من جديد، وكيف لمهراق سائح في التربة أن يَجمَّع نفس؟؟.. إنها صيحات في واد تعلي الدائرة المغلقة من دراميتها المفجعة، فَتَفُتُّ في صلب تجربتها الوجودية.

5- خيبات الشعر:

إن قارئ الشعر النسوي الحديث، الباحث عن آثار الثورة فيه، سيصادف حتما تيارا جارفا من الخيبات، تكتب أسطرها الواهية على هامش لغة الثورة والاحتجاج. وكل قصيدة من القصائد المنتقاة لن تسلم من تَخَوُّن الخيبات، تحتل فيها أسطرا وأبياتا، تلوِّن الحيرة التي تكتب النص، وتلوِّن الخلفية التي تقف عليها الكلمات والعبارات. وكأن اليد التي يرتعش بها القلم، يرتعش بها الوجدان قبل ذلك، في هزات تشبة الزلزال الذي يقوِّض اليقين، ويهدم صروح الأحلام التي تؤسسها اليقظات التي تنتاب الشاعرة لحظة بعد لحظة، ولكنها سريعا ما تنطفئ شعلتها،مخلفة عتماتها الباردة في عزلة تدور دوائرها على الذات أولا وأخيرا.

كنا نجد ذلك التَّخوُّن في ثنايا القصيد أسطرا وأبياتا يتيمة اللغة،خافتة الصوت، تتوارى خلف المقصد العام للنص. غير أن الملفت حقا في الظاهرة، وجودها على رأس كل الفقرات.. وكأنها استفتاح مُتعَمَّد.. تريده الشاعرة ليكون هنا في المطلع.. إشارة دالة على وضع بائس مُستتب..

كتبت الشاعرة “نوارة لحرش” قصيدتها “أبجدية الحياة المهجاة، شمعدان لوليمة الأسئلة.” فأطالت العنوان، وطال معه النص كذلك.. وليس في الطول من دلالة صِحيَّة في الشعر، غير حب الثرثرة والفضفضة.. لأن الشعر جنس كثيف، ولغة الشعر لغة اقتصاد، وتجربة الشاعر تجربة فيلسوف… إذا ماذا تفعل الشاعرة بعتبة تتسع ليدخل منها كل ما هب ودب من المعاني والأقوال والصور؟؟.. هناك شيء مُتعمَّد.. قصدي هنا!! كلنا يعلم أن “الأبجدية” هي عدد محدد معروف من الحروف، وأن هذه الحروف تُتَعلم بالتهجية للصبية أول الأمر.. وأنها تنصرف في رمزيتها إلى الخطوات التعليمية في كل فن.. وأبجدية الحياة ربما تكون في بديهياتها الأولى التي تُلقِّنها الأم لفتاتها أو الأب لولده؟؟.

بيد أن المُربِك حقا هو الآتي: “شمعدان لوليمة الأسئلة” هذه العبارة التي جمعت في سلة واحدة كلمات لا سبيل إلى تأويل مقاصدها إلا من خلال ربط الطرفين مع  بعضهما بعض.. فالشمعدان، مجرد حامل للشموع التي تضيء عتمة.. قد تكون الشاعرة هي ذاتها ذلك الشمعدان التي يتراقص عليه لهب الأسئلة.؟!.. فتغدو الذات وقودا لوليمتها.. إنها الصورة الأثيرة للشمعة التي تحترق من أجل إضاءة عتمة الآخرين.. أسئلة التهجية والتعليم..

قد نزعم أننا بدأنا نلج عالم الشاعرة في خطوة أولى، وأن مرادها أن تكون مادة لتعليم الأخريات.. بيد أن الآتي يطفح بالخيبات.. إنه تعليم من نوع خاص، اختار أن يكون سلبي الدلالة، سلبي التوجيه.. يرفع راية التراجع في مطلع كل فقرة إيذانا بخيبة وانكسار.. تقول “نوارة لحرش”:

1

أتسلق عمري

عثرة ..هثرة

وعند تخوم الخدوش

أسقط متعثرة بخيبة عالية…

2

أتسلق نهاري/كدماتي مرتعدة

كأنثى أتكئ على شرشف الأوهام المنهكة

وفي زمهرير القشعريرة

أسقط متعثرة بما يشبه الحيات المرهقة

3

الحضور ياقة متهدلة على صدر الأوهام الكثة، يتهجاها الغياب

الغياب ثوب مرقع بذنوبي

لست مذنبة كما يجب

إنما الحياة مئذنة مطفأة

4

أتمدد في الأنا

فينفتح باب بقامة الأوهام

تتسلل المواسم الشاحبة

إلى رأسي المزموم بالذكريات المرتعشة

5

أتمدد في اللغة

معصومة الهنات وبعض الأخطاء

6

أتمدد في الحياة

مطفأة المسرات

أخطئ في كتابة مفرداتها كما يجب

7

أتمدد في وليمة الأسئلة

الآثمة: منذ متى والحياة غافية

على ذيل فستانك المرقع بالصبر المآكل؟ ([10])

تلك كانت مطالع الفقرات لنص طال انسيابه على الورق وكأنه لا يعرف إلى أي حد يقف. أو كأنه يجر صاحبته إلى تخوم لم تطأها بعد لتكون فريسته الأولى، تمضغ خيباتها المتتالية غبر أفعال، وأقوال، وأحاسيس، وأمنيات.. وما شئنا من وضعيات يتسع لها التأويل، وتمنحها اللغة العارية من القصد، كل احتمال، وكل قبول..

*جامعة سيدي بلعباس.



[1] – منيرة سعدة خلخال. لا ارتباك ليد الاحتمال. ص:56. منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين.ط1. 2002.

[2] – نفس.ص: 57

[3] -أحلام مستغانمي. على مرفأ الأيام.ص:107. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر.1972.

[4] – عبد الملك مرتاض. شاعرات الجزائر المعاصرات. تقديم للشعرية النسوية. ضمن: وحملن القلم، مقالات ونصوص شعرية. منشورات محافظة المهرجان الثقافي الوطني الثاني للشعر النسوي. ص:10. قسنطينة 2010.

[5] – حمر العين خيرة.. أكوام الجمر. وهران. ص:6. عام 1996.

[6] – م.س.ص:115-116.

[7] – كنزة مباركي. هوس بلون وجهي. ص:81. ضمن “وحملن القلم”. م.م.س.

[8] -عفاف فنوح. أغنية لحجر قديم. ص: 56. ضمن “واختبري تجلدك عند انكسار الروح” مقالات ونصوص شعرية. منشورات محافظة المهرجان الثقافي الوطني الثاني للشعر النسوي. قسنطينة.2010.

[9] – نفس.

[10] – نوارة لحرش. ص:59 وما بعدها. م.س.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق