قراءات ودراسات

قراءة في الكتاب الجماعي: “اللسانياتُ ومناهجُ النقد الأدبي”

1. لمجد بن رمضان*

صدر، مؤخّرا، عن دار “عالم الكتب الحديث” بإربد الأردن، الكتاب الجماعي “اللسانيّات ومناهج النقد الأدبي” في 412 صفحة. هذا الكتاب، الذي أشرف عليه الأستاذ الباحث بجامعة السوربون عبد الستار الجامعي وقام بتقديمه أستاذ النقد بجامعة تونس فتحي أولاد بوهدّة، هو ثمرة جهد بذله مجموعةٌ من الباحثين العرب في اختصاصات مختلفة، من أجل تطويع مناهج البحث الحديثة في قراءة النصوص قراءةً جديدةً، وللظفر بنتائج على قدرٍ وافٍ من العلميّة التي تكاد تفتقدها، اليوم، المكتبة العربيّة. ومن مقاصد هذا الكتاب، وهي عديدة لمن يطّلع على فحواه، تقديم مادّةٍ ثريّةٍ إلى القارئ تجمع بين التنظير والتطبيق لآخر ما توصّل إليه الفكر الإنسانيّ من مفاهيم ومعارف في مجال تحليل الخطاب عموما. إنّ قيمة هذا الكتاب لا تنحصر، في واقع الأمر، في تنوّع نصوصه، وإنّما في الطابع العلمي الذي بُني عليه. ففيه دراسات جادّة تروم الإحاطة بموضوعها إحاطةً جيّدةً وتقديم ما توصّلت إليه من نتائج بشكل مقنع إلى القارئ. وإلى ذلك، فقد صوّب البحّاثة أنظارهم إلى قضايا معاصرة وأخرى قديمة اقتضى السّياق الحالي إعادة طرحها من جديد، وتأتي على رأسها قضيّة المنهج التي مثّلت قطب الرّحي الذي تدور عليه هذه الأبحاث كلّها. فلقد حرصت جلّ المقالات على تقديم الآليات المناسبة للتعامل مع كلّ ظاهرة فنيّة كانت أو غير فنيّة. وبيّن أصحابها من خلال التطبيقات التي أجروها كيفيّة تنزيل تلك المناهج على النصوص.
ضمّ الكتاب ثمانية عشر مقالا، توزّعت على أقسام أربعةٍ. فأمّا القسم الأوّل، فقد خُصّص لدراسة للخطاب الأدبي، وقد انشغل فيه الباحثون بتفكيك النصوص الإبداعيّة القديمة منها والحديثة؛ شعرا ونثرا، مستأنسين، في ذلك، بالمنهج التداولي والبلاغة الجديدة والسرديّات الحديثة ونظرّيات القراءة والتلّقي. اهتمّ الدكتور محمد أنقار بالأحلام في الثقافة العربيّة معتبرا إيّاها من أكثر الظواهر الإنسانيّة تعقيدا واستعصاءً على الفهم. ولقد خلص الباحث المذكور في تحليله لهذه الأحلام إلى نتائج عدّة، لعلّ أهمّها الطاقة التخيليّة والحجاجيّة الكامنة في خطابها. واهتمّ الدكتور أصيل الشابّي بظاهرة السّجال في أخبار العشّاق المصروعين. فبسط عديد القضايا المتعلّقة برؤية الثقافة العربيّة للعشق. وانشغل الباحثُ عبد الستار الجامعي بدراسة المجالس الأدبيّة، ووقف فيها عند بلاغة خطاب المجالس والمسالك الحجاجيّة التي تطبع خطاب المتناظرين في مسائل عديدة. وفي ضوء المنهج النفساني، درس الباحث الأردني مصطفى خوالدة خطبة “الحجاج بن يوسف” في أهل الكوفة، مبرزا دور العوامل النفسيّة في تشكيل الخطاب الأدبي وفي منحه طاقة كبيرة للنفاذ إلى أفهام المتلقّين. وقد استند فرج علاّم، باحث مصريّ، إلى نظريّة القراءة والتلقيّ للكشف عن الإمكانات التي يمنحها النصّ الشعري لقارئه في التأويل. وغير بعيد عنه قدّم الدكتور فتحي أولاد بوهدّة اقتراحا نظريّا لكيفيّة تحصيل المعنى في النصوص الأدبيّة، وقد بيّن ذلك من خلال تطبيقات على بعض الأعمال الشعريّة الحديثة. واستندت الدكتورة فضيلة قوتال إلى المقاربة السيميائيّة لتفكيك المضمرات في خطاب المرضى، وقدّمت اقتراحات طريفة لتذليل الصعوبات التي تعترض الطبيب في فهم مقاصد المريض. وضمن ما يُعرف بالنقد الثقافي، قدّم كلّ من الدكتور رضا لبيض والدكتورة نسيمة كريبع قراءتهما لنصوص روائيّة قصد الكشف عن الأنساق الثقافيّة المتوارية خلف الخطاب الروائي والتي تساهم في تشكيله. وعمل الدكتور عبد الرزّاق علاّ على تنزيل المقاربة السيميائيّة على النصوص الروائيّة، مبيّنا مدى أهمّية هذا المنهج في الضفر برؤية جديدة للآثار الأدبيّة.
وأمّا القسم الثاني، فقد خٌصّص لقضيّة المنهج في دراسة الظواهر اللغويّة. وقد دارت الدراسات فيه على على طرائق استعمال اللغة في الفضاء الواقعي. وفي هذا القسم وقف جملة من الباحثين على الآليات الممكنة للتخاطب المباشر باستعمال الألفاظ وغير المباشر عن طريق الصورة أو الرمز، وذلك في ضوء المقاربة السيميائيّة واللسانيّات التداوليّة والمنهج العرفاني. وفي هذا السياق، طرح الدكتور عبد الله سيّد عبد الله غلام آليّات تحصيل المعنى في الخطاب استئناسا بالمنهج اللساني التداولي. واهتمّ الأستاذ خميسي الثلجاوي بقراءة الخطاب الإشهاري مبرزا كيفيّة اعتماده على الصورة وإدراجه إيّاها لاستمالة العقول وتوجيه الرأي العام خدمة لمقاصد عديدة.


خُصّص الفصل الثالث لتحليل خطابات المرضى من وجهة نظر سميو- لسانية، النقدي بالأساس، وقد سعت الباحثة فضيلة قوتال إلى تقديم مقاربة طريفة لخطاب المرضى المسكوت عنه. ودرس الأستاذ يوسف الرحايمي شعارات الثورة التونسيّة دراسة عرفانيّة لإبراز ما يكمن خلفها من تصوّرات استعاريّة كامنة في أذهان من أنتجها وروّجها. وشدّد على أهمّية المقاربة العرفانيّة في فتح مسالك الفهم لمثل هذه الخطابات الرائجة في الفضاءات العامّة.
وأمّا القسم الثالث فمداره على الخطاب النقدي. قدّم فيه الذهبي اليوسفي قراءة تكشف عن الخلفيّات الإيديولوجيّة للخطاب محمود أمين العالم، وبيّن كيفيّة اشتغال النوازع والأهواء السياسيّة في خطاب يتّخذ من الرواية موضوعا له. وفي الإطار نفسه اشتغل الأستاذ الدكتور السعيد بوطاجين على مفهوم المفارقة في النقد الأدبي باعتبارها آليّة من آليّات هذا الخطاب المهمّة. وبدورنا، قدّمنا نحن في هذا القسم دراسة عُنيت بالمسالك الحجاجيّة في الخطاب النقدي لدى سيزا قاسم جمعنا فيها بين المقاربة التأويليّة والبلاغة الجديدة. حاولنا من خلالها الإبانة عن العناصر التي تجعل من الخطاب النقدي قادرا على النفاذ إلى أفهام المتلقيّن ومؤثّر في من تلاه من الدرسين.
وكان القسم الرابع والأخير قد خُصّص لدراسة المنهج في الفلسفة وفي علم الاجتماع. وقد عُنيت فيه الدكتورة عقيلة دبيشي بقضيّة المنهج في تحليل الخطاب الديني، وتطرّق فيه الأستاذ أحمد سالم أحمدو عابدين إلى الخطاب باعتباره ظاهرة اجتماعيّة تستحقّ الدراسة على ضوء المناهج الاجتماعيّة.
وقد حرص جلّ الباحثين على أن تكون الاستفادة من هذا الكتاب مكفولة لشتّى شرائح القرّاء. فعملوا على إلانة اللغة كي تتناسب مع جلّ الأفهام دون أن تفقد أعمالهم الطابع العلمي الذي بنيت عليه. ولم تكن دراساتهم مجرّد إسقاط أعمى لمفاهيم نشأ أغلبها في فضاءات غربيّة على نصوص عربيّة، وإنما تعاملوا مع تلك المناهج والمفاهيم تعاملا نقديّا، أسّسوه على قاعدة الحوار العقلاني. وتبقى الآراء الواردة في الكتاب غير قطعيّة، وإنما قابلة للنقاش، فأصحابها منفتحين على الغير ومستعدين لتعديل مواقفهم كلّما استصوبوا أراء مخالفيهم.

* باحث جامعة جون مولان ليون 3، فرنسا.
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “قراءة في الكتاب الجماعي: “اللسانياتُ ومناهجُ النقد الأدبي””

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق