قراءات ودراسات

الجزائر في الرؤى الألمانية من 1830 إلى 1871.

الدكتور رضوان ضاوي*

أنجز رفيق سليمان نيبيا بحثه الموسوم بـ “أدب الترحال الألماني المكتوب عن الجزائر من 1830 إلى1871. دراسات عن صورة الجزائر، وصف رحلاتها وتقاريرها” سنة 1979 في لايبتسيغ بألمانيا، وهو في الأصل رسالة تقدم بها المؤلف لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة من جامعة لايبتسيغ سنة 1978. وعدد صفحات الرسالة 206 صفحة من الحجم العادي. قسّم المؤلف عمله إلى ثلاثة أقسام، فبعد المقدمة يأتي القسم الأول بعنوان: الحقيقة التاريخية للجزائر ودوافع سفر الأوروبيين إلى هذا البلد. والقسم الثاني بعنوان: الإشكالية المضمونية لأدب الرحلة وموقع رؤية العالم لدى المؤلفين. أما القسم الثالث فتحدث فيه المؤلف عن القيمة الأدبية والتوثيقية لأدب الترحال. وألحق المؤلف بالبحث ثلاثة ملاحق، الملحق الأول فيه نبذة عن تاريخ الجزائر من 1830 حتى 1871. والثاني فيه نبدة كرونولوجية عن أدب الرحلات، أما الملحق الثالث فيتعلق بالسير الذاتية لكل من الرحالة هاينريش بارت ومالتسان وبوكلار-موسكاو وشيمبر وفاغنر. وضمن المؤلف كتابه بيبليوغرافيا مهمّة تتعلق بالمصادر والمراجع التي استعان بها في دراسته.
تعرض المؤلف في هذه الدراسة للعديد من الكتابات بالبحث والدراسة. ولا يمكنه بالطبع الإحاطة بكل الكتابات التي ألفها الرحالة عن الجزائر لأنها كثيرة جداً. والفضل في وجود نصوص من هذا النوع يرجع إلى أن الجزائر عرفت قبل سنة 1830، أي في نهاية العهد التركي وإبان الاحتلال على الخصوص، عدداً غير قليل من الأسرى والعبيد، كانوا ينتمون إلى كل الأمم الأوروبية، وزارها كذلك بعض الرحالين والكتاب والعلماء والشعراء. وأصدروا كتباً على شكل رحلات أو بصورة رسائل أو مذكرات، تحدثوا فيها عن تجاربهم الشخصية في الجزائر وعلاقاتهم بأهلها، وعبروا عن موقفهم من قضاياها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتطرقوا إلى وصف العادات والتقاليد وأساليب الحياة. ومن هنا نجد العديد من هذه الكتب في مكتبات الجامعات الأوروبية تختلف قيمتها بين كتاب وآخر.
يعطي الكاتب مدخلاً تاريخياً للعلاقات الألمانية الجزائرية قبل وبعد الغزو الفرنسي للبلد الذي شكل قبلة ووجهة لسفر الألمان بعد 1830. فقد عرف البلد عند الفرنسيين “بالجزائر”، لكنها عرفت في أدب أوروبا أكثر “ببلد البرابرة”، ويقول المؤرخون بأن مفهوم “الجزائر” لم يكن معروفاً قبل 1830. وتميزت فترة هذا البحث بوجود تيار أدبي ألماني هو “ألمانيا الفتاة”، فزار الشاعر لاوبه الجزائر، وزارها الأمير بوكلار، وزارها أفراد ينتمون إلى الفيلق الأجنبي والسياح والرحالة العلميين، وضباط الحرب. ركزت كتاباتهم عمومًا على جمهور محدّد وهو “المهاجرون”. واهتم بعض هؤلاء الرحالة بالحرب ضمن “أدب الحرب”، وهي كتابات موجهة إلى جمهور محدد هو “أخوة السلاح” أو”المتخصصون في الحرب”. وأعلن الباحث في دراسته هذه عن الغاية منها، وهي تحقيق وظيفتين: الأولى هي عرض حقيقة البلد وجهة السفر وعلاقته ببلد الانطلاق مع ذكر دواعي سفر الألمان إليه. والوظيفة الثانية هي تحليل أدب الترحال الذي كتبه الألمان عن الجزائر. وخصص النصيب الأكبر في دراسته لتحليل مؤلفات الرحالة شيمبر وفاغنار ومالتسان وهيرش والأمير بوكلار والمرأة الرحّالة فون شفارتس.
ووضع المؤلف مجموعة من الجداول المبيّنة والملخصة والشارحة لأهم الرحالة الذين زاروا الجزائر، وخطاطة تلخص أنواع وأهداف وغايات الأدب الرحلي قيد التحليل في الدراسة، ودوافع السفر ونتائج هذه الرحلات، حيث نميز بين الرحالة من خلال الأصل التكوين والدوافع، ومن خلال رسالة هؤلاء الناتجة عن خطابات كتاباتهم، وهي تؤثر بوعي أو دون وعي في القارئ، فهي تمتعه كما لو كان شارك في الرحلة بنفسه، وتخبره بمعلومات علمية أو تجمع بين المتعة والعلم. وقسم الكاتب الأدب الرحلي إلى أربعة أقسام، أدب ينتمي إلى الوصف الرحلي وهدفه علمي، وأدب ينتمي إلى الوصف الرحلي وهدفه نقل التجارب والمعايشات، وأدب رحلي جمع بين الصنف الأول والصنف الثاني، إضافة إلى نصوص لمستوطنين وضباط حرب واستعماريين.
ويُبرز المؤلف في دراسته لأدب الرحلة مدى ارتكاز هذه الكتابات على”التبليغ” و”الفهم”. فلم يهتم المؤلفون بالأسلوب أو بالشكل، أي إن المؤلفين لم يهتموا في مؤلفاتهم بالمجال الفني للكتابة.

الحقيقة التاريخية للجزائر ودوافع السفر
وجهت أوروبا أنظارها نحو الجزائر في القرن التاسع عشر. ولعبت “دولة البرابرة” الجزائر أهمية تاريخية، إذ سكن هذه البلاد القرطاجنيون والرومان والعرب والأتراك، وكانت الجزائر ساحة للعديد من الأحداث التاريخية ومسالك لمختلف الثقافات. وحصر المؤلف دراسته بين سنة 1830 و1871، أي بين غزو فرنسا للجزائر و”الثورة الكبيرة” للجزائريين (ثورة المقراني والحداد) من أجل تحرير بلدهم من الاستعمار الفرنسي. وكانت فرنسا في 1871 مشغولة أيضاً بحربها ضد ألمانيا حيث اندحر الجيش الفرنسي. وفي هذه السنة تأسس الرايخ الألماني الثاني بفرساي. وبعد مقاومة الحكم العثماني الأجنبي، توجب على الجزائريين مقاومة الحكم الأجنبي الفرنسي: “فالكره العميق الذي يكنه قبائل شمال إفريقيا لكل غاز أجنبي أثر في العصور الوسطى على فشل محاولات العنف الإسبانية والبرتغالية وجعل أيضاً توسع سلطة الأتراك على كل البلاد مستحيلة”. ويؤكد الباحث سليمان رفيق نيبيا هذه الفكرة فيقول: “طيلة فترة الغزو الفرنسي اصطدم الفرنسيون ليس فقط بجيش معاد، ولكن أيضاً بثقافة مختلفة، وهي مواجهة ثقافية كانت مبرراً لمشاكل اجتماعية، إضافة إلى المشاكل السياسية”.
وقد زار عدد كبير من الألمان قبل سنة 1830 البلاد بصفتهم أسرى، لكنهم تركوا أعمالاً توثق تجربة أسرهم في الأيالة. وفي القرن التاسع عشر زار عدد كبير من الرحالة الجزائر، بينهم رحالة ألمان قصدوا برحلاتهم التعرف على البلاد وأحوال العباد، ودون هؤلاء الرحالة هذه الرحلات على شكل مؤلفات تندرج ضمن مجال “أدب الرحلة” عن الجزائر.
وتعتبر أوروبا القرصنة البحرية إرثاً تاريخياً لدول شمال إفريقيا. ولهذا سعت أوروبا إلى عقد اتفاقيات تضمن حرية الإبحار وأيضا حرية التجارة. وبالنسبة للأوروبيين، لم تكن القرصنة هي الخطر الأكبر فقط، ولكن الأسر هو الذي كان الأخطر. كذلك ارتبطت القرصنة بالأسر. وقد كتب عالم الطبيعيات موريتس فاغنر الذي زار الجزائر في 1830: “جدير بالذكر أن دولتا الجزائر والمغرب يقطنهما شعب بربري ومتعصب ومتعطش للقرصنة وللقتل، وتعتبر بالخصوص من البلدان الأكثر انغلاقاً بالنسبة للمسيحيين، كما أن الأسرى يعانون بسبب سوء المعاملة (…)”. ويقول المؤلف إن معاملة الأسرى لم تكن سيئة، على عكس ما يزعمه بعض الأوروبيين، فالكثير منهم تم السماح له بمزاولة الحرف أو فتح متاجر لبيع السلع وبعضهم أصبح موظفاً في الأيالة.
وجد الرحالة على المستوى الإثنولوجي في ظل الوجود الفرنسي على الأرض الجزائرية، العديد من اللغات يتكلم بها المحليون والمستعمرون الأوروبيون. ويميز الرحالة الألمان بين سبع مجموعات إثنية في الجزائر، لكل مجموعة ثقافتها وتقاليدها الخاصة بها، وهي: العرب، والمورسكيون، والقبايليون، والأتراك، والموزابيون، والزنوج واليهود والتركمان. كل هؤلاء الأصناف يتفاهمون في تلك الفترة مع بعضهم البعض ومع الأوروبيين بواسطة لغة (lingua franca) وهي خليط لمختلف اللغات الأوروبية. ودقق الرحالة الألمان في عدد السكان فقدموا إحصائيات تدل على اهتمامهم بالأعراق. وازداد عدد الأوروبيين مع وصول مستعمرين جدد إلى الجزائر، وإلى جانب اهتماماتهم المختلفة حافظوا على الخصوص على عادات بلدانهم، فعكست حياتهم وعاداتهم طابع وطنهم.
تحدث (فاغنر) عن وجود سبعين مقهى عربيّاً اختفى معظمها أثناء الاستعمار وبنى الفرنسيون مكانها فنادق ومحلات تجارية عسكرية. ونافست المقاهي الفرنسية مقاهي العرب بسبب أناقة مقاهي الأوروبيين. وكان الألمان ملاكاً كباراً اهتموا بالزراعة، ونجد من بينهم أيضاً فقراء وأجراء يعيشون في بؤس كبير. أما الأغنياء الألمان فقد كانوا حرفيين وخياطين ونجارين وبنائين شيدوا منازل على الطراز الألماني.
وكان دودو أبو العيد قد ذكر في كتابه”الجزائر في مؤلفات الرحّالين الألمان (1830-1855)” قد ذكر أن شيمبر تحدث عن الدين الذي “يلعب دوراً مهماً في صقل طابع الشعب وطريقة عيشه. ولهذا السبب خصص للدين المحمدي صفحات كثيرة في كتابه”. ويتم في أدب الرحلة الألمانية في الغالب الحديث عن العادات والتقاليد الجزائرية مثل “صوم رمضان”. وقد صادفت فترة زيارة فاغنر للأيالة مناسبة شهر رمضان الفضيل. يقول فاغنر: “يتم الإعلان عن بداية رمضان بـ 101 طلقة من المدفع في العاصمة الجزائر. ويتوجب على السكان المحمديين أن يؤدوا عن كل طلقة دورو واحد، أي خمسة فرنك وعشرين سنتاً للبلدية”.
ويعتبر مسرح “الأراجوز” مسرحاً شعبياً بطله “بدوي حقيقي”. ويشاهده الجزائريون والأوروبيون. فهو “مكان آخر يحج إليه في رمضان الكثير من المحليين ومن الأوروبيين…هو نفسه يوجد في الزاوية الأكثر قذارة بالمدينة…ويشبه هذا المسرح عندنا ألعاب خيال الظل أو مسرح شخوص الخيال الصيني (انتقل إلى العرب عبر تركيا خاصة في العهد المملوكي)”. وتحدث الكاتب عن تقييم المسرح الشعبي والعادات والتقاليد الجزائرية بعيون الرحالة الألمان، فيقول إن الجزائر “مارست على أوروبا قوة جذب كبيرة خاصة في القرن التاسع عشر، وبالنسبة لأوروبا، لا تعني الجزائر فقط إفريقيا، بل أيضاً الشرق. وأيقظت البلاد اهتمام الأوروبيين بها بسبب ثقافتها، وكذلك بسبب تاريخها المثير للجدل أثناء حكم العديد من القوى. وباختصار كانت الجزائر منطقة مهمة للعلماء الأوروبيين، وبالنسبة لبعضهم كانت هي فقط ممراً إلى القارة السمراء، وبالنسبة للبعض الآخر كانت هي هدف اهتماماتهم وميولاتهم.
بعد إنشاء الجمعية الإفريقية سنة 1788، بدأ عصر “الدراسات الإفريقية” ذي الأهداف العلمية الإنسانية، وخاصة محاربة الرق من مصادره. ومن الأسماء التي ارتبط ذكرها بهذا النشاط العلمي نذكر شوته مونجو أوارك الذي اهتم بالدراسات الزنجية. ويمكننا أن نتحدث عن”الدراسات الإفريقية” بالمعنى العلمي بعد حروب نابليون وثورة يونيو ومارس. ويلخص المؤلف اهتمامات أوروبا بإفريقيا فيقول إن بروسيا أولاً والرايخ الألماني ثانياً بدلا في القرن التاسع عشر جهوداً من أجل تطوير توثيقهم للمناطق البعيدة. فكانوا بحاجة إلى معلومات تتعلق بإفريقيا. وحتى سنة 1830 كان الوضع غير مريح بالنسبة للسفر وبالنسبة للبحث العلمي في الأيالة. ولم يكن هذا الأمر ممكناً إلا بعد أن أخذت العلاقات السياسية بين شمال إفريقيا وأوروبا شكلاً منظماً، وكذلك بعد أن دفعت الدول الأوروبية المسيحية جزية مُذلّة لشراء السلام من دولة البرابرة، فأصبح بإمكان بعض الرحالة بمساعدة القناصلة المعتمدين لدى دولة القرصنة زيارة بعض المناطق الشاطئية وداخل “دولة البرابرة”. ومع بداية الإستعمار للجزائر أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للرحلة والسفر، فلم يعد يوجد ما كان يخافه الأوروبيون وهو القرصنة والأسر. و”بعد الإنزال الفرنسي بسيدي فرج فقط، أصبح بإمكان الرحالة الأوروبيين الوصول إلى هذه البلاد”. ويوضح المؤلف بأن حضور الجيش الفرنسي كان حيوياً وهاماً لأوروبا وحدثاً جعل من الجزائر بلدًا آمنًا بالنسبة لهم. وكون العديد من العلماء زاروا الجزائر يدل على أهمية هذا البلد العلمية. ولم تكن للجزائر أهمية علمية بالنسبة لأوروبا فقط، ولكن كانت كذلك للعالم كله، وباختصار يريد الأوروبيون الاهتمام بثقافة أخرى. ويكتفي الأوروبيون بالمناطق التي يتواجد فيها الجيش الفرنسي. وكان الفرنسيون يسمحون للرحّالة الألمان بزيارة هذه المناطق بعد حصولهم على رسالة توصية توفر تسهيلات للرحالة. وقام شيمبر برحلة رسمية بطلب من “نادي السفر بفتنبرغ” وحصل عليها من وزير الحرب الفرنسي شخصياً. وتسلمها فاغنر في سبتمبر 1836 من باريس من وزير الحرب، ومن أساتذة المتحف التاريخي الطبيعي. وكانت الجزائر مجهولة لديهم، ويجهلون بالطبع أحوال وأوضاع البلاد التي يطلبون من أجل زيارتها رسائل توصية من باريس. وبالنسبة لـفاغنر تلعب هذه التوصيات دوراً هاماً، فهي وثائق قيمة لسفره داخل البلاد، وهو مالم يكن دائماً بالنسبة لرحالة آخرين. فبالنسبة لهاينريش بارت على سبيل المثال، لم يكن ممكناً أن يُتم رحلاته حسب برنامجه ولم يكن يستطيع القيام برحلة منظمة في البلاد بسبب عدم جدوى رسائل التوصية في بعض مناطق الحرب بالجزائر. وهذا ما عبر عنه الرحالة شمبير بقوله إن كل شيء نسبي: “يؤسفني ألاّ تكون مجموعة من التوصيات التي تسلمتها من وزير الحرب الفرنسي شخصياً للحاكم وللعديد من الموظفين ذات قيمة كبيرة”.
وإضافة إلى رسائل التوصيات قدم مكتب “العرب” مساعدات كثيرة للأجانب في الجزائر. وقد تأسس هذا المكتب في الأول من فبراير 1844، وهو نوع من مكاتب الوساطة بين الفرنسيين ورؤساء القبايل الجزائريين، ويضم موظفين ومترجمين بارعين في اللغة العربية ويستطيعون فهم المجتمع المحلي. وقد ساعد هذا المكتب مالتسان بعد “خيبة أمله” لدى الحاكم في البليدة لأن هذه المؤسسة هي الأعلى في اتخاذ القرارات السيادية في البلاد. ولا يستطيع أي أجنبي أو محلي السفر في البلاد دون موافقة المكتب. وتسلم فاغنر أيضاً رسائل من الحاكم العسكري في الجزائر، وقدم نفسه بصفة طبيب. واعتبرها فاغنر حيلة ذكية من أجل تأمين سفره وإزالة كل سوء فهم وكل سوء ثقة، وهي وسائل يستعملها المغامرون والرحالة: “فالعرب يشكون في كل أوروبي ويعتبرونه عميلاً فرنسياً يخبر الفرنسيين بمعلومات عن المناطق التي يجهلها الفرنسيون في البلاد”.
زار شيمبر الجزائر في 1831 كملاحظ وجامع للنباتات النادرة وغير الموجودة في أوروبا. واطلع فاغنر كعالم مهتم بالحيوانات على كتاب شيمبر. أما بارت الجغرافي فاهتم بالجغرافيا وبالطابع الإثنوغرافي للبلاد. وزار بلدان البحر المتوسط. واهتم الرحالة الألمان بكل ما هو شرقي، “فالرحالة الذي تطأ قدماه لأول مرة أرضاً غريبة، يهتم غالباً أيضاً بطراز البناء الشرقي، وفي بعض المرات بالمآثر الرومانية… ويهتمون بالمقاهي العربية”. على عكس فاغنر، استعان مالتسان بوسيلة أخرى هي تعلم العربية عند معلم جزائري. وبهذه الطريقة استطاع الدخول إلى أعماق المجتمع للتعرف عليه أكثر. فهو لم يكن فقط رحالة، بل كان باحثاً أيضاً في اللغات. وبفضل دراسة العربية استطاع أن يربط علاقة بالمحليين. وكانت دراسة العربية بالنسبة إليه “الوسيلة الوحيدة الفعالة، على الأقل، من أجل تكوين صداقات، تتقدمها نيتي في تعلم العربية”.
يقدم لنا المؤلف نموذجاً ثالثاً باحثاً هذه المرة عن العجائبية والغرائبية مثل ماري فون شفارتس التي أقامت في البلد مدة شهرين. وتريد هذه الرحالة اكتشاف البلد المجهول. فالجزائر فكرة توحي لماري فون شفارتس بعالم جديد. إنه عالم تريد اكتشافه قبل أن يغير الاستعمار الفرنسي معالم البلد الشرقية. ويريد الرحالة الأمير توسيع أفقه عبر “رحلة عطلة”. هو سفر من أجل المتعة وسفر لا يحلم به أجداده وآباؤه، والذي أصبح في منتصف القرن التاسع عشر ممكناً ومريحاً بسبب “اختراع الآلة البخارية”. وهناك رحالة أرادوا مغادرة شتاء ألمانيا وقضاءه في الجزائر الدافئة، من أجل الإستشفاء أيضاً مثل أوتو شنايدر .وزار هاينريش بارت الجزائر في فترة الثورات في وهران وتيتري وحوضنة، ورغم قصر مدة إقامته، فقد أمكنه التعرف على أجزاء كبيرة من البلاد. لكنه لم يزر مناطق أخرى بسبب الحرب. ولم يستطع فاغنر أيضاً زيارة وهران، لهذا نجده يقول: “لا يمكن أن نلوم هذه الأجزاء الجغرافية والوصفية غير الكاملة، إذ إني زرت كل مناطق البلاد التي تقع في يد الفرنسيين حتى يونيو 1838 أثناء مغادرتي الجزائر”. ويجب الإشارة إلى أن أغلب الرحالة الذين زاروا الجزائر في فترة الدراسة اكتفوا بمنطقة الشمال. ومن النادر أن يزور بعضهم الصحراء بإستثناء بعض المهتمين الذين زاروها. ولهذا فالصحراء تمثل فقط قسماً ثانوياً من المعلومات عن الجزائر.
مضمون أدب الرحلة
يشكل الوضع الاجتماعي للرحالة ورؤيته للعالم عاملين حاسمين في رؤيته للجزائر. فقد بذلت ألمانيا في القرن التاسع عشر جهداً كبيراً لتوسيع مداركها ومعارفها عن الجزائر وعن الدول المحمدية. وبهذه الطريقة ساهم الرحالة بشكل مهم في نشر هذه المعرفة بواسطة مؤلفاتهم. وقام العلماء الألمان، وهم رحالة أيضاً، بانجاز مهام علمية في بلد ما زالت معرفة أوروبا به قليلة. وكانت وظيفة الباحث أساساً جمع المعلومات وملء الفراغات في “علم البلدان وعلم الشعوب”. ونزل شيمبر، “عالم رحالة وباحث وجامع للنباتات” إلى الأيالة خمسة أشهر بعد إنزال سيدي فرج، وكان واحداً من الألمان الأولين الذين زاروا الجزائر بدعم وطلب وتمويل “نادي السفر التاريخي الطبيعي” ومن الحكومة الألمانية، وطلب منه “نادي الرحلة في فتنبرغ” تدوين ملاحظاته عن الجزائر. وهذا يظهر مدى مساهمة جمعيات ونوادي جغرافية أو رحلية في ألمانيا من أجل الوصول إلى البلد. وارتبطت “دراسة الجزائر” أيضاً بأسماء أخرى، فـبارت الباحث في الدراسات الإفريقية الشهير زار الجزائر عشر سنوات بعد زيارة فاغنر. وفي مقدمة كتابه أكد على مهمته العلمية، ويعبر عن ذلك بقوله: “موقفي هو موقف تاريخي-جغرافي، وفي بعض الأحيان زرت بلدان البحر الأبيض المتوسط ووصفت رحلتي هذه”. وقد أصبح بارت في 1863 رئيساً- نظير عمله الدؤوب في دراسة إفريقيا- للجمعية الجغرافية في برلين لكل فرع “علم البلدان وعلم الشعوب”.
لقد أضاف الإحتلال الفرنسي إلى اهتمامات الأوروبيين الاهتمام بالعلوم الطبيعية والبحث في “المجال الشرقي”، وبحث اللاجئون الألمان والمغامرون عن حظ أسعد في الفيلق الأجنبي. وتحدث (ماكس فرايهير فون فيبر) الذي قام برحلة استجمام إلى الجزائر في 1853 وأصدر كتابه “الجزائر والهجرة إلى هناك “في 1854، فتحدث أولاً عن أوضاع أبناء بلده الموجودين على الأرض الإفريقية، وكان هدفه اكتشاف بلدان غريبة وثقافة غريبة مثل الأمير بوكلار. أما ماري شفارتس فكانت تبحث عن الغرائبية حين زارت البلد في 1847 وتمنت لنفسها رؤية واكتشاف عالم شرقي بأشجار النخيل والجمال تماماً كما يتصور الأوروبيون هذا العالم، قبل أن تتغير المعالم “الشرقية” بسبب تسلط وفرض الثقافة الأوروبية. ويشير المؤلف إلى أن الباحثين عن المغامرة والاستجمام والراحة في إفريقيا هم النبلاء والأغنياء مثل بوكلار وماكس ماريا فرايهير فون فيبر وماري اسبرنس فون شفارتس. وهناك من جاء إلى الجزائر من أجل إنجاز وظيفته ومهمته والتعرف على العلاقات السياسية بين الجزائر وألمانيا مثل بوفري عضو “النادي المركزي للهجرة الألمانية والإمكانيات الكولونيالية”، وأيضاً عضو مراسل “لجمعية الإستشراق” في فرنسا، الذي ألف كتاب “الجزائر ومستقبلها تحت الحكم الفرنسي”، صدر سنة (1855) بعد مقامه بالجزائر سنة 1852. وهو عبارة عن دليل نصائح للمسافرين الألمان إلى الأيالة بالجزائر من أجل الاستيطان فيها. وظهرت كتابات يمكن أن نصنفها ضمن “أدب الحرب” ككتاب “تاريخ الحروب في الجزائر” الذي صدر سنة 1861 للجنرال هايم.
وقد ساهم الحضور الفرنسي في تدمير “الثقافة الجزائرية”، وعمل على ذلك. وأعلن (هيرش) في كتابه عن تضامنه مع الشعب الجزائري من خلال مقدمة كتابه، فقال: “… شعب حر يدافع عن وطنه له الحق الكامل في ذلك”. كما يعتبر الأمير عبد القادر موحداً للأمة وذا توجه جديد في السياسة. ومع اكتشاف وفتح مناطق أجنبية على الأرض في شمال وجنوب أمريكا واستراليا بدأ عصر الهجرة الألمانية “التي بلغت أوجها في 1854”. ونقرأ في “تاريخ الجزائر في محطات” الذي يصدر سنة 1969 أن: “الأسباب هي-بين أخرى-الحاجة الاقتصادية ورفض الوضع السياسي وتدهور الحالة الإجتماعية في ألمانيا”.
وضع المؤلف جدولاً يبين تطور الهجرة الألمانية بين 1831 و1866 في المدن الجزائرية مثل العاصمة وإقليم الجزائر ووهران والقسطنطينة. واختلفت آراء الرحالة الألمان بخصوص هذه الهجرة. فبوفاري عضو “النادي المركزي للهجرة وفرض الاستعمار الألماني” شجع هذه الهجرة نحو الجزائر التي تقدم مزايا أكثر من الهجرة إلى أمريكا. ولكن جل الرحالة يحذرون أبناء وطنهم من خطر مشروع المستعمرة الجديدة في الجزائر. وكان شيمبر من بين الذين حذروا مواطنيهم من الهجرة إلى الأيالة. وأهم منطقة استوطن بها الألمان هي مستنغانم. وقد اهتم شيمبر بالعلاقات الاجتماعية بين أبناء وطنه. وصوّر في كتاباته بؤس وفقر المستوطنة الألمانية. ووصف بوكلار أوضاع هؤلاء بسخرية. أما هيرش فيكتب بأن البلاد فيها كل شيء، فيها الثروة والتعليم والحرية. وبالإرادة فقط نجد هنا جرمانيا الكبرى مهد الحضارة الأوروبية والحكم الذاتي. وعموماً لا ينصح الرحالة أبناء وطنهم بالهجرة إلى الجزائر كمستوطنين، لأنه لا يمكنهم انتظار الشيء الكثير من الفرنسيين.
يقول المؤلف بأن الرحالة الألماني الذي يزور الجزائر لأول مرة يواجه في كل مكان ثقافة شرقية. وكان الحكم على هذا العالم وتقييمه مختلفاً. فبعضهم اعتبر البلد لا ثقافة له، ويصف بهذا المعنى الجزائر ببلاد البرابرة. وجعل آخرون من الثقافة الجزائرية موضوع بحثهم ودراستهم. ويتحدث فاغنر عن اللغة العربية ويصف الثقافة إثنوغرافياً. ولأن العاصمة فيها جنسيات كثيرة عربية وأمازيغية وصحراوية وإفريقية وأوروبية من مختلف الدول، فقد تطورت لغة وسيطة هي اللغة المشتركة كوسيلة تفاهم بين كل عناصر هذا الخليط. وقد اهتم مالتسان بالعربية وأخذ دروساً في تعلمها من أجل فهم المجتمع وربط العلاقات مع الجزائريين. أما الكاتب الشاب لاوبه فقال عن معجم العربية إن جلّه في مجال الحيوانات، ويمثل وجهة نظر تقول إن الجزائر لا ثقافة لها، وأن الجزائريين غير متحضرين وأن محاولات ثقافتهم “لا تتعدى مرحلة بداية الطفولة”. وتمثل هذه الفكرة منطلق رؤيته للعالم، تفسرها كلماته: “سمعنا لأول مرة هذه اللغة…التي أرعبتنا كما لو كانت لغة أفاعي…”. ودرس هيرش العربية بألمانيا في الجامعة واهتم بترجمات القرآن ويتأسف لأنه “في الجزائر يتم إهمال لغة جميلة” . أما شفارتس فتقول إن الجزائر فقدت أصالتها بسبب الاستعمار الذي خيب أملها حين وجدت الجزائر فاقدة لطابعها الشرقي. وتحدث فاغنر أيضاً عن هذا التدمير الممنهج لثقافة الجزائر. أما مالتسان فـ”أصيب بالصدمة” من سياسة التدمير هذه. فقد اتخذت فرنسا من دافع تجميل المدينة حجة لتدمير معالمها الأصلية وإعادة بناء المدينة على الطراز الفرنسي. فحتى المؤسسات الثقافية لم تسلم من سياسة التدمير مثل “مكتبة الجزائر” المتخصصة في “الدراسات المكتوبة عن إفريقيا”، وكانت أيضاً قطعة فنية ومعمارية بنيت على الطراز الشرقي المورسكي. وتحتوي فقرة “أغاني عربية” في كتاب الرحالة هيرش و”الأغاني الشعبية” على انطباعاته التي تعترف بقيمة الشعر العربي الشعبي الجزائري. وأورد المؤلف قصيدة تتحدث عن الأعراف والتقاليد السياسية الجزائرية بطريقة ساخرة.
يقول فاغنر إنه “قبل الاحتلال الفرنسي كانت تتوفر الجزائر على عشرة مساجد كبيرة وخمسين مسجداً صغيراً. والآن تقلص هذا العدد إلى النصف…هكذا أصبح مسجد مسرحاً، وآخر مخزناً وآخر ثكنة عسكرية”. واهتم فاغنر بوصف صلاة المسلمين التي اعتبرها غامضة وفيها مبالغة وخيال. يقول “في طريقهم إلى بيوتهم، لا يتوانى هؤلاء المصلون المبجلون علانية في نهب ممتلكات إخوتهم المؤمنين، أو في القبض على أول مسيحي وقطع رأسه”. وتنطلق شفارتس من وجهة نظر “الباحثة عن العجائبية والغرائبية” لتسم بها ملاحظاتها عن المسلمين، فتقول: “لا يمكنني إلا أن أقارن محمدياً مصلياً بالبط العوام”. ويقول سليمان رفيق نيبيا إن هذه الرنة الغرائبية تؤكد رغبة الرحالة في اكتشاف عالم شرقي في الجزائر. ويقول اللاجئ السياسي يونجمان لن تسمع أبداً مسلماً يتحدث باحتقار عن صلوات الآخر، حتى الصلاة اليهودية التي يمقتها بشكل عميق. بينما المسيحي، خاصة الفرنسي، يجعل أديان الآخرين هدفاً لنكته وغمزاته”. ويعتبر فاغنر شهر رمضان شهر التعصب الديني عند المسلمين، وكان الرحالة الغربيون يستهزئون ويتعبرون الصوم في النهار تصحبه صرامة مضحكة.
أما لاوبه فتحدث عن الفروسية التي اعتبرها دليلاً على”ثقافة بدائية”، يقول: “نحس كما لو أننا بين متوحشين، ومحاولاتهم الثقافية لا تعبر حتى عن مرحلة الطفولة الثقافية”. ومدح هيرش عادات الضيافة الجزائرية، واستعمال الحناء، واحترم هذه العادات على غرار المثل المأثور الذي أورده المؤلف وهو: “بلدان أخرى، تعني عادات أخرى”. ويحاول هيرش فهم هذه التقاليد. يصف المؤلف لاوبه بالرحالة الأكثر موضوعية، فعندما نطالع كتاباته الرحلية ونحللها نلاحظ بأن أوصافه خالية من الأحكام القبلية فيما يخص تبليغه لتجاربه بالجزائر. فهو لا يقيم الجزائر وعادات وتقاليد الجزائريين انطلاقاً من وجهة نظر مسيحية أو وجهة نظر أوروبي أكثر تحضراً، كما أنه لا يخجل من جرح أبناء وطنه أو الأوروبيين عامة عند تبليغ بعض الحقائق. وفي فقرة من كتابه بعنوان “الأديان في التجارة والتعامل “ثمن عدل المسلمين في التجارة على عكس المسيحيين أو اليهود، إذ يقول: “هكذا سيحس جل قرائي بالخذلان، حسب تجاربي العديدة، المسلمون عادلون في تعاملهم ممن يستثنيهم من عدهم تجاراً فاسدين”.
تم سد الكثير من الثغرات في مجال علم الشعوب وعلم البلدان بفضل أدب الرحلات. فقد درس الألمان أيضاً الطبيعة الجزائرية. بعد دراسة شيمبر بميونيخ العلمية زار الجزائر كجامع للنباتات. واهتم بالأنواع النباتية التي لا توجد في أوروبا. لكنه فقد جزءاً كبيراً مما جمعه. أما فاغنر فبفضله وضع أول تصنيف كامل ووافر لحيوانات الجزائر واكتشف أنواعاً جديدة من الحيوانات. ويتمنى فاغنر أن يسير باقي الرحالة على نهجه ويغنوا المتحف الجزائري بما اكتشفوه في الجزائر من ثروة حيوانية وطبيعية، فيعبر عن هذا بقوله، إنه وضع مجموعته في عدة مؤسسات ألمانية مثل المتحف الخاص بالحيوانات في برلين، كما أهدى للمتحف الجديد بالجزائر بعض النماذج: “إنني سعيد، لأنني كنت أول من أسس تجميعاً للحيوانات هناك، بالمتحف الجديد الذي تم إنشاؤه بالجزائر وأهديته بعض الحشرات والحيوانات وبأمل في أن يكبر المتحف بهدايا مجمعين آخرين للحيوانات والحشرات من الجزائر”. ويشير المؤلف إلى أن الفرنسيين اهتموا أكثر بهذا المجال العلمي لأنه بالنسبة إليهم “ضرورة وحاجة” إلى إنجاز أبحاث علمية في المستعمرة الإفريقية الجديدة، ولهذا الهدف أنشأت الحكومة الفرنسية اللجنة العلمية في 1839، وأرسلت اللجنة إلى الجزائر. فقبل 1830 اعتبر الأوروبيون الجزائر لا يستفاد منها علمياً. وحاول الرحالة غير المتخصصين إخبار القارئ الألماني عن الطبيعة الجزائرية وعن الحيوانات الموجودة فيها مما يشبع انتظارات القارئ من هذه المنطقة في الشرق. وبفضل هؤلاء الرحالة حصل القارئ على منابع المياه والطقس والطب البديل بالأعشاب.

القيمة التوثيقية والأدبية
رغم قصر مدة إقامة فاغنر في البلاد الا أنه كتب نصاً مهماً يجمع بين التعليمي والمتعة. يقول إنه “يريد قارئاً مؤدباً، يتبعني في رحلتي إلى داخل الجزائر”. ويتساءل بمرارة عن سبب عدم تأسيس فرنسا مدارس للتكوين المهني والعلمي لتكوين الأطر في الجزائر في العربية وفي الجغرافيا وفي الاثنوغرافيا وتاريخ البلد وفي الدين وفي علم العادات وعلم الإسلام، طيلة الخمسة والثلاثين سنة الماضيّة. ففي رأيه يجب أن يعرف الموظف الفرنسي في الجزائر، سواء أكان موظفاً أو قاضياً في شؤون الجزائريين القرآن، “تماماً كما يعرف قاضي الفرنسيين مدونة نابليون”. أما ماكس هيرش الذي كتب “رحلة إلى داخل الجزائر عبر القبايل والصحراء” (1862)، وتحدث عن الأسماء الجزائرية التي تحمل “بو” وعن الآثار التي توجد في الجزائر ذات الأصل الإغريقي. واهتم بمعاني أسماء الأماكن وأسماء المدن، وقارن هذه الأسماء بالأسماء اليونانية وفي اللغات الهندو-جرمانية. ظهر كتاب هيرش ست سنوات بعد قيامه برحلته، والكتاب ممتع ويقدم معلومات قيمة عن البلد بنبرة ممتعة وشروح وافية. وتقدم ماري فون اسبرونس فون شفارتس في مدة إقامتها القصيرة (شهران) رحلتها على شكل يوميات. ومثل لقاؤها الأول مع الشاطئ الإفريقي أول خداع كبير تعبر عنه بقولها :”ينتظر المرء هنا رؤية مدينة شرقية، ولكن كم يصدم المرء. مباني مورسكية قليلة، ولا وجود لأشجار النخيل تقريباً. وفي ترتيب غير منظم تقف باصات شبيهة بالتي كانت توجد قبل عشر سنوات. وفي فرنسا… أجد هنا نفس الشوارع المتسخة التي تركتها خلفي في مارسيليا…”. إذاً، تمنت هذه المرأة اكتشاف درجات العجائبية والغرائبية، لكن خاب ظنها في الجزائر. وأول خيبة أمل لها تجلت في الطبيعة الجزائرية. وقد حاولت فون شفارتس تبليغ القارئ “العجائبية والغرائبية” في الجزائر من خلال كتابها لكي يمتلك القارئ أساس مشاركته في الرحلة، ولهذا وصفت مغامراتها في حمام عربي للنساء، حيث حكت قصص حية وخيالية عن تجربة الكاتبة في هذا العالم السفلى الذي وصفته بالدخول إلى “المقدس” . وكان الوصف حيوياً ومليئاً بالصور والمقارنات العديدة.
اطلع فاغنر على كتاب بوكلار واعتبره من بين الأعمال الثلاثة المكتوبة عن الجزائر التي كان يتوفر عليها قبل سفره إلى الجزائر. لم يكن بوكلار باحثاً عن الراحة في الجزائر ولم يكن هدف سفره علمياً، ولم يكن حالماً مثل الرومانسي بالبعاد والوحدة. لكنه كان مثل شعراء “ألمانيا الفتاة” يبحث عن أصدقاء جدد يتعرف عليهم ويعايش أحداثاً جديدة. ويعتبر المؤلف كتابه “سميلاسو في إفريقيا” عرضاً غنياً وفكرياً لرحلة إلى الجزائر، حيث بذل جهداً بشكل ساخر أيضاً، لتقديم ما هو غرائبي وعجائبي في رحلته.
يقول المؤلف إن أغلب الكتابات الرحلية التي ظهرت عن الجزائر تهمل الجوانب الأدبية، لأن هدف مؤلفيها ليس أدبياً، باستثناء كتاب الرحالة الأمير بوكلار-موسكاو والرحالة هاينريش لاوبه اللذين نلمس فيهما التأثر بهاينريش هاينه وكتابه الأدبي الهام جداً “صور رحلية”. ولهذا حاول الكاتبان أن يركزا على إظهار روح “ألمانيا الفتاة” في كتابهما.

استنتاجات
ركز الباحث على ما تحتويه الكتابات الألمانية عن الجزائر من معلومات عن المجتمع الجزائري وتنظيمه وطريقة عيش المحليين. وعلى المستوى التاريخي والسياسي قدم الرحالة الألمان كشهود عيان الكثير من الوثائق الثمينة التي تدين الإستعمار الفرنسي في الجزائر، مثل ما قدمه (فاغنر) من شهادات عن حملات الفرنسيين ضد القسطنطينة وشهادات أخرى كثيرة عن المعاملات التي تمت بين الأمير عبد القادر والفرنسيين. ويخلص المؤلف إلى أن الكتابات الألمانية التي اعتمدها في دراسته هذه لها قيمة توثيقية أكثر من كونها قيمة أدبية، لأنها تؤدي وظيفة تبليغية وإخبارية. واختار الكاتب نصوصاً تواجهت مع الثقافة الجزائرية، فشكل عرض العادات والتقاليد للمحليين الجزء الأكبر والأهم من هذه الكتابات. وتناولت هذه الكتابات أيضاً الأوضاع السياسية وأوضاع الحرب في أول مستعمرة أوروبية في شمال إفريقيا. وظلت صورة الجزائر صورة مستمرة متواصلة تعيد صياغة ما عايشه ولاحظه هؤلاء الرحالة.

*باحث في الدراسات الثقافية المقارنة
الرباط/ المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق