الموقع

حرب غزة مناورة بالذخيرة الحية

بقلم: د . محمد أيوب

لم يخطر على بال المحللين السياسيين أن حرب غزة ربما تكون مناورة بالذخيرة الحية لتحقيق أهداف إسرائيلية غير معلنة، هي بكل تأكيد مغايرة للأهداف المعلن عنها، في الظاهر، فقد كان الهدف المعلن للحرب هو تقليم أظافر المقاومة ومنع إطلاق الصواريخ من غزة، وقد تحقق ذلك من خلال الاتفاق الذي ضمنته مصر بقيادة الرئيس محمد مرسي، وبذلك تكون إسرائيل قد ضمنت هدوء الجبهة الجنوبية خلال فترة الحرب المنوي شنها ضد إيران.

لقد قام السادات بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي وإلغاء قرارات ثورة يوليو الاشتراكية وبيع القطاع الخاص، وكان ذلك الانفتاح مقدمة لما تريده الولايات المتحدة من تفكيك الاتحاد السوفييتي على يد غورباتشوف الذي طبق ما سماه البريسترويكا والغلاسنوست، وقد أكمل يلتسين مشوار غورباتشوف وتم تفكيك الاتحاد السوفييتي لتتراجع روسيا الاتحادية عن موقعها الطليعي باعتبارها ندا للولايات المتحدة، ولعل موقف القيادة السياسية الروسية أثناء الحرب على العراق، قد ساهم بشكل واضح في تعجيل انهيار الاتحاد السوفييتي. والآن، غزة هي الهدف المعلن لهذه الحرب، بينما تشكل  إيران هدف إسرائيل غير المعلن عنه، فقد حققت إسرائيل من وراء هذه الحرب عدة أشياء، لعل من أهمها إعطاء مصل للجبهة الداخلية في إسرائيل لتطعيمها ضد تساقط الصواريخ الإيرانية التي ستكون بالتأكيد أشد عنفا وقسوة من صواريخ غزة، كما أن إسرائيل استغلت الحرب لتدريب طياريها على إصابة أهداف منتقاة، بغض النظر عن كون هذه الأهداف عسكرية أو مدنية، كما قامت بتدريب جنودها على تلبية دعوة استدعاء قوات الاحتياط في وقت قصير على قدر الإمكان بما يتناسب مع سرعة الضربة الخاطفة التي قد توجه إلى الأهداف النووية في  إيران في أية لحظة.

وسواء أرادت إسرائيل أم لم ترد، فقد رفعت هذه الحرب أسهم حركة حماس على أسهم الرئيس محمود عباس الذي ظل ينادي بأن المفاوضات هي الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطيني، وذلك رغبة منها في ثني السلطة عن التوجه إلى الأمم المتحدة بطلب الاعتراف بها دولة مؤقتة العضوية في هذه المنظمة الدولية.

وكما توقعت في مقال سابق، فقد جاء الاتفاق السياسي الذي تم بضمانة مصر، دون ما كان المقاتلون الفلسطينيون والشعب الفلسطيني يطمحون إليه، فقد كانت غالبية هذا الشعب ترنو إلى استمرار المعارك بعد النشوة التي شعروا بها حين نجحوا في توجيه ضربات موجعة إلى العمق الإسرائيلي، ولكن القرار المصري بضمان الاتفاق أضاع هذه النشوة، وحمل مصر مسئولية عن قطاع غزة رفض الرئيس مبارك أن يتحملها، ولعل رفض مبارك لوضع قطاع في حاضنة مصر كان من أهم الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة والدول الغربية تتخلى عن الرئيس مبارك وتدعوه إلى التخلي عن الحكم، فما زالت أمريكا تطمح إلى تطبيق مشروع توطين سكان غزة من اللاجئين في صحراء سينا، ذلك المشروع الذي دفن في أواسط عقد الخمسينيات، بعد خروج جماهير الشعب الفلسطيني في القطاع معلنة رفضها لمشروع التوطين، وقد تحالف الشيوعيون والإخوان المسلمون ضد هذا المشروع، فخرجت الجموع من المساجد، بعد أن وضع الشاعر معين بسيسو يده في يد فتحي البلعاوي وهم يوزعان منشورات الشيوعيين والإخوان المسلمين ضد المشروع، وحناجر الجماهير تهتف: يسقط مشروع الإسكان .. يا عملاء الأمريكان، والآن يطل مشروع التوطين برأسه من جديد، لقد لفتت نظري عبارة على لسان خالد مشعل، قال فيها: إن سيناء ليست بديلا عن غزة، ترى هل كانت هذه العبارة ردة فعل على طرح المشروع من جديد، أم أنها مجرد زلة لسان أفلتت في غير موعدها، إن هذا المشروع يشكل هدفا إستراتيجيا للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، باعتباره حلا دائما للقضية الفلسطيني.

لقد كانت الحرب على غزة فرصة ذهبية لإنهاء الانقسام، باعتباره الرد الحاسم على الاعتداءات الإسرائيلية التي لا ولن تتوقف، لأن إسرائيل لم تحترم قرارات الأمم المتحدة ولم تلتزم بتنفيذ أي منها، فهل يعقل أن تحترم تعهد مصر وضمانها لحركة حماس والجهاد الإسلامي، لعل استشهاد فلسطيني وإصابة تسعة عشر آخرين في يوم الجمعة 23/11/2012م ، خير دليل على عدم التزام إسرائيل بما تم الاتفاق عليه على الرغم من أنه لا يلبي طموحات المقاتلين الذين ضحوا بالدم والعرق والجهد من أجل إسقاط نظرية الأمن الإسرائيلية والتي ترى أن الأمن هو البقرة المقدسة عند إسرائيل ودول الغرب، إسرائيل تريد استفزاز المقاومة للرد على خرقها للهدنة أو التهدئة المتفق عليها لكي تقول للعالم: ها هم الفلسطينيون يقصفون البلدات الإسرائيلية ويقضون مضاجع السكان الآمنين، لتعطي نفسها حق الرد العنيف بغض النظر عن شكل هذا الرد، جوا أو بحرا أو برا.

وكما تحرك هنري كيسنجر بعيد وقف إطلاق النار في رحلاته المكوكية ليحقق اتفاقا مصريا إسرائيليا؛ مما أعطى إسرائيل وجودا شرعيا في فلسطين بعد اعتراف أكبر دولة عربية بهذا الوجود، تحركت هيلاري كلينتون لإنقاذ إسرائيل من المأزق الذي أوقعت نفسها فيه، أو من الحرب التي أرادتها مناورة بالذخيرة الحية، والتي كشفت من خلالها عن القدرات القتالية التي تمتلكها المقاومة،  ترى هل يستطيع الرئيس محمد مرسي أن يستعيد دور مصر الريادي في العالم العربي بعد أن أصبحت قطر هي البوصلة التي تحدد التحركات العربية في زمن ما يسمى بالربيع العربي.

من حق المرء أن يتصور السيناريو القادم في المنطقة، غزة تعود إلى الحاضنة المصرية مع شكل من أشكال الحكم الذاتي، والضفة الغربية تعود إلى الأردن بعد خلع الملك عبد الله الثاني الذي سيكون آخر ملوك الأردن، ليصبح شرق الأردن مع ما يتبقى من الضفة الغربية الوطن البديل للفلسطينيين، فهل تصحو الفصائل الفلسطينية من غفلتها قبل أن تتجاوزها جماهير الشعب الفلسطيني المشهود له بطليعيته وعفويته التي تشكل المرحلة الجنينية للثورة، وذلك قبل فوات الأوان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق