ثقافة السرد

المغادرة وقصص أخرى

فرانز كافكا – ترجمة: سماح جعفر

المغادرة

أمرت بجلب حصاني من الإسطبل. الخادم لم يفهم أوامري. لذا ذهبت إلى الإسطبل بنفسي، سرجت حصاني وإمتطيته. من البعيد سمعت صوت بوق، وسألت الخادم عن الأمر. لم يعلم شيئا ولم يسمع شيئًا. عند البوابة وقف وسألني: “أين أنت ذاهب يا سيدي؟”، “لا أعرف”، قلت، “سأخرج من هنا فقط، سأخرج من هذا المكان. سأخرج من هذا المكان، لا شيء أخر، إنها الطريقة الوحيدة لأصل إلى هدفي”. “إذا أنت تعرف هدفك؟” سأل. “نعم”، أجبت، “لقد أخبرتك للتو. أن أخرج من هذا المكان — هذا هو هدفي”.

***

استسلم!

كان ذلك في الصباح الباكر جدًا، الشوارع نظيفة وخالية، وأنا في طريقي إلى المحطة. حين قارنت ساعة البرج مع ساعتي أدركت أن الوقت متأخر أكثر مما كنت اعتقد، وأنه على الإسراع؛ صدمتي من هذا الاكتشاف جعلتني غير واثقٍ من الطريق، فرغم كل شيء أنا لا أعرف هذه المدينة جيدًا حتى الآن؛ لحسن الحظ، كان هناك شرطي في مكان قريب، ركضت نحوه وسألته بتلهف عن الطريق. ابتسم وقال، “أنت تسألني عن الطريق” “نعم”، قلت، “بما أنني لم أتمكن من العثور عليه بنفسي.” “استسلم! استسلم!” قال، والتفت مع رعشة مفاجئة، كمن يريد أن يكون وحده مع ضحكته.

***

لعبة الدوامة

فيلسوف معين إعتاد التجول أينما كان الأطفال يلعبون.

وكلما رأي صبيًا يحمل لعبة دوامة، يتكيء منتظرًا. حالما تبدأ لعبة الدوامة في الدوران يبدأ الفيلسوف في السعي للأمساك بها.

لم يكن ينزعج حين يحتج الأطفال بصخب ويحاولون إبقاءه بعيدًا عن لعبتهم؛ طالما أنه سوف يستطيع إلتقاط اللعبة أثناء دورانها، يكون سعيدًا، للحظة فقط؛ بعدها يوقم برميها على الأرض ويمضي. لأنه يؤمن أن فهم أي تفصيل، مثل لعبة الدوامة، على سبيل المثال، هو أمر كافٍ لفهم كل شيء. لهذا السبب فهو لم يشغل نفسه بالمشاكل العظيمة، فقد بدت له غير اقتصادية.

بمجرد فهم التفاصيل الدقيقة، كل شيء يصبح مفهومًا، لذلك شغل نفسه فقط بلعبة الدوامة. وكلما جرت الاستعدادت للعبة الدوامة، يأمل أن تنجح: حالما تبدأ اللعبة بالدوران يجري بتلهف خلفها، وعندها يتحول الأمل إلى يقين، ولكن عندما يمسك بقطعة الخشب التافهة في يده، يشعر بالغثيان. صراخ الأطفال، والذي لم يكن يسمعه حتى تلك اللحظة يخترق أذنيه فجأة، يطارده بعيدًا، فيترنح مثل لعبة دوامة أسفل سوط أخرق.

***

خرافة صغيرة

“للأسف،” قال الفأر، “العالم يزداد صغرًا كل يوم. في البداية كان كبيرًا لدرجة أنني كنت خائفًا، وظللت أركض وأركض، وكنت سعيدًا عندما رأيت جدرانًا بعيدة إلى اليمين واليسار، ولكن هذه الجدران الطويلة ضاقت بسرعة بحيث أنني أصبحت في الحجرة الأخيرة بالفعل، وهناك في الزاوية يقف الفخ الذي يجب أن أركض نحوه”. “تحتاج فقط لتغيير اتجاهك”، قال القط، والتهمه.

*من كتاب القصص الكاملة لفرانز كافكا ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدوين موير

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق