ثقافة السرد

ضبط الجودة

إدويج دانتيكات* – ترجمة: صالح الرزوق**

على متن الطائرة حلمت ببندقيتي قناصين اثنين موجهتين الى رأسها. لكن الإعلان عن الهبوط أخرجها من رقادها. كان مطار جوزيف سلفادور محاطا بجدار تعلوه الأسلاك الشائكة. كل شيء في الخارج هيمنت عليه المخاطر. وكذلك الكوخ الإسمنتي الشبيه بالثكنة والخاص بالمهاجرين والجمارك. فكرت: كان الأفضل لها لو تعود فورا بالرحلة التالية. ولكنها قررت أن تكتب قصة عن السيدة الأولى في الجزيرة ،التي كانت شريكة لها بالسكن الجامعي أيام الدراسة.

كان الوقت بعد الظهيرة بساعات طويلة، وفي ليلة رأس السنة، والحرارة لاهبة وتبلغ 98 درجة. وقف المسافرون الآخرون بالرتل الذي كانت فيه وهم بالغالبية من المواطنين، بعضهم يجر حقائبه المحشوة خلسة بالشعير الأميركي، فهو ضروري لحساء ليلة رأس السنة. في الماضي كانت تزجي وقت الانتظار إذا تأجلت الرحلة بالكلام مع المسافرين القليلين. لكن إصابة راهنة بالمالاريا – وفقدان سمع مؤقت بسبب قذيفة متفجرة نسفت جزءا من سقف آخر فندق أقامت فيه- خفضت من حماستها لأي تصرف باستثناء ما يلزم لأداء العمل.

عندما حان دورها تقريبا في رتل الجمارك اقترب منها جندي بلحية وشعر أبيض. كان يحمل لافتة عليها صورتها، صورة قديمة ترتدي فيها خوذة ودرعا مضادا للرصاص وهي تنقل الأخبار من دمشق، أم من الكونغو أو القاهرة أو غزة أو كابول؟.

أشار لها الرجل العجوز لتخرج من الرتل، وما أن فعلت، حتى أسرعت إلى الامام دستة من الجنود الشباب، وكلهم بثياب عسكرية مموهة بلون أخضر، وأحاطوا بها. ورافقوها إلى بهو عليه إمارات الرفاهية، ومزدحم بالوسائد الجلدية المزركشة بالأزرار ومغطى بلوحات فنية كبيرة، تحمل تفاصيل عن صور نباتية. وأمكنها أن تعتقد أن هذا كنز وطني.

قال العجوز بلغة إنكليزية مثالية وبلهجة وسط غرب البلاد:”السيدة الأولى تنتظر رؤيتك على أحر من الجمر”. مرت عليها عشرة سنوات بصفة مراسل حربي، ودائما كان هناك طاغية، أو مساعد له، ويتكلم إنكليزية مثالية أو أنه تعلم في أفضل الجامعات الأميركية. ولم يكن العجوز بحاجة لإخبارها بقصته. فهي تعرفها مسبقا، مع أنها ليست القصة التي جاءت من أجلها. فهي هنا بطلب من السيدة الأولى، واختارتها المجلة من بين المحررين لكتابة ريبورتاج عن تحكم الزوج المحظوظ بأكبر احتياطي للغاز الطبيعي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وكيف سيمضيان ليلة رأس السنة وهما بالسلطة. كان التوقيت مناسبا، وكانت تتخيل المرحلة القادمة من عملها. في الأسابيع القليلة المنصرمة، تعرضت اثنتان من زميلاتها الصحافيات للغدر وذهبتا ضحية جريمة مدبرة. إحداهما تلقت رصاصة في بيتها، والأخرى، انفجرت بها سيارة مفخخة. حينما كانت طفلة صغيرة، شاهدت التقارير على الهواء عن الكويت وعن أفغانستان وأماكن غيرها. ووطدت نفسها أن تنفق بقية حياتها وهي تمشي على الخط الرفيع الفاصل بين الحياة والموت. ولكنها لم تتخيل التكاليف- ليس فقط الخطاب الجنسي والعنصري للضباط، وحتى بعض الزميلات – أضف لذلك العزلة الشاملة نتيجة أن تكون غريبا وحدك. لكن هناك أيضا الموت. كل ذلك الموت غير الضروري.

ودون أي تمهيد، خرجت السيدة الأولى من غرفة قريبة. لم يكن يبدو أنها تقدمت بالعمر ولو يوما واحدا منذ أن كانتا معا في غرفة واحدة في بارنارد. كانت السيدة الأولى ترتدي جينزا أزرق بلا زركشات وقميصا قطنيا أبيض وما زالت أطول منها، لا سيما ببوطها ذي الكعب العالي. أما شعرها الغزير والطويل الأسود، والمصفف بطيات، فقد انسدل على طرفي كتفيها.

قالت:”تسرني رؤيتك يا جيس”.

كانت السيدة الأولى تتكلم بالعادة بلهجة حاذقة تدمج الفرنسية بالإنكليزية والإسبانية، اللغة التي كبرت وهي تتكلمها باعتبار أنها الابنة الوحيدة لواحد من الدبلوماسيين المتمرسين في الجزيرة. ومؤخرا قامت برحلة إلى مدريد لحضور مؤتمر عن المرأة والإيدز، لذلك كانت لهجتها كاستيلية باعتدال.

وردت جيس:”آسفة على التأخير”.

“تأخرت الرحلة. ونحن نعلم أنك لم تكوني متحمسة لطائرتنا”.

“شكرا لك يا مدام. لكن فعلا أنا لا أثق بها”.

لم يكن عند جيس أي فكرة عن أفضل طريقة للرد..

وسمعت السيدة الأولى تقول:”لا تهتمي ما زلت مارلين التي تعرفينها”. وغمزت للجندي ذي الشعر الأبيض، الذي تخلى عن قبعته العسكرية، ثم سحب شعرا مستعارا كان على رأسه. ثم تخلص من لحيته المزيفة، وتبين أنه بوجه شاب له لون القروش المعدنية.

وأضافت السيدة الأولى:”والآن هيا بنا نقابل زوجي. السيد الرئيس”.

قال الرئيس ضاحكا:”أهلا”. في مصفحة suv وسط قافلة من 10 سيارات تحملهم إلى مقر الإقامة الشخصي للرئيس وزوجته المشيد على التلال، لم تجد جيس أنه من المناسب أن تسأل عن الانقلاب الذي وضع هذا الكولونيل الشاب في السلطة، ولكن سألت كيف تعرف الكولونيل على زوجته.

وبينما كانت مارلين تصف رحلات عودتها إلى الوطن، والحفلات المتعددة التي واظبت على إقامتها هي وزوجها، حاولت جيس أن تنظر من النافذة إلى الشوارع، ولكن النوافذ كانت داكنة جدا، تقريبا تشبه الستائر. أضف لذلك، كان للرئيس طريق شخصي تحف به الأسوار العالية التي أبعدت المدينة عن الأنظار.

إذا كانت السياسة قد أصبحت نوعا من أنواع العقاب، فهذا هو ما تحاول جيس أن تدفع الرئيس نحو توضيحه. ولكن أخبرها مكتب السيدة الأولى أن هذا النوع من الأسئلة ليس مسموحا أبدا.

كان البيت الخاص بالأصل فندقا بخمس نجوم. ويحتوي على ملهى ليلي، وحدائق نباتية، وميدانا للصيد وحديقة حيوانات. تفرق شمل جيس ومضيفيها أمام البركة الموجودة عند البوابة في صالة ذات سقف مرتفع.

وترنمت السيدة الأولى بصوت رخيم وقالت:”سنراك في الحفلة الراقصة”، وقبضت على يد زوجها. وأومأت برأسها لحاجبة عسكرية صغيرة لتقود جيس إلى غرفتها. كانت هي وزوجها مرحين، مثل أي زوجين اقترنا حديثا وورثا مملكة صغيرة تساوي المليارات من الدولارات. كان لجناح جيس شرفة بإطلالة بانورامية وترى منها الأرض والمدينة، التي قصفها الجيش خلال الانقلاب. وحسب التقارير الأخيرة مات فيها 10000 إنسان.

وبعيدا في البحر البنفسجي الساحر، شاهدت سفينة تحمل راية الجزيرة بلونيها الأحمر والأسود. كانت مارلين قد وضعت واحدا من تلك الرايات فوق سريرها في الغرفة التي اشتركتا بها لعام. قالت لها: اللون الأحمر يرمز لدم الشعب، واللون الأسود للجذور. وكان على متن السفينة، جنود يتجهون للخلف، اثنان اثنان، ويرمون في البحر كيسا أسود بحجم قامة إنسان.

وتمنت جيس لو أن معها منظار مقرب. فتشت بسرعة في حقيبتها عن منظار، لكنها وجدت رداءها الطويل الأبيض الرقيق، وهو ما نصحوها به من أجل أول يومين من الحفلات الراقصة لاستقبال ليلة رأس السنة المجللة بالثلوج. ثم سمعت موسيقا تعزف. من أسفل التلال ترددت أصداء الدق على الطبول التي لا يوفر كتاب أدب الرحلات فرصة دون الإشارة لها في حكاياتهم عن هذا المكان. وسرعان ما رافق الطبول صوت التامبورين – مئات منها- ثم ارتفع صوت الأصداف. في مناسبة سابقة، أخبرتها مارلين أن اسلاف هذه الطبقة من رقيق جزيرة كانوا يستعملون الأصداف لتبادل الرسائل. كان المئات يرتدون القمصان الحريرية الحمر اللماعة ويضعون الأقنعة الخاصة بحيوانات الغابة، وبالأخص الأسود والنمور، وكانوا يزحفون نحو قمة الهضبة.

حملت جيس دفترها وأسرعت إلى السلالم. لكن توقفت الموسيقا.

كان الرئيس والسيدة الأولى يقفان أمام بابهما ويحييان الموسيقيين. عادت الموسيقى للعزف مجددا وبدأت الفرقة تنشد بغبطة :”مدام جيس. حظا سعيدا. أهلا وسهلا”.

في بارنارد كانت مارلين بوير ممثلة مسرحية. وشاهدت جيس أداءها في عدة عروض خاصة بالجامعة: الزوجة في باث من “حكايات كانتربوري”. وهيستر براين السمراء بإخراج حديث مقتبس عن “الحرف القرمزي”. لكن مارلين الآن تتحكم بالخشبة. وأرادت أن تكون جيس موجودة لتشاهد ذلك ولتخبر العالم عما يحصل.

أنفقت جيس وقتها بين الدمدمة والتجوال في جنح الظلام. وفي كل جولة تجد علامة تدل على ذوق مارلين. منحوتة مجازية لنحات عالمي مشهور ثم ممرات يحيط بها أغزر بساتين العالم وأندرها. وشاهدت أماكن معدة لإقامة حفلات ترى منها المدينة والبحر.

وكان هناك أربعة رجال بثياب كتان رمادية متماثلة يتابعونها. وحاولوا التكتم لكن نظاراتهم السود الداكنة والهمسات المستمرة في ما بينهم فضحت أمرهم..

وفي نهاية ممر محاط بأشجار الصنوبر، التي حملت تزيينات خاصة بعيد الميلاد، وقفت السيدة الأولى. تبادلت معها العناق الحار وهو ما كانت جيس تتوقعه في المطار وليس هنا. ثم شبكتا أيديهما بعضها ببعض وتبادلتا كذلك النظر من الرأس وحتى القدم.

قالت جيس:”تصورت أنك تدبرت الانقلاب ونشرت الديمقراطية في هذه البلاد”.

رفعت السيدة الأولى أصبعها لفمها، وأهابت بها أن تصمت. وقالت وهي تشير لرجال على مقربة منها:”إنهم يختلسون السمع من كل حرف”.

وسارت المرأة وجلست على طاولة تشرف على البحر.

وقالت:”نحن لا نعيش كما تكتب عنا الصحافة الدولية”.

تعلقت عينا جيس بالماسة الكبيرة التي لها شكل قلب وردي اللون، وتزين بها السيدة الأولى خاتم يدها اليسرى. وسمعتها تقول:”نحن لسنا مثل آبائنا. بل من جيل شاب. ومتعلمون. نعم. ونحن أغنياء. لكنهم لا زالوا يتكلمون عنا كما لو أننا من القرون الوسطى، كما لو أننا متوحشون وبرابرة”.

“سجل زوجك في حقوق الإنسان….”. ولم تتمكن جيس أن تنسى أفكارها القديمة كلها.

وتظاهرت السيدة الأولى أنها لم تسمع.

وقالت:”أنا أعتمد عليك يا جيس”.

“صوتك يقول كأنه يمكنك أن تعتمدي علي في هذا الشأن فقط”.

وتساءلت جيس متى ستكون صريحة. وهل حان الوقت لتدفع ديونها؟.

كانت أول شخص في العائلة ينتسب للجامعة. وتدبرت هي ووالداها توفير ما يكفي من الدعم والنقود لإنهاء سنتها الأولى في الدراسة، وقد شعرت بالحاجة في السنوات الثلاثة المتبقية. وكانت على وشك الحصول على عمل والالتحاق بنصف دوام في الجامعة، أو أن تتخلى عنها، ولكن مارلين أقنعت العائلة ودفعت التكاليف. والآن مارلين تتوقع منها كتابة ريبورتاج مشوّق.

احتفظت جيس بعينيها على سفينة منفردة بيضاء وسط المياه. كان متن السفينة خاليا، والسفينة تنجرف ببطء عائدة نحو الشاطئ.

سألت جيس وهي تشير بيدها:”ماذا يجري هناك؟”.

قالت السيدة الأولى:”في ليلة رأس السنة نحن بالعادة ننظف الوطن، ذلك هو قانون ضبط الجودة”.

كان الجرس تحت خيمة كبيرة في القصر. وكل شخص يرتدي اللون الأبيض، ولذلك كانوا يبدون، عن عمد تحت الضوء الذهبي الأصفر في الخيمة، مثل أشباح العيد.

انحنت مارلين وهي تحيي برفقة زوجها الضيوف. وكان يبدو أن الزوج يسير وراءها، ويتصرف مثلها، فيوزع قبلاته في الهواء ويعانق بعض الموجودين، ثم يبتعد عن آخرين مقدار ذراع ويبدي المستوى نفسه من الاهتمام الذي تبديه زوجته.

انتظرت جيس أن يخف الزحام وأن يبتعد زوجها عنه قبل أن ينضم إليها. وتوسلت السيدة الأولى بقولها:”أود أن تكتبي شيئا عني. ليس الآن، لكن ذات يوم. وأريد أيضا أن أستحق كل كلمة. مثلا أن يكون العنوان ‘السيدة الأولى المتعلمة في أميركا تحسن لشعبها’. يمكنني أن أقودك لدار أيتام وملاجئ للسيدات، وغيرها مما نديره هنا، حيث نقدم خدمات طيبة”.

لاحظت جيس لأول مرة منذ وصولها، لمحة من مارلين التي عرفتها، فبالرغم من كل ثروتها ومعارفها، كانت مارلين تشعر كما في السابق، أنها مهملة قليلا. وجزء من السبب أنها طلبت من عائلتها دفع تكاليف تعليم جيس، وهكذا يمكنها أن تضمن صديقة في الجامعة، لكنها لم تعمد إلى دعوة صديقة واحدة إلى مسكنها. أو لحضور حفل زواجها. لقد كانت صديقة صنعتها الظروف.

بعد الغداء عقدت حفلة راقصة. وكرر الرئيس والسيدة الأولى فالس يوم الزواج. وكان يبدو كأنهما يكرران ذلك في كل حفلة. ثم تغيرت الموسيقى، وجرى تبادل الشريك وأدت السيدة الأولى رقصة هادئة وبطيئة مع أحد المسؤولين أمام جيس والرئيس الصامت بوجهه المتحجر. وبعد ذلك فورا، اقتيد الجميع إلى الخارج لمشاهدة الألعاب النارية. وخلال الدفعة الأخيرة من المتفجرات كان قلب جيس يدق بسرعة كبيرة، وخيل لها أنها على وشك الانهيار. في العام الأخير، كانت قريبة جدا من انفجارات حقيقية كثيرة. لذلك غطت أذنيها وبطريقة ما شقّت طريقها إلى غرفتها.

في اليوم التالي، استيقظت جيس لتجد طبقا حارا من حساء يوم بداية العام في الجزيرة، وكان على طاولة قرب سريرها. كان رأسها ينبض كما لو أن الالعاب النارية تنفجر داخله. فتجاهلت الحساء، وترنحت نحو الشرفة بحثا عن هواء منعش. كانت شمس الصباح ساطعة، والشمس تعكس نفسها على سطح البحر، ولم يكن هناك سفن في ذلك الصباح، والشوارع في قاع المدينة فارغة.

سمعت ضحكة في الأسفل، وشاهدت على مقعد تحت الشرفة الرئيس مع السيدة الأولى. وكانا ما زالا بثياب الليلة السابقة، هو ببذته البيضاء، وهي بالرداء الأبيض. كانا يجلسان هامدين، وينظران للمدينة وإلى البحر، كما لو أنهما الآن يبدأان من جديد.

تساءلت جيس: هل هذا استعراض فقط؟. ليتركا عندها انطباعا حسنا. أو عند عموم الناس. أم ليتبادلا هذا الشعور ما بينهما. أو ليضعا خاتمة للريبورتاج الذي تعرف السيدة الأولى أن جيس ستكتبه في النهاية.

الترجمة عن الواشنطن بوست : 14 تشرين الثاني 2014.

* إدويج دانتيكات Edwidge Danticat كاتبة من هاييتي مقيمة في الولايات المتحدة.

** أديب ومترجم من سورية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق