ثقافة المقال

حراك الجزائر يستحقّ جائزة نوبل إذا …

بقلم طه بونيني

يستحقّ الشعب الجزائري وقيادة جيشه ما هو أفضل من جائزة نوبل…نظرا لتاريخ هذه الجائزة المثير للجدل… لكن بغضّ النظر عن ذلك، فحراك الجزائر أحقّ بجوائز السلام كلِّها إذا…
والسؤال الأولّ الذي يطرح نفسه: لماذا يستحقّ حراك الجزائر هذه الجائزة؟
والسؤال الثاني: ما هو الشرط؟ ولماذا هناك شرط؟
ولعلّ الوقائع والحقائق تجيب في مكاني. بداية من 22 فيفري 2019، إلى يومنا هذا لم يخلُ أسبوعٌ من حراك. وقد أتى في بدايته ليرفض العهدة الخامسة، وقد تحقق له ذلك، وواصل الشعب الجزائري مسيراته السلمية، فألغى انتخابات شهر ماي التي كانت قد تحوّلت ترتيباتها إلى مهزلة. وواصل الحراك مسيرته نحو إنجازات أخرى، ورافقتها قيادة الجيش الوطني الشعبي بإرادة عازمة، ونية صادقة من خلال خطاباتٍ محفّزة مُطَمئِنة، وأفعالٍ على أرض الواقع، راحت تتوالى، داعمة الحراك، واقفة مع صوت الشعب الداعي للانعتاق من الفساد.
فشهدت الجزائر ما لم تشهده من قبل، من محاسبة للفساد ومعاقبة للفاسدين، فأسقطت كثيرا من رؤوس النهب والرداءة، وهي لا تزال تتوعّد الآخرين. وقد بدت تلك المحاكمات سريعة جُزافية للبعض، وقابلتها أغلبية الجماهير بالترحيب، كونها تحقيق للعدالة بعد سنين طويلة من العبث بأموال هائلة من أموال الشعب الجزائري.
وكي لا يكون تعاطِينا لموضوع الفساد مسطّحا ساذجا شعبويا، فلنستطرد قائلين، بأن لشريحة كبرى من الشعب نصيبٌ من هذه الأمراض، فإذا مثّلنا الشعب في الدولة بالجسد والسلطة بالرأس، فقد أصاب الرأسُ الجسدَ بالعدوى، ثمّ راح هذا المرض يستشري في الجسد، حتّى كاد يصيبه كلّه. ونحن اليوم أمام مواطنين قد صارت شريحة كبرى منهم لا تأبه لمعاني الحقّ والعدل والواجب والمواطنة، وصارت الدولة تعني لهم الحقوق فقط. فلا ضير أن ينهب المواطن ما يستطيع، ما دام بعض الفاسدين ينهبون، ولا ضرر في مسح ديون القروض ولو كانت بالملايير…وقس على ذلك الكثير من أعراض فساد المواطن، سواءً كان مواطنا عاديا، أو مسؤولا في أسفل هرم السلطة، في المؤسسات الحكومية، كالولاية والبلدية والإدارات والشركات العمومية والخاصة ونواب الشعب محليا أو وطنيا.
صار المقياس لدى الشعب طيلة عقود هو السرقة والكذب والرداءة واللامبالاة، وعلى الحراك أن يمسّ هذه الشريحة وما أوسعها. كي لا يحقّ علينا القول: “لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلتَ عظيم!”.
ثمّ جاء عهد انتخابات 12 ديسمبر، بنقاشاتها، ومترشحيها وحملاتهم الانتخابية، ووقف من يعارضها في واد ووقف من يساندها في واد آخر، وهكذا شهدنا بعض الانقسامات والاختلافات في الرؤى. فهناك من كان يدعو منذ البداية إلى مرحلة انتقالية، دون أن تتّضح معالمها أو شخصياتها، وهناك من كان يدعو لحلول عَمَلية تتمثّل في الحلول الدستورية، وصولا للانتخابات التي توَّجَت تلك الجهود المتشبّثة بالدستور.
ورغم كل ذلك السِّجال بين الاتجاهين، ظلّ الحراك واقفا بل يسير. ولم تؤثر فيه كثيرا تلك الانقسامات، التي تشتعل لظاها في مواقع التواصل الاجتماعي وأحيانا كثيرة في أرض الواقع، والتي تصل أحيانا قليلة إلى ما يدعو للقلق…
ومرّت الانتخابات بردا وسلاما، وصار للجزائر رئيس جديد، وانطلق عصر جمهورية ثانية.
ولم يتوقف الحراك السلمي، رغم الاختلافات، ممّا يجعلنا نحيّي هذا الشعب، سواءً الحراك الشعبي، أو قيادة الجيش أو قوات الأمن الوطني، أو كثير من الشرفاء الذين يحرصون على هذا الوطن في الخفاء.
والمتأمّل والمتابع لحراك الجزائر، يجده منقطع النظير في العالم أجمع، في مدّته التي لم يتخلَّلها انقطاع، وفي سلميته التي أبهرت الجميع، وفي مظاهره كالتكافل الاجتماعي، والتعبير الفني مثل رسومات الغرافيتي التي غزت مدن الجزائر وقراها، معبّرةً عن آمال وأحلام الشعب الجزائري في غد أفضل من خلال الرسم والخطّ وغيرها من الفنون.
وهذا يُجيب باختصار على السؤال الأوّل. وجوابا على السؤال الثاني، فالشرط هو استمرارية السِّلمية، إذا استمرّ الحراك، فهي تلازمه كما يلازم الحظُّ الفائزين. فالحراك لا يسمّى حراكا إذا انقلب إلى ما لا يُحمد عقباه، والسلمية التي اتّسم بها منذ البداية، ستنتفي عنه إذا ما تغيّرت نحو صفة تعاكسها.
وحبّذا لو رافقَ هذا الشرطَ شرطٌ آخر، ألا وهو فعالية الحراك وإيجابيته (التفكير البراجماتي)، باقتراح الحلول، والعملِ على الخروج من الأزمة بالأفكار الخلاقة والتحلّي بروح الحوار لتجاوز الأزمة. وهذا كفيل بتأهيل حراك الجزائر لأرقى جوائز السّلام.
ويُغنينا عن كلّ جوائز العالم، بناءُ وطنٍ قوي، صامد ومتقدّم. ويتأتى هذا بعمل جبّار، تؤدي فيه السُّلطات دور الإرادة السياسية العازمة، بالقانون والإمكانيات، ويلعب فيه المواطن بل المجتمع دورا أساسيا من خلال الانخراط في العملية الانتقالية للخروج من مأزق التخلف والتبعية الاقتصادية، إلى برّ الأمان حيث الاقتصاد القوي، والمواطَنة الحقّة، ودولة الحقّ والعدل، والتعليم الراقي…وغير ذلك من مظاهر التقدّم والرقيّ.
وعلى السلطة اليوم، بعد تنصيب رئيس الجمهورية الجديد، إبداء النيَّة الحسنة، في التحاور والتشاور، ومدّ يد طولى إلى الحراك، وتحقيق التناغم بين المساعي المشروعة التي يُطالب بها، بل يطالب بها الشعب كلّه، وبين الآليات والمؤسسات القادرة على تحقيقها.
فالحراك السلمي، سواءً ذلك الذي في الشارع، أو ذلك الذي في العقول والنفوس، لن تَخمُدَ جذوته ولن يطمئنّ له بال، حتّى تعود الجزائرُ بشعبها، ومؤسساتها جديرةً بالاحترام في العالم أجمع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق