ثقافة السرد

بريد المتاعب

كريسبين أودوبيوك* – ترجمة : صالح الرزوق**

أين هو طردي البريدي ؟ . قال المدير الفرعي وهو يصب نظراته على ساعي البريد إيسانغ.

تراجع إيسانغ. ماذا يمكن أن يحدث أسوأ مما سلف. تساءل سراً. أن يلتقي اليوم بالمدير الفرعي مصدر شؤم بما فيه الكفاية ، فهو لا يأتي إلى هنا تي إلا بدافع الضرورة رغماً عنه. وفي العادة هو يودع البريد في الاستعلامات ويتابع. ولكن الآن عليه أن يحضر لاستجواب حول طرد لا يعلم عنه شيئا.

استقر مدير الفرع في مقعده الجلدي المريح ، وفتل شاربه المفتول ، وتأمل إيسانغ بمنظاره ذي الإطار الذهبي ، وقال له ببطء مع ظل من الغضب : ” هذه الرسالة التي هنا ليست لي. وهي معنونة لراعي كنيسة إرسالية فورنيسو. وفي الوقت نفسه أنا أتحرى عن طرد فيه كتاب. أين هو برأيك ؟”.

لمعت حبات عرق إيسانغ على جبينه ، ونقل ارتكازه من ساق لأخرى ، وهمهم بكلمات ماتت تحت أنفاسه.

” بماذا ينطق ؟”. استفسر مدير الفرع من المترجم ، االذي كان يراقب الموقف بعينين مستديرتين ، وأذنين منتصبتين. التمعت عينا المترجم ، وحك أسفل صلعته. واستطرد أخيرا : ” قال – بشرف أمي التي ولدتني ، أنا اليوم في أرض اندلق فوقها حساء “.

صاح مدير الفرع : ” وماذا يعني ذلك ؟”.

قال المترجم بيسر : ” يا سيدي. هذا يعني. أني في مشكلة ! في ورطة “.

صاح مدير الفرع أيضا : ” حقا هو كذلك”. ضرب بقبضة محمرة على منضدته ، وهذا دفع إيسانغ ليهتز في مكانه مرتعباً. وتابع يقول : ” عليه أن يأتي بالطرد مع كتاب قانون الضرائب الجديد الذي أرسلته لنا المديرية ، وإلا عليه ، بحق الشيطان ، أن يدفع غرامة كبيرة “.

هز المترجم رأسه ، ومنح إيسانغ نظرة مشفقة. وشرع ببلادة يقول بلغة لا يفهمها غيره بالإضافة إلى إيسانغ : ” الشيطان الأبيض يقول إنك اليوم سوف تقابل أباه الموجود في العالم الآخر ، هذا إن لم تجد له الطرد. باسم الرب ، أين وضعت بريد المتاعب التافه هذا ؟”.

بقلب تسارعت دقاته وركبتين مضطربتين توسل إيسانغ، وهو يضم يده ويشحذ نظراته و قال : ” ليأخذني الشيطان لو أنني خبأت طرد هذا الرجل. أقسم إنه ليس بحوزتي “.

قال المترجم : ” أعتقد أن الشيطان سينتقم منك في كل الحالات. لكن من الأفضل أن تسلم الطرد لو أنه معك ، وإلا سوف يقض الضمير مضجعك في العالم الآخر “. و كان جبينه ينم عن تفكير عميق.

نفد صبر مدير الفرع قال للمترجم : ” أود لو يقودني هذا التلاعب بالوقت إلى الطرد ، حددت إدارة المندوب السامي نقطة الصفر لتطبيق التعليمات الجديدة ابتداء من أول الشهر المقبل”.

تململ المترجم في وقفته ، ومع نظرة مصوبة إلى إيسانغ ، لم يكن يعوزها الغضب والتهديد ، قال :” طلب مني في التو أن أقتلك، لكن لن أفعل. ومع ذلك إن زوجتينا أولادنا سوف يكونون قوتاً لعفاريت إبليس “.

نعق إيسانغ يقول : ” لكن الطرد ليس عندي “.

قال مدير الفرع للمترجم ، وهو يمحض إيسانغ بنظرات متفحصة : ” استفسر منه كيف استلم بريد هذا الأسبوع”.

قال المترجم لإيسانغ : ” كيف جمعت الرسائل؟”.

رد إيسانغ : ” بالطريقة المعروفة نفسها. أمد يدي فيقدمها لي كبير السعاة ربطة بإثر أخرى “. كان صوته ينوح ،لكن الدموع لم تكن تسيل من عينيه بعد.

وتطوع المترجم ليسأل : ” ثم ؟”.

تنهد إيسانغ قائلاً : ” آه ، يا أخي . أنا لا ألتهم الرسائل، أنا أوزعها فقط “. وكان هناك في عينيه ونبراته ما ينبىء أنه في طور تلقي صدمة.

قضم المترجم أسنانه، واسترسل بنظرة ميتة باتجاه المدير الفرعي ، ثم لوح بأصبعه أمام إيسانغ بسرعة كأنه يهدده ، وقال وهو ينفخ صدره بقدر استطاعته : ” حينما سلمك رئيس السعاة ربطات الرسائل ، ماذا صنعت ؟”.

برعب رتب إيسانغ الإجابة في ذهنه، و كان يعلم أن ذهنه غير مفتوح أمام المترجم ، ثم واتاه الحظ فقال : ” وضعتها في جيبي وغادرت”. كان كأنه يوضح شيئا ، وأشار إلى جيوبه الواسعة الكثيرة في بذته الخاكية النظامية ذات اللون البني.

طلب منه المترجم وهو يفرد قامته : ” بيّن لي كيف تفعل ذلك”.

بيدين مهزوزتين أشار إيسانغ لجيوبه: إثنان في الصدر، وإثنان على الخاصرتين ، وتابع يشرح : ” رسائل المدرسة الإبتدائية توضع هنا ، لأنها محطتي الأولى. ورسائل جورمين هيل توضع هنا لأنها محطة توقفي الثانية. لكن رسائل القصر توضع هناك لأن القصر آخر محطة لي “.

قال المترجم بصوت مخنوق : ” ليس بوسعك أن تقرأ يا إيسانغ”. ثم تابع ، وهو يبتسم بلؤم : ” كيف ينتابك اليقين أنك لا تغلط في تسليم الرسائل؟”.

قال إيسانغ فجأة وهو يركز تفكيره : ” هذا سهل. هل تعتقد أن ساعي البريد مغفل. ها ! أنت مخطئ. فأنا أنشد طوال الطريق بين المحطات وأنقر بيدي على الجيوب كلما تقدمت خطوة لتوزيع ما بحوزتي “.

قال المترجم : ” أرني ذلك “.

شرع إيسانغ بالغناء الرتيب والمنظم وهو ينقر على جيوبه ، على النحو التالي :” ابتدائي ، جورمين هيل ” ، صمت ، ثم : ” كنيسة – فورنيسو! “.

قال مدير الفرع بصوت مرتفع بينما إيسانغ يتابع طقوس توزيعه للرسائل : ” يا لك من عفريت”. ونقل المترجم التعليق.

هنا قال مدير الفرع ” بربي. قد يكون هذا الرجل ما زال يحمل الطرد معه. أخبره أن يخرج رسائل الكنيسة “.

فسر المترجم كلمات مدير الفرع ، وأخرج إيسانغ من جيب بريد الكنيسة طرداً مربوطاً بإتقان . اختطف مدير الفرع الطرد و قرأ العنوان.

كان يقرأ بصوت صاخب و يقول : ” إلى مدير الفرع ، المبنى الحكومي. قرية فورنيسو. حسنا. سوف تحل علي اللعنة. انظر هنا” ، وتابع بصوت مفعم بالتأنيب وجهه إلى المترجم يقول : ” هل تطور هذا القرد البشري! ليس بمقدورك أن تجبره على تحويلي إلى فطيرة كعك محلاة بالسكر”.

* كريسبين أودوبيوك مفوناباسي : كاتب من نيجيريا، يقطن في أبوجا. حاز عام 2008 على جائزة IRN-Africa للأدب الإبداعي. ينشر في عدة مجلات وصحف ورقية وإلكترونية. يعمل منذ فترة في تحرير كل من : ويكلي تراست وديلي تراست. تمت الترجمة بإذن من الكاتب.

المصدر: Parcel of Trouble by :Crispin Oduobuk

Eclectica Magazine , v8n2 , April- May 2004 .

** مترجم وكاتب من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق