ثقافة السرد

زيت أزرق على لسانك

أنطونيو غامونيدا – *تّرجمة تحسين الخطيب

أعرفُ عصفورَ السفّاحِ. إنّهُ يغنّي فيأتونَ زرافاتٍ إلى مخالبهِ البيضاءَ ثمّ يصلبهم على أشجارِ الزّعرورِ البريِّ. إنّه يَلْغُوْ ويغنّي مِنَ الحُبِّ ويقتاتُ على ما يصلبهُ.

يحلمُ بِبَتلاتٍ داميةٍ. مَن يدري إنْ كانَ العصفور هُوَ الذي ينتحبُ.

في أزمنةٍ أُخرى،

رأيتُ روحَ الحصانِ، أسنانَهُ على النّدى. ثمّةَ حصانٌ في عينيَّ، وإنّهُ أَبُ الّذينَ تعلّموا، لاحقاً، أن ينتحبوا. الآنَ

ثمّةَ من يدوسُ أحلامي. اُفكّر في الحَيَّاتِ الّتي مرّت ناعمةً على قلبي

لِتُنصتَ إلى الدّمِ. أينَ؟ في النَّاسُورِ الأزرقِ أمْ في الشّرايينِ العمياءِ؟ هناكَ، يصفرُ الحديدُ، أو ربّما يحترقُ؛ لسنا أكثرَ مِن خِضَابِ دمٍ بائسٍ. هناكَ، تنتحبُ العظامُ، تتداخلُ موسيقاها في الأبدانِ. أخيراً، ها نحنُ— يُطهّرنا البرْدُ— حقيقة في التّلاشي.

الحُبّ والغائطُ تحتَ الأرضِ. أتركُ عروقي إلى خِصْبِ البذورِ السّوداءِ وقلبيْ إلى الحشراتِ.

قلبي، هذا الكهفُ الرَّطْبُ، الذي يُحاكي— بلا عِلّةٍ أوْ غايةٍ— ضجرَ انقباض القلبِ.

٭٭٭

زيتٌ أزرقُ على لسانكَ، بذورٌ سوداءُ في عروقكَ. ترى النّقاءَ، في الرّموزِ الأخيرةِ، دونَ معنى.

هل سُكْرُ الشّيخوخةِ هُوَ: الضّوء في الضّوءِ. الكحولُ

بلا أملٍ.

٭٭٭

الفجرُ يدنو. ما زالَ يغطّي اللّيلُ جراحَكَ.

هَا إنّ سكاكينَ النّهارِ تصِلُ. لا

تتعرّى في الضيّاءِ، أغلقْ عينيك.

٭٭٭

عشقتُ التَّلاشِياتِ. ها قَدْ غادرني الوجهُ الأخيرُ.

عبرتُ في السّتائرِ البيضاءِ:

ولا شيءَ سوى الضّوءِ الآنَ في عينيّ.

٭٭٭

أضياءٌ هذي المادّة التي تعبرها العصافيرُ؟

في زلزلةِ السِّلِكَا كْوارتزٌ مُودَعٌ وشظايا جلاها الدُّوارُ.

تشعرُ

بأنينِ المحيطِ. ومِن ثَمَّ،

برد الحدودِ.

٭٭٭

تدخلُ جسدكَ، وتعبُكَ طافحٌ بِتُوَيْجَاتٍ. فيكَ ترتعشُ حيواناتٌ سعيدةٌ:

موسيقى على شفيرِ الهاوية.

هل سكراتُ الموتِ هيَ والصّفاءُ. ما زلتَ تشعرُ بالحياةِ مثل شَمِيمٍ.

هذي المَسَرَّةُ البِلاأَملٍ، ما الذي تعنيهِ فيكَ أخيراً؟

هَلِ الموسيقى على وشْكِ أن تتوقّفَ أيضاً؟

٭٭٭

إنّها تسبحُ في روحكَ، تخترقُ ظلاماً شِريانيّاً، تهسُّ في النّاسور الأبيضِ لقلبكَ.

لا وجهَ لها فيكَ ولا ذاكرة.

٭٭٭

تغلي أشّعةُ الشّمسِ تحتَ جفوني.

مِن عندليبٍ منهمكٍ في الرّمادِ، مِن أحشائهِ

الموسيقيّة السّوداءِ، تهبُّ عاصفةٌ. تهبطُ الصّرخاتُ إلى الزّنازينِ

العتيقةِ، ألمحُ سياطاً حيّةً،

التّحديقةَ السّاكنةَ للبهائمِ، إبرتَها الباردةَ في قلبي.

كلُّ شيءٍ نبوءةٌ. الضّياءُ مُخّ الظّلّ: ستموتُ

الحشراتُ في شراراتِ الفجرِ. هكذا

تحترقُ فِيّ المعاني.

٭٭٭

تدنو الظّلالُ المعذَّبةُ

منَ العلاماتِ

.

أُفكّر في اليوم الذي تعلّمت فيهِ الخيولُ أن تنتحب

* شاعر و مترجم من الاردن

• وُلِد الشّاعر الإسبانيّ أنطونيو غامونيدا بِأُوفيدو سنة 1931. فاز، في العام 2006، بجائزة سيربانتس، التّي تُعدّ أرفع جائزة أدبيّة في إسبانيا. من كتبه: كتاب البَرْد (1992)؛ برد الحدود (2000)؛ ضائع في الضّياء (2009).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق