ثقافة السرد

اريد شخصا أخر …!

سيد ماجد مجدلاوي

قارض الشعر شخص مؤمن بالله والملائكة والجن والعفاريت ولا يقبل الخروج عن النص إطلاقا. يعرف أصول الإيمان ، يحفظ غيبا نصوص الدين ونصوص الصلوات وقرض بعضها على بحور الخليل التي يبحر فيها بخفة ومهنية مما أهله لشهادة دكتوراه  فخرية،  لولا زلة صغيرة في سجله الرباني، لعدوه مع الصالحين والمعتمدين. كان يقف للمصلين بالمرصاد منبها للخطأ السائد في حركات الوضوء، ماذا نغسل أولا، كيف وماذا يجب أن يقول المؤمن… كلامه موزونا مضبوطا على بحور الشعر التي يتحكم فيها ويضيف لها ما لم يخطر ببال السابقين. أضحى حجة في موضوعه ومرجعا موسوعيا متحركا. لولا زلته، العائق الذي يلاحقه منذ شبابه الباكر لارتفعت أسهمه. يقال ، والحديث منقول عن دواوين القرية،ان الشيطان ضلله فقفز بشوق على حمارة . الحمارة لم تتحمل شهوته فهربت مذعورة مما أغضب صاحبها، فصاح به :
– عاشرتها .. صحتين . لكن اربطها أولا يا ابن الناس .. من سيركض وراءها الآن ؟
حقا ربنا غفور رحيم، كتب قصائد على أوزان الخليل بن أحمد إلى الله ليمسح له زلته. حمل تعاويذ من شيوخ أجلاء لتخليصه مما علق فيه ، بات يذكر اسم الله ألاف المرات في نهاره وليله ويقال انه يصرخ باسم الله حتى في نومه. ماذا تفعل أكثر ؟ لا يصدق توبته عما فعل . قصة الحمارة التصقت بسيرته وكأنها ولدت معه من المهد  وسترافقه إلى اللحد . ربنا يغفر أما خليقته فلا يغفرون.

مضت أربعة عقود على الحدث  وربما أكثر . هو نسي الحدث او تناساه، لكن سهرات البلد ترويها وتزيد عليها من البهارات والفلفل لتحلو السهرات، وكأنها هيل للقهوة السادة التي تدور فناجينها على المتسامرين.
عندما أنشأوا ناديا ثقافيا في البلدة ، دعوه ليلقي من قريضه في أمسية الافتتاح . أقيمت منصة في الهواء الطلق ليتسع الاحتفال لجميع أهل البلد .لم يبق رجل أو امرأة أو رضيع أو بهيمة لم تحضر لتحتفل بمناسبة تحدث كل نصف قرن في بلد مثل بلده. البعض يقول ان ظهوره العلني الأول على منصة في بلده، اثار اهتمام الجميع للتعرف على صاحب الحكاية التي لا تنسى من تاريخ البلدة.
في الليلة الموعودة ظهر قارض القريض أنيقا، مما يشكل بحد ذاته إعجازا لعالم الأزياء. كان يرتدي بنطالا رماديا مغسولا ومكويا من المدينة القريبة عند “مكوجي” مهني وقميصا اشتراه من محلات بيير كاردان ، حريريا أبيض اللون ، فبدا مثل البرغوث بصحن اللبن .
قبل أن يحين دوره ، وقعت عيناه على صاحب الحمارة الذي جاء راكبا حمارته ليستمع وتستمع هي أيضا لمن كان قرادة وصار قارضا . كان ينظر إليه ويبتسم . حاول تجاهله ، ولكنه يقترب بوقاحة من المنصة ، أجهده العرق البارد .. وقفز مغادرا المنصة بحجة ارتباطه بموعد سابق هام كاد ينساه، وقد يعود متأخرا …
ولكن الجمهور ضج بالضحك …
في اليوم التالي قرر الصيام والصلاة لرب العالمين منذ الصبح حتى الليل، ضارعا اليه ع شطب زلته يوم الحساب في الآخرة ، ومن ذاكرة أهل البلد وشل ألسنتهم الطويلة.
في اليوم التالي ، قرر أن يواصل الخلوة ، ولكن بجولة في الطبيعة التي خلقها أعظم الخالقين .
دب بحذاء جبلي نمرة 48 في السهول والوديان والهضاب وهو يذكر اسم الله منغما على بحور الخليل التي يعتبر نفسه سيدها بلا منازع . لهذا السبب لم يعد الشعراء في بلادي يكتبون إلا الشعر المنثور …. وإذا تعدوا على بحور القارض يغرقون بأمواجها وحواماتها .
حين لم تعد قدماه تقويان على حمله قرر الجلوس على حافة بئر ما زال قائما في وسط قرية مهدومة ومهجرة .
فتحة البئر غير مغطاة لسبب لا يدريه ، كل ما هنالك تحذير من الاقتراب وخطر السقوط ، لكن الله قوى عزمه وثقته فجلس يستعيد طاقته ليواصل خلوته ودعواته . الإرهاق كان شديدا ، هبت عليه نسمات فيها بروده .. ولا يعرف كيف غاب في غفوة .
فجأة فقد توازنه .. فارتطم رأسه بحافة البئر ، لم يجد ما يتشبث به ليمنع سقوطه ، فهوى داخل البئر وهو يصرخ بأعلى صوته :” رحمتك يا قدير ” فإذا الرحمة لا تتأخر فيتعثر في سقوطه بجذع بارز على عمق عشرين مترا أو أكثر داخل البئر ، مما منع ارتطامه بالقاع ، والتحطم أو الغرق ..
قبض على الجذع بقوة ذراعيه  وهو يصرخ برجاء لرحمة أخرى من الله تخرجه من هذا المأزق . استمر ينادي بكل قوة صوته لعل عابر سبيل يسمعه فيمد  بمعونة الله  حبلا ينقذه من الهلاك في البئر. كان واثقا أن الله لا يخذل المؤمنين ، وان فعلته مع الحمارة قد شطبت من سجله..
– عونك يا رب .. أنقذ عبدك المؤمن في محنته .
صاح يائسا مرعوبا من أن يحدث ما هو أسوأ فلا يحمله الجذع أو لا تصمد قبضتيه فيهوى إلى القاع، اعترته فكرة أرعبته أن يكون ما يحدث له أمر رباني لنقله من الحياة الفانية إلى جنة الخلد. رجاه ان يترحم به ليسعد بما حصل عليه من تكريم بورقة دكتوراة من مؤسسة لا يعلم وجودها الا عشرة أشخاص بعد الله سبحانه وتعالى. طرد الفكرة من رأسه وعاد يصرخ :
– يوجد أحد فوق ؟ أنا سقطت داخل البئر . أنقذ عبدك المؤمن يا الله ..أنقذوني!!  
نظر إلى أعلى فلم ير إلا فتحة البئر وعبرها قطعة من السماء الزرقاء .
فجأة يرعد صوتا يهز الأرض وضوء شديد يبهر عينيه:
– إنا ربك موجود هنا ، اترك جذع الشجرة وسوف أنقذك.
كان قارض الشعر مؤمنا .. يعرف اعجازات الرب الكثيرة .. وما سمعه سيكون إعجازا حقا.. ولكنه فكر بعقله .. إن ترك الجذع دون أن يمسك بما يساعده على الخروج ، سوف يسقط بالتأكيد الى موته .
ولكن الصوت حقيقة مؤكدة .. فكر .. وصاح بأعلى صوته مصرا على التشبث بالجذع :
– اريد شخصا آخر ؟!

• قاص فلسطيني من مجدل غزة ، يقيم في اللد مؤقتا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق