ثقافة المقال

فتنة الهاتف النقال

صالح عزوز

يجتهد الهاتف النقال اليوم، بكل ما يحمله من محتويات وتطبيقات، إلى تفكيك الأسر و إبعاد ذات البين، صنع جوا للغربة في البيوت وأصبحنا لا نلتقي إلا ناذرا، تحولنا في الآونة الأخيرة إلى غرباء فيما بيننا، لا نعرف حالنا وحال من يحيط بنا، بل وفي بعض الأحيان نسمع بعض من أخبار أهلنا، من جيراننا أو أصدقائنا، ونحن نعيش بينهم، وهذا لما اشتغلنا على هذه الآلة الإلكترونية الليل كما النهار، فينا من هو معلق بوهم يحمله بين أضلعه وعقله، وفينا من هو متعلق بالعبث واللعب حتى مطلع الفجر، فينا من دفعه إلى الانطوائية رويدا رويدا، حتى فصله عن واقعه، ينام والهاتف النقال بين يديه، ويصحو ويكون أول ما تلامسه أنامله، زرع فينا الخمول والكسل، وأخذ منا الاجتهاد في البحث عن حل لمسائلنا، نتفقده بين الحين والأخر في جيوبنا، ولا نستطيع أن ننام حتى نغازل محتواه، لقد أصبح هذا المخلوق الجديد إن صح القول، جزءا لا يتجزأ من يومياتنا، بل وأصبحت مكانته أهم من الكثير في حياتنا، رنته تهزنا بين الحين والأخر، نبتسم له كالمجانين في الطرقات، ونتحدث إليه كالمعتوهين.

ماذا لو نتركه جانبا ونجلس إلى بعضنا، كإخوة وكعائلة، نناقش مسائل الحياة بعيدا عن هذه الآلة الصغيرة، يضاحك الواحد منا أخاه ووالديه، ويعيش معهم واقعا ملموسا في كل شيء، ننظر في أعين بعضنا حينما يتحدث الواحد منا لأخيه أو قريبه أو لمن هو إلى جانبه، نذهب إلى زيارة بعضنا، في المناسبات والأعياد كما كنا سابقا، فقد أصبحنا، نكتفي ما عدا برسالة نصية نحولها من هاتفنا إلى كل اسم مسجل فيه.

لقد صنع الهاتف النقال مع مر الوقت، عالما موازيا لعالمنا، بل هدم عالما واقعا وملموسا، وصنع أخرا وهميا وافتراضيا، زادت مساحة تواجده بيننا من يوم إلى آخر، والظاهر أنه لن يتوقف عن توسيع هذه المساحة، في ظل تسارع التكنولوجيا الحديثة، التي أصبحت اليوم تسابق الزمن من حيث التجديد والتطور، ونستيقظ كل يوم على جيل جديد من الهواتف الذكية، متغيرة من حيث الشكل والمحتوى والأكثر من هذا من حيث الدقة والسرعة والخدمات، فجذبتنا إليها بالقوة، وأصبحنا مشدودين إليها كمن هو مشدود بالأغلال، لا نتحرك إلا بها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق