ثقافة السرد

سحر باللون الأزرق

ابداع : محمد الزاكي*

كان يستشعر وقوفها أمام باب بيته المقفل ، فتختفي بسرعة عن نظره كلما فتحه ، فتضفي على مكان وجودها لمسة أنوثتها الفاتنة ، لا يكاد يراها سوى لحظات قصيرة كومضة برق ، فتنفلت عن مشاهدته لها وقد رمته ببسمتها الشبحية. يعلم بأنه لن يستطيع مجاراة لعبتها الأنثوية ، فهي ساحرة بجمالها ، جاذبة بكل تفاصيل مظهرها الأنثوي ، بارعة بسحر تمسك خيوط لونه السماوية ، لأنها تعلم انجذابه بهذا اللون ، فتتدثر به. تلمحه من بعيد بنظر ثاقب مثل زرقاء اليمامة ، فتنتظر كيف تصير ردود أفعاله كلما توارت عنه . هي مستعدة للعزف على أوتار قلبه مهما عاند أو تصلب .. ينظر اليها في لحظة ظهورها الخاطفة فتختفي عنه ، وتنظر اليه بعمق فلا يختفي مثلها .. يحاول معرفة القليل عنها ، ولكن هي تقرأ قسمات وجهه ، فيصير وجهه مرآت قلبه يفصح لها عنه الكثير.

في داخل بيته ، يوصد بابه الأزرق ، فيحسبه يخزن أسراره ويحفظها ، فاذا مرت صارت تضحك باحساس من عثر على مفتاح ألوانه .. يسمع وهو بداخل بيته ضحكاتها الحلوة ، وعندما يخرج لكي يراها ، لا يجد سوى أريج عطرها ، فيتتبع أثر قدميها ، فلا يهتدي الى شيئ. في الصباح لا يزال عطرها يعانق عتبة الباب ، فيدرك بأنها مرت ليلا لترسم له لوحة بارعة في التحدي بسحرها ، فيسأ ل نفسه : من ألهمها أن تسحرني بهذا اللون ؟ من أخبرها أسراره ؟

نظر ساعتها الى السماء ، فأ لفاها زرقاء صافية تحلق فيها النوارس ، وقد اشتد صياح صوتها ، كأنها هي الأخرى تمارس سحرها في هذا الفضاء الأزرق أو تقدم شيئا من الاجابة عن أسئلته .. كأنها تقول له : انك تحب السماء في صفاء زرقتها ، وأنت مسحور بالبحر ، وفي خضمه تتلاطم الزرقة تارة ، وتهدأ تارة أخرى ، فالزرقة بيضتك التي منها خرجت ، وفي عش حضانتها درجت واطلعت على أسرار جمالها .

ويأتي المساء ، فيسود السواد ، لكنه يظل يرى الأزرق بشكله وروحه ، وتظل هي الأخرى متدثرة بالأزرق .. يحس وقوفها غير بعيدة عن باب بيته، فيدب اليأس في أوصاله لكي يخرج ويفتح الباب لينعش روحه برؤيتها ومخاطبتها ، فلا يكتفي سوى باستنشاق عطرها المخترق لأرجاء بيته .

كان عطرها يرسم له ظلالا زرقاء في أركان بيته ، وينبت له حدائق يتربع فيها حسنها الشبحي عرش مملكة هذه الحدائق على اختلاف وروردها وأزهارها ، وعلى نبرات صوت ضحكها تذعن له البلابل ، وهكذا يفعل سحرها فعله به وبالنبات والطير حين يفعل سحره .

في هذا الليل الفريد عرف وقت ولادتها ، فهل هذا منتهى انتصاره على تواريها وسحرها ؟

كتب في هذا الليل رسالة اهداء بمناسبة عيد مولدها ، كان يعرف بأنها ستختفي بمجرد فتحه له .. دفع الورقة من تحت الباب نحوها ، فأحس بأنها أمسكتها بسرعة ، وبدون شك ، فانها شرعت في قراءة الرسالة في مكانها الخفي .. بدأ يسمع قراءتها للاهداء ، وعندما أراد الذهاب الى فراشه صار يسمع من يقرع باب بيته .. اخترق أنفه عطرا طيبا آسرا ، فعلم بواسطته أنها القارعة للباب .. أخذته مشاعر اختلط فيها الفرح باليأس .. هل تكون غيرمختفية في هذه المرة ؟ ..

فتح الباب بسرعة ، فوجدها أمامه كاملة الظهور بعطرها وجمالها ، وبالأزرق الذي تتدثربه .. لم يصدق عينيه .. أخرس لسانه عن النطق ، فبادرته قائلة :

– من أنبأك بزمن ولادتي ؟

بقي مذهولا أمام فتنة جمالها ، فصارت تردد :

– من أنبأك ؟… من أنبأك ؟ …

أفاق من شدة المفاجأة وقوة الذهول ، فقال بلسان فصيح

– حين يتم الزهرتفتحه ، وينتشر عطره ، فان الرداء الذي يغطيه يفصح عن زمن ولادته…

ابتسمت فتوهجت أستار الليل التي تلفها ، فسألها :

– من ألهمك أن تسحريني بهذا اللون ؟

ضحكت مثلما كانت تضحك من قبل ، فأخبرته بأنها اهتدت الى ذلك عندما شاهدته أول مرة يعزف على ” السنتير”، تصافحه آفاق البحر الرحبة الزرقاء وهو ينظر اليها بعمق ، ثم انه اختار أن يجاوره وفوقه السماء ازدان صفاؤها ، فاختارت أن تشاكس مشاعره بهذا اللون ، وكل انسان عندها يشاكس بما يجذبه .

قدمت له ورودا أتت من زمن أسطوري يعبق بأسرار الألوان … فأهداها قارورة عطر ، هي تقطير طبيعي لكل  الأزهار الزرقاء … فقال لها :

– متى أراك مرة أخرى ؟ وهل ستختفي عني ؟

أجابت بعذوبة :

– لن أختفي ..

استأذنته بانصرافها ، فتلاشت بين تلك الظلال الوارفة ، فبقي سحر تلك الورود وأسرارها عنده .

*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق