ثقافة المقال

السرد والمثاقفة

السعيد بوطاجين

من المهمّ أن تطرح الدراسات المعاصرة عدة أسئلة على السرديات العربية لمعرفة وضعها الراهن بعد تجربة عقود، من حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، مرورا بزينب لمحمد حسين هيكل (بصرف النظر عن المؤسسين الفعليين الذين أغفلهم التاريخ الأدبي لأسباب قد يتعلق بعضها بالمركزية)، وصولا إلى ما قدمه نجيب محفوظ باستفادته من التقنيات الغربية التي كان للكاتب الفرنسي هونوري دو بالزاك الفضل الكبير في ترقيتها. إضافة إلى الكتابات الحديثة ذات المرجعيات المختلفة: الأوربية والأمريكية، لأن السرد لم يراع كثيرا، على ما يبدو، الظاهرة الآسيوية، اليابانية والصينية على وجه الخصوص، وتلك مفارقة، عكس الشعر الذي انتبه إلى قيمة هذه الإبداعات التي تمتلك عالمها المتميّز، وبخاصة ما تعلق بالكتابة المؤسسة على الحكمة والمحلية التي لا تخلو من البعد الكوني، وعلى الهايكو كذلك، كنزعة قوامها الاقتصاد، وهي كتابات قريبة منّا من حيث الروح.

وما يقال عن الرواية ينسحب على القصة القصيرة التي اكتسبت خبرة بعد ممارسة قاربت القرن من الزمن، أي بداية من كتابات محمود تيمور في مصر، مرورا بعشرات الأسماء التي لعبت دورا في إرساء القواعد الجديدة، والمتجددة في آن واحد، ونذكر على سبيل التمثيل ما أنجزه حيدر حيدر وزكريا تامر في سوريا والطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة في الجزائر ومحمد زفزاف في المغرب… وغيرهم من الأسماء المكرّسة في كافة البلاد العربية. أما الأقصوصة والخاطرة والقصة القصيرة جدا فقد تؤخذ في سياق آخر، وبأدوات نقدية غير التي يمكن الأخذ بها لمعرفة واقع السرد، وذلك لحداثتها النسبية مقارنة بالرواية والقصة القصيرة اللتين عرفتا تجارب عريقة إلى حدّ ما.

هل يمكن الحديث عن السرديات العربية بمعزل عن المؤثرات الخارجية التي أسهمت في تشكيلها وتوجيهها؟ يبدو الأمر مخاطرة غير ضرورية، وليست مضمونة النتائج بالنظر إلى ارتباط الأدب العربي برمّته بالنزعات والتقنيات الوافدة إليه من الغرب، كما تدلّ عليه شخصية الكتابة وتشكلاتها، ورؤاها في حالات كثيرة، وهذا جانب محوري يحيل على مشكلة الأصالة، بمفهومها الإبداعي، وبالمفهوم الجغرافي واللساني والفكري والقومي في ذات الوقت.

لقد تأسس سردنا الجديد على المثاقفة التي كانت قاعدته المركزية منذ سنين، لذا اتخذ الكتابات الغيرية نماذج له، شكلا ورؤية وموضوعا، مع فارق في التموقع يمكن أن نلاحظه من خلال تفاوت التجارب ووعيها وقناعتها، وهي مسائل قابلة لأن تكون موضوعات لمناقشات متخصصة من أجل تحديد مكاسب السرد العربي ومدى استفادته من هذه المثاقفة التي تبدو عائمة في شقّها الأكبر، وكاسحة كذلك كما يتجلى في بعض النصوص.

ثمة أسئلة يمكن طرحها على السرديات مجتمعة، بقضها وقضيضها: ما هي علاقة السرد العربي بالآداب الأجنبية؟ وما مدى استقلاليته عن ضغط العلامات الغيرية وخطاباتها ومضمراتها بعد سنين من المحاكاة، سواء كانت جزئية أم كلية؟ هل أشكال الآخرين حتمية وجب الكتابة تحت توجيهاتها وإملاءاتها وظلالها؟ وما هي طبيعة العلاقة التي تقيمها السرديات مع الذات والحاضر ومع الموروث السردي والفكري والديني والحضاري؟

وإذا كان الحديث عن عولمة السرد ضربا من الوهم في ظل التنويعات والخصوصيات والمركزيات الخبيئة، هل يمكن الحديث عن مجهود عربي لكتابة نصوص أدبية ذات هوية سردية مستقلة عن الذوات الأخرى التي اجتهدت لتكون كذلك، كما هي تماما، مختلفة ومتغيرة بحسب رهانات الوقت والتداول؟ وما مدى أصالة كتاباتنا مقارنة بمثيلاتها في الصين واليابان وأمريكا والهند وإنجلترا وروسيا، وفي المدوّنات الأخرى؟

سيقودنا سؤال الهوية السردية إلى مساءلة طبيعة المثاقفة في حد ذاتها، وعما إذا كانت شكلا من أشكال الاستلاب، وليست تجسيرا هدفه التواصل والتبادل ما بين الأمم والثقافات والفنون الإنسانية قاطبة؟ بغض النظر عن هويتها ومرجعياتها التي تشكل كيانها، مهما كان لون هذا الكيان ومستواه.

وما وظيفة التبني الحرفي للأشكال المستورة من غير توطين لها ولدلالاتها الافتراضية التي قد لا تنسجم مع الفرادة أو الاستثناء كقيمة جوهرية، بمفهومهما الفني، ومع الأصالة بمفهوم الانتماء إلى حدود أخرى ليست بالضرورة مساوية لما كتب في حدود الوافد الذي أنتج لمقصد وفي سياق مغاير عن سياق كتاباتنا؟ وفي محيط مغاير أيضا، بعلاماته ومسمّياته وخرافاته وحكاياته وطقوسه وحريته وممنوعاته، وبمعجمه الذي يحيل كل لفظ منه على ذاكرة ما.

لقد سعى جل الأدب الروسي (بوشكين، غوركي، تولستوي، تشيخوف، راسبوتين) على سبيل التمثيل، كما الأدب التركي (عزيز نسين عيّنة) أو الصيني (زو كون، وانج آنجي، تشي لي) إلى عدم الابتعاد عن جوهره وحقيقته، مهما كانت هذه الحقيقة الذاتية، ومن ثم الأخذ بالتبني في الحدود الوظيفية التي لا تمحو الأنا. ولقد استفاد باولو كويلو من التصوّف الإسلامي بمقدار لا ينفيه، كما فعل غابريال غارسيا ماركيز في تأثره بألف ليلة وليلة عندما كتب مئة عام من العزلة. كما استفاد الأدب الإسباني من المقامة لتمتد تأثيراتها إلى أمريكا الجنوبية، في حين استفاد آخرون من أجل مسخ الآخرين الذين يختلفون معهم وعنهم، ليس إلا، وليس تأثرا بالآخر لأنه كذلك: (كتابات القاص الفرنسي جي دو موباسان أنموذجا).

يتلخص الإحساس الذي ينتابنا أثناء قراءة الهالات الروسية أن الكتاب، على تنوعهم، يصدرون عن ذات لها حضور فعلي في الحكاية والجملة والكلمة والحيز والطقس، في الأعراس والمآتم. ثمة ما يشبه الاكتساح العام للمحيط والتاريخ والفلسفة والذكاء والجنون، ولكل ما هو روسي، بسلبياته وإيجابياته، من الحدث إلى النكتة إلى الأجواء إلى العمران والحارات والكنائس والحانات والشعائر. الكتابة الروسية، وببساطة كبيرة، تتحدث عن الإنسان الروسي لأنه الموضوع القاعدي الذي تم التبئير عليه في كل الأوقات، وهذا سر أصالتها واستمراريتها المؤثرة.

لقد كانت المثاقفة بالنسبة إلى كثير من الأمم مجرد مقابسات لتقوية المحلي وتأثيثه في حد محدود بتفادي الذوبان فيه. ما يعني أن فعل التأثر لم يؤد إلى الانمحاء في متخيل الآخر ونمط إنتاجه. وكذا الشأن بالنسبة للتعامل مع الترجمة، مع ما يجب نقله إلى المركز، بالنظر إلى أن المراكز قائمة، حتى في حالات الانفتاح الكلي على ما يكتبه من هم هناك، كما يمكن أن نتوهم عندما نعتقد خطأ أنه بمقدورنا الحديث عن سرد كوني مشترك بين الناس، الفكرة التي دافع عنها الأديب الألماني غوته قبل أن يتراجع عنها خوفا من القضاء على التنوع، أو من انحساره الكلي في نماذج مهيمنة اقتصاديا وحضاريا.

إن تبني أي أسلوب، مهما كان، هو جعله، بشكل ما، نمطا أو بديلا للمتداول، ومن ثم حلوله محل الأعراف الفكرية والدينية والثقافية والكتابية القائمة. إنه رفض للمنوال الذي تشكل مع الوقت، وفي هذا المنوال، رغم هشاشته الممكنة، توجد الذات التي يحصنها التراكم وتحميها العلامات التي اكتسبت شخصية وذاكرة. لقد كانت كتابات نجيب محفوظ تدرك تماما معنى التبني الواعي لما ينتج في بيئات مختلفة، ولهذا رسم القاهرة وناسها. كل جملة من جمل هذا الكاتب تحمل لون البلد وشجره وطعامه وأزهاره وأثاثه ودهاليزه وانحرافاته وبؤسه وذاته. وقد تمكن، رغم السمة المحلية المهيمنة، من الإفلات بعبقرية من أن يكون نسخة تكرر التجربة التي تغذى منها.

في حين تبدو روايات وقصص أخرى أقل اهتماما، إن لم تكن منفصلة عن نفسها وعن كل ما له صلة بواقعها الداخلي، وبالواقع الخارجي أيضا. هذا النوع من الكتابات التي أصبحت تهيمن على المشهد الأدبي العربي في الحقبة الأخيرة هو الذي أصبح مرجعا وقدوة، في المشرق والمغرب والخليج، وهذه الكتابات، إذ تفعل ذلك، إنما ترهن خصوصيتها بفعل اتكائها على المنوال الغربي كما هو، موضوعا ورؤية.

وقد يتبوأ هذا النموذج لوقت معين، لا لأنه الأكمل والأجمل، بل لأنه ينقل بشيء من الحرفية ما يقبله القارئ الغربي لأنه يشبهه ويعبّر عن تصوراته. هذا النموذج، في حقيقته، هو كتابة للآخر وفق منطقه ورؤيته للعالم، كتابة للمركزية التي تملك الدعاية والجوائز الخاضعة لحسابات غير أدبية. غير أن هذه المركزية نفسها لا تقبل، من الناحية الجمالية، أن تستنسخ التجارب وتصدر إلى بلدانها لأنها تميل بطبعها إلى المغاير والجديد. إننا حاليا أمام صناعة سردية غالبا ما توجهها القوى السياسية والمالية. ما لا ينطبق على التجارب التي تؤسس على رؤيتها الخاصة، كحال الكتابات السردية في اليابان والصين وأمريكا الجنوبية.

ربما عاد السرد العربي إلى ذاته بعد نكسة ما، لأن تركيزه على الاستهلاك الظرفي، وفق ما يريده الآخرون، لا يضمن له أي تفوق فني يجعله ذا قيمة مستمرة. إننا أمام مظاهر سردية جديدة تقوم بترحيل القارئ إلى أشكال الآخرين ورؤاهم وممارساتهم وعلاماتهم المميزة لهم، وليس بإعادة هذا القارئ إلى جغرافيته، ومن ثم تأهيله لقراءة ذاته وفق أطر معرفية تسمح له بتربية ذائقته والانفتاح على المعرفة السردية الأخرى كمقوم لنمو الكتابة وعدم انكفائها على الذات.

أما الظاهرة الأخرى فتتمثل في نقل المحلي مشوّها، أي وفق الضوابط غير المعلنة التي تقيد الكتابة، كما يرغب الآخرون في تصويرها وتلقيها. ومعنى ذلك أن كتاباتنا، في جزء معتبر منها، تريد أن تنقل الصورة الممسوخة تلبية لسنن تتحكم في سوق النشر والتوزيع والترجمة. وبدل التفكير في مثاقفة معكوسة لها شخصيتها وتقاليدها من أجل تحقيق الذات، من المنظور الأدبي، أصبح أدبنا يسعى لإرضاء الآخرين على حساب الحقائق وجوهر الكتابة السردية في حد ذاتها. في حين ستظل المثاقفة المعكوسة التي تؤثث كتابة الآخر مؤجلة إلى حين إعادة النظر في مفاهيمنا.

إننا لا نقصد أي تعميم من وراء هذه الملاحظات، لأن هناك تجارب سردية حديثة وحداثية أدركت جوهر المثاقفة الأحادية فشحذت أدواتها وفق منظورات مخصوصة، وهي كثيرة. وقد كان انطلاقها من تاريخها وأماراتها أهم إنجاز مفارق للمعيار المستورد من المنجز الغربي الآيل إلى تكريس توجه أدبي خاص، رغم قيمته، لكنه مختلف عن التقاليد التي أنجبت فيكتور هيجو وتولستوي وآيتماتوف وجيمس جويس. نحن أمام تقاليد سردية ستدفعنا إلى البحث عن نفوسنا في غمرة الهرولة العظمى نحو المسخ الأعظم للكتابة وللقيم الجمالية التي تؤمن باستقلاليتها عن السرد الموجه الآتي من إلزامات لا تمثل قناعاتنا الأدبية، ومنظومتنا الثقافية. ذلك أن هذا النوع السلبي من المثاقفات الحرفية لا يتجاوز حدود الكتابة بشخصية الآخرين وأساليبهم ورؤاهم الخاصة.

أما السؤال الذي سيظل عالقا هو الآتي: هل نحن نحن أم نحن آخرون رغما عنا؟ ذاك ما يجب معرفته في التجارب السردية التي لا تحمل إشارات تدل على أننا لا يمكن أن نكون مطابقين لغيرنا. ثمة دائما ذات مختلفة عن الأخرى، وفي هذا الاختلاف يكون مستقبل كتاباتنا التي تعبر عنا وعن الإنسان، كما يحدث في بعض البلدان التي لا تتنكر لذاتها وتاريخها وموروثها وأصولها، كيفما كانت. وقد يشمل ذلك كل المكونات النصية وإحالاتها التي تمنح الإبداع علاماته المميزة له.

 

 

 

 

*كاتب وناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق