حوارات هامة

الرحلة المستحيلة: حوار مع ناجي ظاهر

اجرته مي عودة

نحن في العادة نقرأ ما ينتجه الكاتب وما يبدعه من قصص وروايات دون ان نسال عن حياته الخاصة. في هذا الحوار يتحدث الكاتب ناجي ظاهر عن اسرار حياته الشخصية عن الشمعة التي تحترق لتضيء اكثر وعن امور اخرى مثيرة تنشر اول مرة وتحفل بالبوح الابداعي الخلاق.. والمثير ايضا.

*مع من عشت وانت بصغرك ؟ كيف كانت ظروفك الاجتماعية والاقتصادية ؟
-ابدأ الاجابة من النهاية. ظروفي كانت صعبة جدا ولدي العشرات من الحكايات اليومية الجارحة التي تحكي عذابات هذه الطفولة. ابسطها انني كنت احب الكتب الى حد انني تصورت الجنة مكتبة. واردت دائما ان اقتني ما اريده من الكتب. الا انني كنت دائما ما افتقد للمال الكافي لشرائها. مرة رأيت كتابا في بسطة شارعية فاردت الحصول عليه. ركضت الى البيت وفي خاطري ان اجد هناك من يعطيني ثمن الكتاب. الا انني لم اجد. عندها ابتدأت اجمع من اخي الاكبر تعريفة ومن اختي الاكبر ايضا تعريفة اخرى وكذلك من امي وابي. الى ان توفر لدي المبلغ. عدت راكضا الى البسطة فاكتشفت ان الكتاب قد بيع. كانت تلك صدمة لا انساها ما حييت لا سيما وان ذلك الكتاب بهرني وخلب لبي. انا لم اعش طفولتي كما عاشها الناس في العديد من الامكنة. والدتي كانت تطلق علي صفة الختيار وانا لما اتجاوز الرابعة من عمري. كنت في الحقيقة طفلا شقيا اشعر بالتميز عن الاخرين. قد يكون هذا بسبب ما استمعت اليه من حكايات وقصص روتها جارتنا كفيفة البصر مبصرة القلب قادرية الملا. طيب الله ثراها. واستمعت اليها منها منبهرا وشاعرا بغنى الحياة. اما ظروفي الاجتماعية فقد كانت اسوأ من سيئة. كوني ولدت بعد سنوات من تهجير اهلي القسري من قريتهم سيرين. وقد قلت في اكثر من لقاء وحديث انني ابن النكبة وان مأساتها اكبر مني بسنوات. يكفي في هذا الصدد ان اقول انني لم اشتر الكتب المدرسية الا وانا في الصف الاول.. بعدها اخذت على عاتقي انا الطفل الصغير آنذاك ان اقوم باستبدال كتبي كل عام بكتب اخرى للصف الاعلى ليتسنى لي مواصلة الدراسة دون الاثقال على الاهل. لقد شعرت حينها بمعاناة اهلي فلم اشأ ان ازيد همومهم هما. ظروفي الاجتماعية والاقتصادية كانت صعبة جدا جدا.. اما مع من عشت.. فقد عشت مع اهالي بالطبع.. الا انني كنت اشعر بالوحدة منذ نعومة اظفاري فليس في بيتنا من يهتم بشؤون غيره. وكل واحد منا مشغول طوال الوقت بالأمه واحزانه.. الجانب الايجابي لهذا كله هو اننا تعلمنا كيف نعتمد على انفسنا وكيف نعيش ونكون.

* حدثني عن امك وابيك ! بمن تعلقت اكثر؟ ولماذا؟ من منهم كان الاقرب لديك؟
-عندما وقعت النكبة وحملت عواصفها اهلي عبر العديد من البلدات والقرى كان ابي في الخمسين من عمره تقريبا. امي كانت تصغره بعشرين عاما. ابي كان عزيز قوم ذل. كان ملاكا لمساحات واسعة من الاراضي وفجأة وجد نفسه مشردا يعيش على وجوه الناس في الناصرة بعد لجوئه اليها مع ابناء اسرته. فما كان منه الا ان سافر الى حيفا ليضع راسه في قفة تراب ولا يرفعه الا بعد ثلاثين عاما.. عندها عاد الى البيت متعبا مرهقا، نالت منه السنوات وهدّه التعب. بعد فترة قصيرة على عودته من العمل بالفاعل او العمل الشاق كما كان يقول مات ذات صباح مغبر حزين. غياب ابي عن البيت معظم الوقت جعل اخوتي واخواتي يلتصقون اكثر بالوالدة. لهذا اعتقد ان تعلقنا كان اكثر بالوالدة. اضف الى هذا انها كانت امرأة حبوبة. واذكر بالمناسبة اننا تنقلنا في طفولتي من حي الى حي ومن بيت الى اخر. فكان ابي سرعان ما يستدعي” تندرا” لنقل اثاثنا المتواضع واذكر بكثير من المحبة ان امي كانت ترتقي فضاء ذلك التندر وتخرج منديلها لترفعه مودعة جيرانها القدم.. وكثيرا ما رأيت بعض الجيران وهم يشيعوننا الى المجهول يذرفون الدموع على فراقها. امي كانت امرأة دافئة ملأى بالحنان.. الا انها لم تعبر عن حبها لنا.. وقد تجاوز عمري العشرين وانا اتمنى ان تحتضنني وان تشدني الى صدرها الا انها لم تفعل وعندما توفاها الله قبل نحو الثمانية اعوام. شعرت بان عشرات السنين معها والى جانبها لم تكن الا حلما وانني وددت ان اقول لها طوال حياتي كلمة الا انني لم اتمكن وذهبت هي لتبقى الكلمة في فمي وعلى لساني. احببت امي من اعماق قلبي وكانت اول قصة حقيقية وجديرة كتبتها عام 1968 عنها وعن محبوبتي وبلدتي الناصرة التي احببتها حبي لأمي وابي وقد حملت تلك القصة عنوانا لافتا هو” الكلمة الاخيرة”. لقد استوحيت العديد من القصص من حياة امي ومعاناتها واذكر هنا انني كتبت عنها قصة اسية جدا اطلقت عليها عنوان “بقاء الياسمين” وقد نشرت هذه القصة في مجلة “العربي” الكويتية ونشرت ايضا في كتاب صدر في الكويت قبل سنوات كما نشرت في كتاب يتعلم فيه طلابنا ضمن منهاج الصف السابع. حتى لا اظلم ذكرى ابي اقول انني استوحيت ايضا العديد من القصص من كفاحه وحياته من هذه القصص اذكر: ” الورقات الثلاث”، ” شمس لا تغيب ابدا” و” ابي”. لقد كتبت عن امي وابي واهلي بصورة عامة في كتابي “حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال اخرين”، وبإمكان من يريد معرفة المزيد ان يعود الى هذا الكتاب الذي سكبت فيه من فيض قلبي وروحي وصدر قبل سنوات.

* حدثني عن اخوتك واخواتك!
-انا الابن الاوسط في اسرتي هناك اخ واخت يكبرانني هما البكر جوهر رحمه الله ونجية اطال الله في عمرها. وهناك اصغر مني اخ واخت هما موفق وقد اطلقت امي عليه هذا الاسم تيمنا بالدكتور موفق ذياب واعجابا به. وليلى وقد اطلقت عليه هذا الاسم مستمدة اياه من اغنية راجت في تلك الفترة تقول كلماتها ليلى دخل عيونها مين المثلا مين هالسحر البعيونها ساحر قلب مين ليلى، وهذه الاغنية للمطرب اللبناني نصري شمس الدين. اعتقد ان كوني الاوسط بين خمسة اخوة قد يلقي الضوء على طموحي ومحاولتي اثبات ذاتي بين من هم اكبر ومن هم اصغر فقد توزعت المحبة على شحتها على الاكبر والاصغر وبقيت انا وحيدا اتساءل طوال الوقت كيف يمكنني ان اكون.. وبقي هذا السؤال يلح الى ان وجدت طريقي.. ورأيت الشمس.
* باي جيل تزوجت؟ من اختار لك زوجتك؟ هل كانت عثرات في هذا الزواج؟
– كان ابي رحمه الله كثيرا ما يتساءل بعد ان شببت عن الطوق متى ستتزوج وكان كثيرا ما يقول لي تزوج يا بني اريد ان اراك عريسا قبل ان افارق هذه الدنيا. وحدث ان فاجأني ابي بالرحيل ذات صبح مغبر حزين كما قلت، فما كان مني الا ان تذكرت كلمات مشابهة لكلماته عن الرغبة في زواجي كثيرا ما كانت الوالدة ترددها.. فخشيت ان ترحل هي وان ابقى وحيدا مهملا. عندها سارعت للارتباط بقريبة لي اختارتها الوالدة معتمدة على كلام سمعته مني حول جمالها وانوثتها. وقد تزوجت بسرعة وابتدأت ببناء اسرة وانا غير مؤمن بالزواج. فقد اعتقدت وما زلت انه على الكاتب الا يتزوج وان يكرس حياته كلها للكتابة والانتاج، كما فعل الكثيرون ممن اعجبت بهم من الكتاب والفلاسفة في تلك الفترة في مقدمتهم ابو العلاء المعري الذي استمددت كنيتي منه، وعباس محمود العقاد ومن الاجانب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي عاش مع الكاتبة سيمون دي بوفوار حتى ايامهما الاخيرة دون ان يرتبطا بالزوج. لقد احببت الحرية وتغنيت بها وقد دخلت قفص الزوجية دون اقتناع تام. ولو خيرت لعشت مع امرأة احبها وارتاح اليها دون عقد زواج. زواجي كان تقليديا وكنت يوم ارتبطت في حوالي الخامسة والعشرين من عمري. وقد عشنا معا انا وزوجتي حوالي الثلاثين عاما.. نصفها الاول كان مريحا الى حد بعيد في حين ان نصفها الثاني كان صعبا جدا وقد استوحيت من هذا النصف الحارق في حياتي الزوجية اكثر من رواية وقصة، ابرزها قصة” ادراج حمر” التي تحولت فيما بعد الى رواية حملت عنوان “حارة البومة”. ورواية” غرام او نهاية فنان” التي تحدثت فيها عن معاناة الفنان في بلادنا والامه غير المحتملة وغير المطاقة. بإمكان الاخوة القراء بالطبع ان يعودوا الى هذه الاعمال الادبية لمتابعة القراءة عن معاناتي الواقعية والمتخيلة ايضا.

*حدثني عن علاقتك مع زوجتك بشكل عام.. وكيف اثرت هذه العلاقة على مسيرتك الكتابية ؟
-في بداية حياتنا الزوجية تمكنت من اقناع زوجتي بانني رجل لديه حلم. وقد وقفت الى جانبي ودعمتني الى اقصى حدود الدعم. وكانت المشجعة الاولى لي في كل ما اكتب آنذاك. واعتقد ان عملي في الصحافة طوال فترة مديدة من حياتي ساعدها في تقبل احلامي الادبية. وقد تواصل تقبلها هذا لي ولحلمي طوال النصف الاول من حياتي الزوجية الذي استغرق خمسة عشر عاما. الا ان هذه الزوجة ما لبثت في النصف الثاني من حياتي معها والى جانبها ان قلبت لي ظهر المجن وباتت تضيق بي وبأحلامي.. كانت هذه الفترة هي الاصعب في حياتي، ولم اتمكن من الفكاك منها الا بمغادرة البيت والعيش بعيدا عنه ووحيدا. واعتقد ان السبب في تحولها هذا جاء نتيجة لازمة منتصف عمر عاصفة لم تبق ولم تذر.. في النصف الثاني من حياتي الزوجية وهو النصف العاصف كما قلت كان اصدقائي يسألونني كيف تمضي الامور فأجيبهم انني كلما احترقت انرت اكثر.. انني الان وانا انظر الى الماضي لا اشعر بأسف على شيء فقد اخترت ان اكون كاتبا بوعيي الكامل ومعروف ان من يدفع ثمن اختياره لا يدفع في الحقيقة الكثير. فلكل اختيار ثمن وعلي ان ادفع مقابل اختياري دون تردد..

*اولادك!! كم هم؟ اعمارهم الان، مسيرة حياتهم، ماذا يعنون لك؟ ماذا اثروا فيك؟ وكيف تأثروا منك؟
*يوجد لدي اربعة ابناء ثلاث بنات هن: ريما الكبرى وقد عملت في مجال الاعلام سنوات غير قليلة من عمرها وسندس ورماح. وولد واحد هو ابني علاء. كلهم حاليا متزوجون. اما اعمارهم فان اصغرهم فوق الخامسة والعشرين. فيما يتعلق بعاطفتي نحوهم اعتبر نفسي ابا حنونا، فانا معهم طوال الوقت. اساندهم وادعمهم دون ان يطلبوا في الغالب الاعم. فانا اعرف واجبي نحوهم ولا اضطرهم لان يطلبوا مني شيئا لحظة الحاجة. اما كيف اثروا في فقد تكون الاجابة في عاطفة وقادة دسستها في عدد من القصص المهداة لكل منهم على حدة نشرتها في كتابي “درس نورة” الصادر في اوائل التسعينيات. بإمكان من يقرأ قصتي “الخشة” ان يلمس تلك المحبة الغامرة لابنتي رماح- اخر العنقود. وقد اشرت الى عاطفتي الجياشة تجاه ابنائي في اكثر من واحدة من قصص مجموعتي” ظل على السطح”. انني اعتبر نفسي ابا متحررا فانا لا اقسر ابنائي على فعل ما لا يريدون فعله ولا يحبونه. وذلك لإيماني بأهمية توفر الحرية للأبناء كي يكونوا كما يريدون لا كما نريد لهم ان يكونوا. اضف الى هذا انني من المؤمنين ان الانسان يبدع اكثر عندما يعيش نفسه ورغباته في هذه الحياة. اما بالنسبة للكتابة فانا لا اؤمن انها تورث كالأرض واللغة. وانما هي تولد نتيجة لرغبة داخلية جارفة. قبل سنوات جاءتني ابنتي رماح وقالت لي اريد ان اكون كاتبة مثلك. فتداولت معها الراي واتفقنا على ان تكتب قصة.. كتبت رماح القصة فأعجبتني.. تناسيت موضوع هذه القصة وكذلك تناست هي.. مضت شهور ولم تسألني فادركت انها نزوة كتابية المت بها وانها ليست جادة فيما ارادته. فانصرفت عن تشجيعها وكذلك هي فعلت.. انا من عائلة لا يوجد فيها كتاب وفنانون. واعتبر نفسي نخلة في صحراء.. تنتهي بانتهاء وجودها على هذه الارض. يحزنني هذا بالطبع الا انه لا يقلقني كثيرا فالحياة تستمر بعدي كما استمرت قبلي.. ويكفيني انني حاولت ان ارسم خطا على رمال الحياة.

* بيتك.. غرفتك.. صفها لي ..ماذا تعني لك؟
-بيتي اشبه ما يكون بمكتبة. كل مكان اقيم فيه سرعان ما يتحول الى مكتبة.. مكتبتي تشردت اكثر من مرة. وما زالت مثلي تعاني من اثار التشريد. اقيم حاليا وحيدا في شقة مساحتها اقل من خمسين مترا. هذه الشقة ملأي بالكتب. لا يوجد فيها سوى اريكة انام عليها. في كل زاوية منها توجد كتب واكاد اقول ان كتبي في كل مكان على الارفف وعلى الطاولات وحتى الارض.. وفي قلبي وروحي ايضا. هناك في غرفتي بعض الصور والرسومات والشهادات.. الا ان الكتب تبقى البارزة وانا سعيد بها.

* هل وجدت فتاة احلامك التي تريدها ؟ ولماذا?
*قلت انني لم اؤمن بالزواج في اي من ايام حياتي، وقد اردت دائما ان اعيش مع امرأة تحبني لذاتي لا لأي سبب اخر، وكذلك افعل انا.. الا انني لم اجد مثل هذه المرأة. كل النساء اللواتي التقيت بهن سواء كن متزوجات او غير متزوجات تحدثن طوال الوقت عن الزواج واردنه على اعتبار انه هدف اخير وسام. واذكر في هذا السياق انني تحديت ذات غضبة مجموعة من الصديقات في ان تقبل احداهن ان تعيش مع رجل دون زواج فخفن وانصرفن كأنني قلت لهن ما لا يستحق الاصغاء او يخيفهن. توقفت خلال مسيرتي الحياتية عند بعض النساء قد تكون زوجتى اولاهن. الا انهن ما كن يتأكدن من انني جاد في رغبتي بالحياة الحرة حتى ينصرفن وجلات خائفات. اجابة مباشرة عن هذا السؤال الصعب اقول لا انني لم اجد فتاة احلامي الحقيقية حتى الان.. واكاد اقول انني المس وجودها في كل مكان ولا اراها.. لقد توقعت ان التقي بها طوال الوقت وفي كل مكان.. ومن يعلم اين تكون بعد هذا كله.. فقد تكون قريبة مني وانا لا اعلم.. انا متأكد من انها موجودة في مكان قريب لكن اين هي؟ هذا هو السؤال.
* في قصة “ادراج حمر” يظهر وكأنك رجعت الى البيت (زوجتك وعائلتك) بعد غياب طويل .اين كنت ؟
*تعتبر هذه القصة من قصصي القريبة جدا من نفسي وقد كتب الصديق الصحفي المثقف محمود ابو رجب عنها مقالة نشرها في صحيفة “الاخبار” التي يرئس تحريرها قال عنها ما مفاده انه لم يقرا سابقا قصة في عمقها وجماليتها لكاتب معاصر يعيش بيننا، واضاف يقول انه لولا معرفته بي وبثقافتي لقال إنها مسروقة عن كاتب لا يعرفه ولم يقرا له من قبل. هذه القصة باختصار تحكي عن رجل كاتب مثقف يموت بسبب تصرفات زوجته القاسية تجاهه وبعد موته يتحول الى راوٍ يحكي القصص لسكان المقبرة من الموتى.. الموتى يعجبون بقصصه وحكاياته فيقترحون عليه ان يعود الى الحياة في اجازة خاصة بهدف جلب المزيد من الحكايات والروايات. هذا الرجل يعود الى الحياة فيجد الدنيا غير الدنيا.. ابنه يتنكر له.. وعندما يصعد الدرج الاحمر المعلق الى بيته ترفض زوجته استقباله وتصرعه مجددا ليموت مرة ثانية. لقد قمت بتطوير هذه القصة لتتحول فيما بعد الى رواية اطلقت عليها اسم” حارة البومة”، وتوغلت فيها بما لحق مجتمعنا من دمار وخراب في فترتنا الراهنة. وقد بدا الابن في الرواية محبا لوالده ومساندا له.. فعندما قسا على ابيه في الادراج الحمر لم يكن يقصد وهو من سينقذه من الموت ليعيش معه في الغابة المجاورة قصة كفاح تكشف عورات فترتنا الراهنة. هذه القصة وتلك الرواية تحدثت عما اشعر به واعيشه من مشاعر ترفض الكثير وتقبل القليل مما نعيشه.. لا سيما فيما يتعلق بقانون حماية المرأة- قبل تعديله- وما يجره من خراب ودمار على الناس والبيوت.. خاصة العربية.

* في نفس القصة.. يتضح انه يوجد صراع بينك وبين زوجتك …حدثني عنه..
– لأقل لك ان الصراع بين الرجل والمرأة موجود وقائم في كل مكان وزمان. وهذه القصة تجسد بالفعل هذا الصراع المبني على تجارب خاصة دفعت ثمنها غاليا من جهدي واعصابي. غير ان القارئ المتعمق لهذه القصة ولكثير غيرها مما كتبته سيلاحظ ان الحديث لا يدور عن صراع.. فالصراع لا يدور بين طرفين متكافئين، وانما هو يدور هنا بين طرف ايجابي هو الرجل واخر سلبي هو المرأة. القصة لا تتحدث بالطبع عن كل النساء وانما هي تتحدث عن قطاع منهن اخذ بالبروز في السنوات الاخيرة وبدلا من ان يستعمل القانون، قانون حماية المرأة، للدفاع عن النفس شرع باستعماله للهجوم بالضبط كما فعلت المرأة الامريكية وبعدها اليهودية في بلادنا.. فالعربية كما تقول القصة.. كما قلت لك في القصة الكثير مني.. ولكنها في النهاية تقدم الكثير مما يعيشه المئات والآلاف من الرجال والنساء في مجتمعنا التائه.

* كيف كانت علاقتك بأولادك هذه الفترة؟ لأنه واضح ان العلاقة خفيفة جدا ..صحيح (في ادراج حمر)
– كما قلت ضمن اجابة عن سؤال مماثل سابق اقول هنا ان علاقتي بأبنائي طيبة.. وقد عدلت في صورة الابناء عندما تحولت ادراج حمر الى رواية. في هذه القصة بالمجمل تحدثت عن معظم الابناء في فترتنا الراهنة وعن قسوتهم ضد اهاليهم. اعتقد انني ابتعدت في هذه القصة بالذات عن الصورة الحقيقية لأبنائي وتوجهت الى الصورة العامة الملآى بالقتامة.

* “ادراج حمر”.. ما القصد باللون الاحمر؟
-اللون الاحمر حافل بالمعاني والايحاءات الرائعة والايجابية انه لون حافل بالتناقضات.. فمنه اخذت كلمة خطوط حمراء.. هل اردت ان اشير الى هذه الخطوط وما تخفيه وراءها من محبة؟ ربما.. فالكتابة في المجمل وفي احد ابعادها العميقة تعتبر تحذيرا وقرعا لناقوس الخطر.. لقد اردت في هذا القصة بالتأكيد وفي معظم اذا لم يكن كل ما انتجته من كتابات قصصية وروائية.. ان اقرع هذا الناقوس وان انبه الى مخاطر الفترة الانتقالية الراهنة في مجتمعاتنا العربية.

* في قصة الكونكورد.. ماذا تعني لك الطائرة؟
-الطائرة في هذه القصة هي استعارة ادبية اردت توظيفها للربط بين عالمين عالم صنع الطائرة واخر استهلكها، العالم الاول هو الغرب والاخر هو عالمنا الذي اصطلح على تسميته زورا وبهتانا بالعالم الثالث. انها تعبر عن مسافر شرقي بعيد عن الطائرات رغم انه سافر كثيرا فيها وعن ابنائه الذين يمتطون الطائرة اول مرة في رحلتهم الى الغرب. الاب يخفي خوفه ويحاول اسقاطه على ابنائه والابناء غير خائفين وعندما تظهر الحقيقة يحتضن الأبناء الذين يركبون الطائرة اول مرة اباهم صاحب التجربة الواسعة بين قوسين في الطيران وعالمه، ويربتون على كتفه طالبين منه الا يخاف.. هل اردت ان اقول في هذه القصة ان الجيل الجديد من ابنائنا اخذ يتفهم الربط بين عالمين متعارضين احدهما صانع والآخر مستهلك؟ وهل اردت ان اتنبأ بجيل اكثر واقعية واكثير تفهما من سابقه؟ اعتقد هذا.

* في قصة “رغبة الكتابة” ما معنى اللباس؟ هل له اهمية لديك؟ لان امك كانت دائما تعطيك الملاحظات بالنسبة للباسك…
-تغترف هذه القصة كما اغترفت بقية قصصي مادتها الاساسية من تجربتي وحياتي، وهي تجسد نظرة امنت بها منذ البدايات الاولى حتى هذه الايام. هذه النظرة تسبر عمقين في التجربة الانسانية للإنسان المبدع خاصة، احداهما تشدد على اهمية العمق في النظر الى الذات والابتعاد عن القشور التي لا تعني شيئا في النهاية، والاخرى ترى ان الانسان الجميل الخلاق يبدأ من الداخل الى الخارج وليس العكس.. وهذا ما عملت به رغم معارضة الكثيرين طوال ايام عمري غير عابئ بانتقاداتهم وملاحظاتهم.. فقد قالت العرب المرء بأصغريه قلبه ولسانه ولم تقل بملابسه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق