قراءات ودراسات

طغيان الطبيعة و قمع الحكومات ،نفي الملائكة وقتل النوادر

رواية (( خانة الشواذي)) للروائي عبد الخالق الركابي

بقلم :- حميد الحريـزي

خانة الشواذي :-
العنوان في الرواية يشير الى مراتبية الواقع الاجتماعي العراقي ، خلال الحكم الملكي للعراق ، وتقسيم البشر الى مراتب وطبقات \ المراتب العليا من ذوي السلطة والجاه والثروة، وطبقة وسطى من الموظفين ولفيف الطبقة الأولى والمصنعة من قبلها ، والطبقة الدنيا المنبوذة والموصوفة بالدونية بحيث تعتبر دون مستوى البشر ملحقة بخانة القرود أو ما يسمى بالشواذي .
كانت وسائط النقل في العراق انذاك تقسم مقاعدها وكراسي الجلوس وفق منزلة الفرد ومرتبته ، فصدر السيارة ومقدمتها للطبقة الاولى والطبقة الوسطى ، اما الاخيرة مخصصة للطبقة الدنيا وقد اطلق عليها ب ((خانة الشواذي))، وقد شهد جيلنا كراسي مصلحة نقل الركاب الحكومية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ذات كراسي اسفنجية في المقدمة الدرجة الاولى ، وكراسي خشبية للطبقات الادنى ولكل منزلة او طبقة تسعيرة او اجرة محددة ، ومجلس الفرد حسب امكانية دفعه بين طبقة الأوادم او طبقة الشواذي .
وما زالت بعض رواسب هذه الثقافة موجودة حتى في حاضرنا الحالي فكراسي مقدمة السيارة الصالون على الخصوص تكون ارفع منزلة واغلى اجرة من سواها او من كراسي ومقاعد الخلفية ، والجالس في صدر المجلس في المجالس والدواوين والدوائر هو الارقى والأرفع درجة ومرتبة من المواقع الاخرى .
فخانة الشواذي هي المكان المخصص لربط السجناء السياسيين المنفيين في السيارة التي تجلبهم من الكوت الى منفاهم في بدرة .ومنها سيارة دك النجف ملكية بشير و ناظم ومن بعدهما ولديهما نادر وفيصل .
طبيعة الصراع في (خانة الشواذي)):-
تذكرنا رواية ((خانة الشواذي)) ، مكانيا وحكائيا برواية مالم تمسسه النار للروائي عبد الخالق الركابي، كما تذكرنا برواية ((المبعدون)) للروائي المرحوم هشام توفيق الركابي حيت تستعرض حياة السجناء السياسيين وبالخصوص من الشيوعيين وعموم اليساريين المبعدين الى ناحية بدرة الحدودية النائية من مختلف سجون العراق المركزية ، بدرة في الوسط والجنوب النائي و قلعة راوندوز في الشمال الجبلي القصي ، حيث يصعب على السجين تدبر أمره عند محاولته الهرب من بدرة أو راوندوز أو من نقرة السلمان ، لكونها مناطق معزولة ومحاطة اما بالمتاهات الصحرواية أو الجبال والوديان المسكونة من قبل الضواري المفترسة كالذئاب والضباع وغيرها.

تظهر الرواية وبأسلوب ضمير الغائب للركابي القدير الشيق والرشيق طبيعة الحياة والبساطة والجمال في بدرة ،مدينة البساتين والسيول ، وارتباطها بالصراع السياسي والأجتماعي الدائر في العاصمة بغداد في ذلك الوقت .
مبتدئا بمأساة أم بشير التي اقتيد ولدها الى الخدمة العسكرية تحت أمرة العثمانيين الاتراك ، وبعد سنوات من الغيبة والمعاناة تمكن من العودة الى بلدته من العاصمة الأرمينية يرفان مصطحبا معه زوجته الأرمنية كرستينا التي خلصها من استعباد الاتراك ضمن هلكوست الارمن وما فعلته السلطات التركية بهم وإبادتهم بمجازر تضاهي ان لم تفوق على هلكوست اليهود من قبل النازية الألمانية ، للركابي حسنة استذكار هذه المجزرة الوحشية المرتكبة بحق الأرمن التي تناستها البشرية وأغفلها الضمير الانساني وكأنها لم تحدث رغم ان شواهدها وشهودها لا زالوا موجودين ومنهم الأرمن في العراق .ومنهم المنفية السياسية محور الرواية الشابة المناضلة ((ملاك عيسى )) التي مات حبيبها المتظاهر ((يعقوب)) ضد معاهدة بور تسموث الاسترقاقية ، حيث قتل برصاص أجهزة السلطة القمعية وأودعت هي في سجون السلطة .
رافقت كرستينا زوجها بشير صحبة ولدهم الوحيد نادر هذا النادر حقا حيث الوسامة والعيون الزرقاء الجذابة كعيون والدته وأخواله بالتأكيد ، فجمع بين الملاحة العربية والفطنة العراقية والحسن الأرميني المدهش.
ناظم الفطن الذكي يحضى بإعجاب ورضى الضابط الانكليزي لحدت ذكائه وفطنته وقدرته على الأبتكار في تشغيل وتصليح أيّة أداة تتعرض للخراب أو العطل ، حيث تمكن من أعادة سيارة انكليزية ((قجمه)) الى الحياة بعد أن القيت في السكراب ، فأهداها الانكليزي له ملكا خاصا باسمه تقديرا لجهده وعبقريته .
الحميمة والطيبة العراقية وحالة التضامن بين ابناء الطبقة المسحوقة المقهورة في العراق ، دفع ناظم لأشراك بشير في العمل على السيارة للنقل بين الكوت وبدرة حيث وجد بشير نفسه بلا عمل بعد عودته من أرمينا ،رغم صعوبة قطعة المتاهة الصحراوية بين المدينتين ، والتي راح ضحيتها ناظم عندما فقد خط سيره فمات جوعا وعطشا واكلته النسور ، فتولى قيادتها نادر وفيصل الى ان حصل الخلاف بينهما بسبب انتماء فيصل الى قوات الأمن الحكومية وتخصصه في جلب المنفيين السياسيين من الكوت الى بدرة مقيدا اياهم في مقاعد خانة الشواذي، في مشهد لا انساني يثير الاستنكار والشجب من قبل نادر وبذلك تمكنت السلطة من كسر حالة التضامن الطبقي بين الصديقين الحميمين…
صعد الصراع بينهما جلب الحسناء المناضلة الأرمنية ((ملاك عيسى)) من الكوت الى بدرة مقيدة اليدين في السيارة التي يقودها فيصل ، وحينما تصل بدرة يطلب منه امر المركز بأن يستضيفها في داره لحين تأمين بيت يخصها بمعزل عن المنفيين الرجال ،وقد حصل ذلك بالفعل ، مما اثار مشاعر الرغبة الذكورية بالحسناء الجذابة من قبل فيصل ، ولكن من أستحوذ على قلبها الوسيم نادر الذي تعرفها خلال زياراتها المتتالية لبنت قوميتها كرستينا أم نادر ، حدث بينهما ود ولقاء فعناق فاحتضان فممارسة مستجيبة للعواطف الشبابية الفوارة حينما أحتك جسديهما ببعض في ((بيتونة)) دار نادر ، مما نتج عنه حملا غير مرغوب لملاك ، فقررت الهرب من سجنها لإنقاذ نفسها وجنينها وكسب حريتها بمرافقة وتخطيط وتنفيذ نادر ، مما جعل فيصل تحت طائلة المحاسبة ، فاستشاط غيضا وغضبا لان نادر سلب منه ملاك كما وضعه تحت طائلة القانون لأنها هربت من بيته ، فأقام الدنيا ولم يقعدها الا بعد أنْ تمكن من معرفة خبر القاء القبض على نادر وسجنه في الكوت بعد ملابسات هربه مع ملاك بمساعدة المهربين وتعرضها للنزف بسبب طول وعورة الطريق بين بدرة ومندلي مما سبب لها الاسقاط و الموت في مستوصف مندلي .
قصده فيصل مقررا القضاء عليه عندما أصطحبه من الكوت الى بدرة بسيارته رفقة طاهر منذر الرجل المثقف والد طه ، وتعرضهم لسيل جارف مما أدى الى موت نادر غرقا وهو مقيد الى الكرسي في ((خانة الشواذي)). وموت فيصل نتيجة لجرفه من قبل السيول وأصابته بطلق ناري من قبل طلال محاولا تخليص نادر وفك قيده ورفض فيصل للاستجابة على الرغم من غوص السيارة في مخاضة عميقة .


تمكن الشرطة المسعفين من انقاذ حياة طلال في اللحظة الأخيرة حيث كان معتليا سقف السيارة، ولكنه يتعرض للاعتقال والتحقيق بعد شفائه ،بتهمة مقتل رجل الأمن ((فيصل))، فيودع في سجن بغداد المركزي ، ثم يقتل من قبل قوات الشرطة لقمع أحتجاج وتظاهر السجناء بتاريخ 18 \6\1953 وأرتكاب مجزرة كبيرة بحق السجناء العزل وتستر الحكومة على جريمتها مما جعل مصيره مجهولا حتى كشف عنه المحامي نجيب رفعت الذي اصبح قاضيا بعد حين وكشف الأوراق السرية لقوات الامن .
نجيب رفعت نموذج للإنسان الذي ينتصر لإنسانيته ، ويساند قضايا المهمشين والمظلومين ويدافع عنهم في المحاكم دون مقابل ، وهو نموذج للانسان الذي يترفع على أنانيته الطبقية كرجل ثري ومن عائلة ثرية ليصطف مع اخيه الانسان ، فان ظلم وقهر وقمع وإذلال أي انسان على الكرة الأرضية يعتبر شرخا لكرامة الإنسان الحر اينما كان ان لم ينتصر لأخيه المظلوم وكذلك كان المحامي نجيب رفعت البغدادي العراقي الثري ، يذكرنا وأن لم ينتمي للشيوعية ، انجلس الثري ابن الثري رفيق ماركس وانتصاره لقضية العمال والكادحين على الرغم من كونه من الطبقة البرجوازية الثرية ، وكأنه الضد النوعي لحقارة ودونية الفقير المعدم ابن الكادحين فيصل الذي تنكر لطبقته ووظف نفسه لخدمة الطبقة الحاكمة المتسلطة .
كما يمتعنا الروائي بشخصية كاتب العرائض كرم أفندي شقيق زوجة طلال منذر، فقد كان شخصية ظريفة خفيفة الظل ، تعيش حياتها يوم بيوم رغم كل الصعوبات الحياتية كان اب لعدد متزايد من الابناء الذي كانوا مرة ينامون متخمين وأخرى جياع ، فكان اكرم يؤمن بمقولة ا نفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب .
كما توضح لنا الرواية دور المثقف الواعي ((طلال منذر)) الذي كانت تأتيه الكتب والمجلات من مختلف البلدان العربية ، القاريء النهم وهو القائل (( القراءة يا أصدقائي من أعظم نعم الله على البشر فهي تزيد من سعة الأرض ، تجعل من يتعاطاها يعيش عوالم السحر والخيال )) رص 79 ، وكان هذا رده على من يلومه من اصدقائه على اتلاف نظره ووقته في القراءة بشكل مستمر ، ناهيك عن كونه يحب الطرب وعازف عود وصاحب صوت عذب ومتمكن من تقليد اصوات العديد من المغنين والمطربين …
كما ان الروائي يحبب القاريء ويعرفه بمدينته بدرة الجميلة ، بدرة البساتين والكلال، فهي المدينة التي تضاهي بجمالها اجمل مدن العالم ومنها مدينة ((يرفان)) عاصمة ارمينا التي كانت محط اعجاب بشير والد نادر حيث عاش فيها عدد من السنوات مع حبيبته كرستينا .
ان رواية ((خانة الشواذي)) بحبكتها الرصينة وسردها المتقن واسلوبها الرائع زودتنا بدرس بليغ حول طبيعة الصراع الاجتماعي بين الظالم والمظلوم بين السلطات القمعية وبين حملة الافكار الانسانية من اليساريين والشيوعيين وأعداء الحرية الحكام ، فيطارد ويقتل الملاك ويسقط جنين العلاقة خارج الشرعية السلطوية بين الملاك الواعي، وال((نادر)) الرافض للقبح والجريمة والمحب للحياة من الطبقة الفقيرة .
كما يؤشر لنا مدى القهر الذي يلاحق القومية الأرمنية من كل السلطات القمعية سواء اكانت تركية أو عراقية ، كما حصل لكرستينا وقومها وما حصل لملاك وفكرها وحبها وجنينها الذي يفترض ان يبشر بحياة اجمل وأفضل باقتران الفكر والجمال النادر بالملاك الواعي .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق