ثقافة السرد

ذاكرة جريحة

بديعة الطاهري*

تمتد يدي غربية تبحث عن الأفق المفقود .كل شيء تغير في هذا المكان. تقودوني رجلاي على غير عادتهما متعثرا. أنظر يمينا ويسارا عساني أجد علامة تدلني على الطريق الصحيح . تنتصب في أعماق ذاكرتي حواري واسعة تمتد داخلها بيوت تبدو للناظر من الخارج  أمكنة عادية ،تتلقف كل يوم العائدين من أعمالهم، التواقين  لساعات نوم تبدد  أرق الخارج وصخبه، بينما تنتصب في الداخل غرف تؤثث جوانب الفضاء الواسع. ووسط كل دار حديقة غناء تقيها من حرارة الشمس اللافحة في صيف قائظ يعاود المدينة كل سنة، وتبدد منظر الفراغ العالي في فصل شتائي قارص يأتي معه عادة برياح وأمطار سخية. تتجاور البيوت .وتظل طيلة النهار مفتوحة. تتبادل الأسر الزيارات بدون موعد. تنتصب صينية الشاي  وأطباق الحلوى،  وترتفع التحيا : السلام عليكم، مساء الخير، وتتردد أصوات  الترحيب بكل قادم أو زائر: يا مرحبا… نهار كبير ..

 

أين أنا الآن ؟ كم غبت ؟ وأين كنت حتى أجدني في هذا المكان الغريب؟. تعلو العمارات شاهقة حزينة بلونها الرمادي الغامق.الأبواب موصدة.والصمت يحاصر كل مكان .الشوارع خالية من أهلها. تحضرني صور الأطفال الصغار تنتقل بين الحي و الآخر، كأنما تنتقل من غرفة إلى أخرى .أمشي مرتبكا ، أتلهف لسماع تحية،  أو رؤية ابتسامة .الكل منتصب يمشي دون التفاتة. لست أدري إلى أين ؟.أسال نفسي :لما لم يلق أحد علي التحية ؟ هل تغيرت إلى هذه الدرجة ؟ هل كبر الأبناء وصاروا أجدادا  وغادر الآباء ،  وأصبحوا أمواتا؟.

الشارع يحمل الاسم نفسه :اسم عالم كغيره من أسماء الشوارع المحيطة بالحي: ابن رشد ،ابن سينا ،ابن خلدون ، هي احتفائية لم نكن نعلم معناها ونحن صغار.

أشعر بحرارة تسري في جسدي ، وأنا أتأمل مكان كل بيت. البيوت كانت منبسطة ، والقلوب منشرحة. كنت مذ تطأ قدمي عتبة بيتي استعدادا للخروج أسمع التحيا كالزغاريد تلاحق الواحدة الأخرى. فكرت أن أوقف أول قادم ألقاه ، أو أتعثر في طريقه ، أساله إن كان يذكرني أو يعرفني ؟ إن كان يحتفظ  بذكرى قديمة للعبة” النبلي”( Billes) ، أو “الكارطة” carte” أو “الدس “”  cache cache “في الحي الذي كان يأوينا جميعا. أتذكر.. أتحسس جسدي ، وجهي، شعري.أنا موجود .. لا يبدو أنني كبرت أو هرمت،  لكن كم عمرت ؟ لست ادري ؟  فهل أنا في غيبوبة ؟أم أخطأت  الحي الذي عشت فيه سنين طويلة . لم يحدث يوما أن أخطأت طريقي ؟ السوق اليومي على بعد أمطار، والأسبوعي غير بعيد عنه ،والجامع منتصب تسكن أعاليه لقالق كنت أستمتع بالنظر إليها ، وهي تبني عشها في اطمئنان، وغير بعيد داخل كل بيت كانت “تفليلست ” hirondelle””  تبني أعشاشها وتعود إلى بيتها كل مساء في فصل الشتاء،دون أن تخطئ طريقها. تهاجر، وتعود دون استئذان أو سؤال. لم نكن نجرِأ على لمسها ، أو هدم عشها رغم شغبنا الطفولي. كنا نصيد العصافير في عرصات بيوت بعضنا البعض،ولكن لا احد منا كان يجرؤ على أن يزيل عشها. كنا نخاف مرض” “بوهزاز” parkinson”.لم نكن حقيقة نعرف الاسم الطبي ،  لكننا كنا نتحدث دوما  عن لعنة ارتجاف اليدين التي تقع على كل من يتجرأ على فض عش “تيفليلست”،  فكنا نكتفي بتأملها ، وهي تعيش حميميتها بيننا بكل اطمئنان . كان يومنا الجميل يتوج بلعبة “تفوعلعلت”  نجمع التراب ، ونوزعه حفنات صغيرة هنا وهناك ، بشكل احترافي يجعل الفريق المضاد لنا لا يكتشف آثاره بسهولة.

لا أثر الآن  للتراب .الطريق معبد طويل ، وأنا أمشي …لا اعرف أين تقودوني رجلاي . يتكالب الليل والهدوء ليجعلاني أرتج، ومع ذلك مازلت ابحث عمن  يسقيني آمانا .تصادفني محطة حافلة . لا أتذكر متى زجت هناك . كل الأماكن كانت قريبة. في لمحة بصر نصل بعضنا البعض. لم تكن النساء، في اللحظات الضيقة،  تحتجن إلى أن تغادرن بيوتهن للسؤال عن أحوال بعضهن البعض . السطوح الممتدة توصل بين البيوت .يتم الانتقال من بيت إلى آخر دون إزعاج أو اعتذار .

أنظر من جديد …..مكان الحافلة فارغ .اقترب ، واقتعد مكانا محاولا لملمة قلقي. أسمع دقات تقترب، تدق… وتدق…، كعب عال….حقيبة سوداء… تنورة قصيرة …وشعر مسترسل…. نظارتان سودوان تخفيان شيئا ما .الوجه القادم ! الكعب العالي يدق ،وقلبي يدق كأن شيئا ما يجعلني أتذكر الوجه المتخفي .امرأة كدت أتذكر تفاصيل وجهها .فرحت للحظة .لا بد وأن تعرفني .لا بد وأن تلقي علي التحية،  أن تدلني على بيتي .حتى مخفر البوليس لم أعد أتذكر مكانه. كل شيء تغير وغاب .ثم ما عسى أن يخبروني به في المخفر؟ هل أقول لهم دلوني على بيتي ! خفت أن أصبح محط تهمة ما. من منا لا يعرف بيته؟.سيتهمونني بالكذب،  بتعطيل مصالح الوطن .كيف  أخبرهم أنني نسيت الطريق إلى بيتي ،من منا لا يعرف بيته ! قلت في نفسي: قد يراني هناك أحد ويتذكرني، يسألني عن أهلي، عن أبنائي،عن عملي عن شيء يقتلع هذا النسيان .ولكنني الآن عاجز عن تذكر أي شيء .هل هو الزهايمر ؟ أم حادثة أفقدتني ذاكرتي ؟ كيف نسيت كل شيء !.

تقترب دقات الكعب، ويزيد خفقان قلبي. أنتظر أن تقبل علي القادمة فرحة مهلهة. تقبلني. تحتويني . قطعا أعرفها . ملامحها لم تتغير رغم تقدم سنها ، مازالت آثار الجمال بادية عليها . صورتها تتراقص في ذاكرتي ، ولكنني لم أستطع الإمساك بقرارها . قد تنقذني . تمر للأسف غير مبالية .لا تنظر إلي. تسرع خطاها.. تتلاشى في صمت الليل ..ترمي بسلة المهملات جريدة أتلقفها، أبحث بين صفحاتها …عناوين لا تحرك في شيئا .أخبار الفنانات والفنانين .جرائم .زنا المحارم ..مشاداة كلامية على كرسي فارغ. توقفني رسائل عزاء . أمعن النظر… أحس بشيء داخلي يرجني وأنا أنظر إلى صورة تشبهني . أنا هي . أو هي أنا . أقرا بلوعة الغريب ، ولهفة الغريق:” الذكرى السنوية للمرحوم ..”.أسال نفسي: متى مت ؟متى بعثت؟ الأموات لا يبعثون في الحياة الدنيا .أتابع تصفح الجريدة.  يثيرني عنوان عريض: “الأسباب الحقيقية وراء موت المرحوم المدعو قيد حياته الفيلسوف “. ألمس جسدي. أنظر إلى السماء .ألمح النجوم تملأ أرجاءها. الأرض صلبة. نباح بعض الكلاب البعيدة …زعيق قاطرة مارقة …أضواء سيارات تقطع الشوارع دون هوادة. هي الحياة الدنيا .أواصل طريقي يتراءى لي فندق،  يسألني المضيف عن اسمي. أقول له دون تفكير: الفيلسوف. ينظر إلى باستغراب . أجيب متصنعا ابتسامة في محاولة تبديد القلق الذي استبد به :هو اسم يطلقه علي زملائي ،لأنني لم أكن أقبل بالأمور السهلة. يهز الموظف رأسه ، ويمدني بمفتاح الغرفة .

ألقي بجسدي على السرير. أحس آلاما وصداعا. أصوات غريبة .دوامة صور ضبابية تسيطر علي. أحاول تبين حقيقتها ، لكن الصور تتوالى في سرعة جنونية : مناظر، بيوت ،أنفاق، نار، فوضى، صراخ ، دم…

أستيقظ في الصباح الباكر .أصر على أن أعود إلى المكان الذي كنت فيه البارحة عساني أتذكر أشياء نسيتها. مرة أخرى رأيتها تأتي من بعيد حاملة جريدة تتقدم هذه المرة ببطء .ربما هو الكعب العالي ..أو أرق ليلي. من يدري؟.المهم أنها تقترب . تزداد ملامحها ألفة لدي. تنبثق في ذاكرتي صور للملامح نفسها ، ولكن لطفلة صغيرة تمدني ورودا .تسألني ما أكتب ؟ أقول قصة .تطلب مني أن أحكي لها تلك القصة. أبتسم وأقول :لم تكتمل بعد .لا تفهم كيف . تجري في فناء بيت كبير تتخلله أشجار الليمون والزيتون ،وأشكال أخرى من أشجار الفواكه .البيت كبير كأنه جنة .تعود الطفلة بعد أن تعبت من ركضها الطفولي تسألني من جديد :

–  متى تكبر؟

–  أقول لها:لماذا ؟

تقول : لتكبر قصتك وتكتمل وتحكي لي إياها. ربما يومها أكون بدوري كبيرة وأفهم قصتك .

الدقات القربية تخرجني من دوامتي .أصدم ثانية .لم تنظر إلي القادمة وكأنني غير موجود. وقفت بالقرب مني . قررت أن أتبعها. امتطينا الحافلة معا . وتعمدت الجلوس جانبها. أفسحت لي المكان ،ولكنها سرعان ما انسحبت في جريدتها تتأمل عناوينها . استهوتني  صورة لامراة جميلة شعرها مسترسل. إنها صورتها . دفعني الفضول وتجرأت قائلا : لم تتغير ملامحك ، صورتك وأنت شابة. لم تجبني. ظلت تقرأ وصرت أتابع ما تقرأ. فاجأني العنوان الكبير تحت صورتها “الذكرى الأربعينية للمناظلة الكبيرة…..” حاولت أن أفهم ما يجري. قلت في نفسي هل ضاقت القبور بأهلها ولفظتهم ،أم كل ما أنا فيه هو مدينة أشباح؟ لما هذا الصمت؟ أين الهرج؟، صراخ الأطفال في الحواري.. ؟وبائع الخضر !، وصوت المؤذن !. أين كل ذلك ؟ لما الصمت الرهيب يخيم على الكون؟ هل هو الكون الحقيقي أم عالم آخر ؟لا ليس وهما .الشارع مازال يحمل لافتة بها اسمه كبيرا عريضا، وفي كل بيت ينتصب تاريخ وقصة .مازالت بعض البيوت قائمة لكن ملامحها تغيرت ، كما ملامح الناس الذين صادفت بعضهم . أناس غرباء ،  عيون غير تلك التي عرفتها ذات زمان تعج فرحا. العيون التي أراها الآن، سوداء قاتمة تمرق وبها غضب ،حقد ،كراهية، فراغ . لكن أين بيتي؟.

فكرت في أن أصرخ عاليا عسى أن يلتف الناس حولي وينقذونني من وحدتي وضياعي . تراجعت عن الفكرة أحسست بيد ترجنى . التفت ،فإذا بالطفلة الصغيرة بعيونها الفضولية نفسها تسألني:

هل اكتملت قصتك أيها الفيلسوف .

فرحت لأن أحدا ما يكلمني، ويدعوني باسم حتى وإن لم يكتمل فهو يخصني. فكرت أن أسأل الطفلة عن البيت القديم ، عن اسمها ،  عن عمرها وامتداده. نظرت حولي، كانت الحافلة فارغة ،حتى السائق غادرها. نزلت متثاقلا. أجر رجلاي ويدي تمتد غربية تبحث عن الأفق المفقود .كل شيء تغير .المكان موحش والناس غرباء. تقودوني رجلاي على غير عادتهما متعثرا. أنظر يمينا ويسارا عساني أجد علامة تدلني على الطريق الصحيح……….

* كلية اآداب والعلوم الإنسانية أكادير

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق