ثقافة السرد

الطاووس

أحمد العليو*

حينما شعرتُ أن أمعائي تستجدي الطعام، وقبل وصولي راجلا إلى عيادة الأسنان القابعة في نهاية الشارع لفتت نظري كافتيريا صغيرة فانعطفت بكرشي الكروي نحوها. محل صغير فيه بضعة مقاعد خشبية وطاولتان صغيرتان لم تفلح الأصباغ الجديدة في إخفاء معالم القدم الطافحة على وجهيهما. أنظر في أرضية المحل، أشاهد حذاء بسيطا تمتد منه ساق ناعمة بيضاء. فتتسلق عيناي جسمها حتى تصل إلى الفم الصغير والأهداب الجميلة..

ـ أمرك سيدي!

تلكأ لساني قليلا، سردت لي ما يقدم من سندويشات،فاخترتُ إحداها مع عصير التوت.

ـ دقيقة سيدي!

حين لفظتها مرة أخرى وانصرفت نبت ريشي الذي ظل عقيما في جسدي، المحل الصغير بدا واسعا وعمليات الشهيق والزفير تحدث في جو حُر لا ينغصه شيء، التفتت رقبتي لتفحص المكان، رأيت سيادة الرئيس ببدلته البنية، وحاجبيه المقوسين يبتسمان، ترتفع كفه اليمنى محاذية أذنه اليمنى، وشفتاه تحيك كلمات الترحيب:

ـ مرحبا بك في بلدك الثاني!

ردت شفتاي بابتسامة لا تفضح ما في داخل فمي، ثم عاد حاجبا الرئيس لوضعهما الصخري.

وضعت ورقة نقدية كبيرة. شيعتني المرأة برموشها الجميلة وخديها الأملسين. لحس لساني شفتي اليابستين، تذكرت زوجتي” أين أنت يا زوجتي لتشاهدي زوجك الذي كنتِ تمدين شفتك السفلى المرتخية سخرية منه كيف الناس هنا تقف على أصابع أرجلها احتراما له وتقديرا؟!”

لم أصدق أن هناك من يعيرني اهتماما، فأنا الرجل صاحب الحاجبين الكثيفين المتلاصقين، ذو الأنف الكبير المعقوف، والمنخرين الواسعين المطلين على شفتين ضخمتين. ظللت سنوات أسير في الشارع الطويل في مدينتي التي تجلد شمسها ظهري، ولا أجد سوى العيون المتطلعة إلي من نوافذ سياراتهم تبرق ازدراء بي.

منذ وَطئت قدمي هذه المدينة والناس يحتفلون بي. ولكني أكتفي بهز رأسي. الشقوق التي في قدمي الآن زالت. لم أتلثم بشماغي الأحمر، وأخبئ وجهي كعادتي حينما أسير في شوارع مدينتي الصحراوية التي ينبع منها النفط، بل تركت طرفي الشماغ يلامس كرشي البارز بحرية،وعقالي ينفرج ضاحكا، وملابسي الداخلية الكاتمة مسامات جلدي تتلذذ بالهواء البارد.

أنا متشح بالصمت إخفاء لفمي المشوه حتى لا أكون ميدانا لصولات ألسنة المستهزئين كما في مدينتي خصوصا بعد سقوط أسناني الأمامية، صرتُ أرجم بالسخرية كأني أسطوانة العقبة الكبرى. لم يكن لدي ثمن ضرس صناعي واحد لذلك نصحني أحد زملائي بالسفر إلى شمال الجزيرة لملء الثغرات في فمي، فقبلتُ رأسه الذي انتشلتني من قاع التهكم، وجعلني أرى وجهها الدائري وخديها اللذين أشعلا قلبي المنطفئ، وكلمات الترحيب تضخان في عروقي غرورا، وتغريني بالعودة إلى الكافتيريا فور الخروج من طبيب الأسنان، لا لن أزورها إلا بعد أن أسد الكهوف التي في فمي، ستغريها أسناني اللامعة، وسأحكي لها حكايات الحب، وستغرق في بحر كلماتي العاشقة.

اقتربت من شارع الحلاقين، وما إن حاذيت أول محل وإذا برجلين يتجهان نحوي وقفتُ بينهما وكلاهما يدعواني إلى محله للحلاقة، وأنا ضائع في الزفة بينهما. تعجبتُ منهما فشاربي مرتب وذقني حليق، وهما يتنازعان عليّ. في بداية الأمر كنتُ فرحا بأني صرت علمامهما هنا، لكن بعد مضي ثوان علا الصراخ بينهما وكلاهما ممسك بيد، والشماغ والعقال يضطربان على رأسي، أحسست بأني وجبة دسمة،بدأ لسانهما بالسباب، أردتُ الابتعاد عنهما، وبقوة أفلتُ إحدى يدي فعثرت بساق… سقطتُ على الأرض، تدحرج العقال، وارتمت الغترة وفي جوفها الطاقية فبان رأسي الأصلع، فانفجر الحلاقان بالضحك، وتراءت لي الفتاة تكتم بكفها الناعمة ضحكتها!

*قاص من السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق