قراءات ودراسات

الشابي : بين حياة تناديه وموت يناجي

مصطفـى القلعـي

السنة 1934، شهدت عودة التراجيديا.. تراجيديا لم يكتب فصولها كـاتب.. وإنّما حبك فصولها الزّمان على عادته.. وأبطالها: الشابي والمـوت والشعر والقلب العليل والصديق الرّمز أو أكثـر والوفاء بعهد من خذلوا والتضحيـة أو لنسمّهـا.. الاحتراق. متّكئاً على جذع النخلـة الثالثـة كان يطلّ بنصف عين.. ضجراً كان.. قلّم أظفـاره.. فرقع أصابعه.. داعب خصـلات شعره الأسـود الطويل المنساب على جبينه.. فرك أنفـه الحادّ.. ولكنّه ملّ الانتظـار.. ولم يكن من عادته أن ينتظر.. المـوت هو..

 

الشابي ينسخ قصائده بالسرعة القصوى التي تتيحها يده.. راشح الجبين كان. وكانا يترامقان.. وكان الشابي يعجب من شباب الموت رغم عمره الطويل.. وكان يعجب أيضاً من سواد شعره ومن غزارته.. وكان يعجب أيضاً من نهمه غير المسبوق، فقد كانت الحرب.. لكنّ الشابي كان يعلم أنّ الموت لن يقترب منه طالما الشعرُ هناك تحت النخلة الأولى.. وكان الموت يخشى الشعر ويتحاشاه.. وكان الشابي يخشى الموت ولا يستطيع أن يتحاشاه..

كان الشاعر لا يطمئنّ إلى حضور الشعر حضوراً دائماً. فقد يغيب عنه أيّاماً طويلة. فلا يطلّ عليه.. فيفرك الموت يديه وهو ينظر بنصف عين. ولذلك «شرع أثناء مصيف سنة 1934 في جمع ديوانه «أغاني الحياة» بنيّة طبعه بمصر، حيث تطوّع الأستاذ أبو شادي للإشراف على طبعه. فانتسخه بنفسه بحامّة الجريد، مستعيناً ببعض أدبائها»(2). 
كان الشابي يغالب الشعر ليغلب الموت فقط إلى حين الانتهاء من نسخ «أغاني الحياة».. فحين يحضر الشعر لا يحضر الموت.. والشعر قد يأتي طيّعاً إلى الشاعر فتحيا الحياة. وقد يستعصي عليه.. فيكابد ويعاني ويشقى.. ولكنّه يصرّ ويعاند. يقول محدّثاً عن عناده: «هناك عمل واحد أقوم به مساء كلّ يوم، ذلك العمل هو نسخ الديوان بصورة واضحة لأقدّمه إلى الطبع في مصر. ولكن لا تعجب يا صديقي فإنّني لم يدفعني إلى القيام بهذا العمل وموالاته إلا صديق هنا وجدت منه عوناً لي في العمل ودافعاً ملحّاً إليه. ولولا أنّه يقدم إليّ كلّ مساء ليملي عليّ ما أنسخ ولولا أنّ في قدومه كلّ مساء من مكان غير قريب جبراً لي على العمل لَما استطعت أن أعمل شيئاً، ولظلّت الأيّام تنمو وتذوي وتتلاشى حولي وأنا أمنّي النفس بالعمل ولا أعمل»(3).

غريب ما حدّث به الشابي عن صديقه هذا! لا اسم له. ولا علامة تدلّ عليه.. لا (عَرْش) ولا (دَوَّار) ولا قبيلة ولا قرية ولا هضبة ولا وادي ولا واحة. ويأتي مساءً من مكان بعيد طوعاً دون دعوة. ويهب الشابي جهده دون كلل. بل إنّه يجبره على العمل.. يمنح الصديقُ المجهول الشابي المساعدة بسخاء حين أمسكها عنه الخلان والأقارب والمعارف. تكاد شخصيّة صديق الشابي لغرابتها وغموضها تلتبس بالرّمز أو أكثر. ولا نعرف السّبب الذي جعل الشابي يحجم عن ذكر اسم صديقه هذا؛ هل هو رمزيّة هذا الكائن؟

جاهد الشابي طويلاً من أجل هبة ديوانه إلى من خاب أمله فيهم؛ إلى أبناء شعبه الذين لم يساعدوه، عامّة ومثقّفين، في نسخ ديوانه. لم يشتروا حياتهم منه.. بل أغاني حياتهم. يقول، والأسى يأكل قلبه العليل، والموت، ضجراً، ينتظر متّكئاً على جذع النخلة الثانية: «وعلى ذكر الديوان، فإنّني أقول إنّني نادم كلّ الندم على إعلاني عن طبعه وتكوين الاشتراكات فيه. فقد خِبتُ كلّ الخيبة من هاته الناحية ولم يجبني من أصدقائي ومعارفي الذين كلّفتهم بالترويج للاشتراكات إلا القليل النادر. والأقلّ الأندر هو الذي أخرج بعض التواصيل وأرجع البعض»(4).

لقد خذل الشابي معارفُه وأقاربه. وكانت العلّة تأكل قلبه. وكانت صحّته تذوي. وكانت ثروته كبيرة. وكانت أمواله قليلة. وكانت الحياة تناديه. وكان الموت ضجِراً. وكانت للتراجيديا شروطها. وكان هناك خياران لا ثالث لهما؛ حياة في الحياة أو حياة بعد الحياة. فكان الاستنزاف. يقول: «فلم يبق إلا أن أضحّي… وإنّني يا صديقي أضحّي في سبيل نسخ الديوان بما بقي من صحّتي الواهية. وسأطبع الديوان من مالي الخاصّ وأرهق نفسي في ذلك بما لا أستطيع وبما لو أنفقته على صحّتي لعاد عليّ ببعض الفائدة، أجل سأضحّي بذلك أيضاً بعد أن ضحّيت بالصحّة، وضحّيت من قبلُ بمتع الشباب وراحة العقل وهدوء الأعصاب. وبذلك تكمل التضحية ويتمّ ثالوثها الأقدس المخضّب بالدّماء»(5). والاحتراق كان من أجل الوفاء بعهد من خذلوا ومن أجل الحياة «أغاني الحياة» في الحياة وبعد الحياة.
كان الشابي «نحيف الجسم، مديد القامة، قويّ البديهة، سريع الانفعال، حادّ الذهن، تكفكف رقّة طبعه من غرب عاطفته وحدّة ذهنه، يراه أصدقاؤه «بشوشاً، كريماً، وديعاً، متأنّقاً، طروباً لمجالس الأدب، يحبّ الفكاهة الأدبيّة»*(6) وكان حبّه للحياة لا يقاوم. قال، في 17 فبراير 1934، في قصيدة «الاعتراف» معتذراً لأبيه عن عدم إغراقه في الحزن عليه:

فإذا أنا ما زلت طفلاً، مولعاً
بتعقّب الأضواء والألوان
وإذا التشاؤم بالحياة ورفضها
ضرْب من البهتان والهذَيان
إنّ ابنَ آدمَ في قرارة نفسه
عبدُ الحياة الصادقُ الإيمان (7)

لا مواربة فيما يقول الشابي، إنّها الحقيقة واضحة بسيطة جميلة بهيّة.. حقيقة الكائن البشريّ المرصود.. المرصود من قبل الفتى الشاب الضجر دائماً، ذي الشعر الأسود الطويل المسدل على جبينه وذي الأنف الحادّ. ومن مفارقات الشعراء أنّ الشابي كان مفتوناً بالموت بقدر خوفه منه. ولم يكن يراه شرّاً كلّه. فقد حضرت كلمة «الموت» في عناوين أربع قصائد(8) في «أغاني الحياة»، فضلاً عن حضوره في متون قصائد أخرى كثيرة. يعرّفه فيقول:

هو الموت طيفُ الخلود الجميلُ، ونصفُ الحياة الذي لا ينوحْ
هنالك…، خلف الفضاء البعيد، يعيش المنونُ القويّ الصبوحْ
يضمّ القلوبَ إلى صدره لِيأسوَ ما مضَّها من جروحْ
ويَبعث فيها ربيعَ الحياة 
و يُبهِجُها بالصباح الفروحْ (9)

وكان الشابي حريصاً على كلماته؛ أبنائه وبناته الذين واللاتي سيحفظون وسيحفظن اسمه من الموت، ذلك الشاب المتّكئ ضجراً على جذع النخلة الثانية يفرك يديه. هذا الحرص على كلماته هو الذي دفعه إلى الإلحاح على صديقه الحليوي حتى يكتب مقدّمة «أغاني الحياة». يقول الشابي سائلاً ملحّاً: «إنّني أريد أن أقول لك إذا أتممت نسخ الديوان، فهل أرسله إليك لتكتب مقدّمته أم لا؟ (…) أمّا رأيي أنا فإنّي أوثر كلمة منك على ما يكتبه عنّي أبو شادي، لأنّك تعرف عن نفسي وعاداتي وأطواري النفسيّة والجسميّة ما لا يعرفه، وبذلك تكون موفّقاً في فهمي وفهم شعري أكثر منه»(10)

لكنّ الضجر بلغ منتهاه. وانتفض الموت عند جذع النخلة الثانية. وأزال خصلة الشعر عن جبينه. وتقدّم إلى النخلة الأولى. وصرع عناد الشاعر الشابي ومساعدة الصّديق الرّمز. وتحالفت أدوات الزمان جميعها. وقرّرت التراجيديا أن تفرض شروط تحقّقها. فـ«باغتته المنيّة وحالت دون ما نوى. فقد انتابه المرض بغاية الشدّة، وقصد «تونس» يوم 26 من أغسطس سنة 1934. وبها توفي سحراً يوم 09 أكتوبر سنة 1934. ثم نقل جثمانه إلى بلده «توزر» حيث قبره»(11). فكان أن انهزم الكائن الإنسان الذي اسمه أبو القاسم الشابي بضربة الموت في الحياة. وعاش الكائن الشاعر ذو الدّيوان الذي اسمه أبو القاسم الشابي بضربة الشعر بعد الحياة.. أمّا الموت فقد شوهد متّكئاً على جذع نخلة جديدة يفرقع أصابعه.. فماذا ينتظر المسرحيّون؟

الـهوامـش:

(1) ولد أبو القاسم الشابي الشاعر التونسيّ يوم 24 فبراير 1909 وتوفّي يوم 09 أكتوبر 1934. والشعب التونسيّ شرع في الاحتفال بمئويّته التي توافق سنة 2009.
(2) ترجمة الشاعر بقلم: محمد الأمين الشابي، موقّعة بـ«تونس في 12 من أبريل سنة 1954». وهي منشورة ضمن طبعة ديوان الشاعر «أغاني الحياة»، تقديم وتعليق: عبدالحميد الشابي، وزارة الثقافة، تونس، د.ت، ص10 ­–11.
(3) رسالة الشابي إلى الحليوي الثانية والثلاثون، «أغاني الحياة»، نفسه، ص24.
(4) نفسه، ص23.
(5) نفسه، ص23.
(6) نفسه، ص23.
* الكلام المضمّن مقتبس من «العالم الأدبيّ» ديسمبر 1934 بقلم المغفور له البشير الفورتي عميد الصحفيّين التونسيّين، نفسه، الهامش1. 
(7) «أغاني الحياة»، نفسه، ص154.
(8) قصيدة «خلّه للموت» ص34 و«إلى الموت» ص67 و«يا موتْ» ص83 و«الدنيا الميّتة» ص158 من طبعة الديوان نفسها المذكورة.
(9) «أغاني الحياة»، نفسه، من قصيدة «إلى الموت» ص68.
(10) الرسالة الثانية والثلاثون التي وجّهها الشابي إلى صديقه محمد الحليوي (موقّعة في يونيو 1934): منشور كثير منها في ديوان الشابي «أغاني الحياة»، نفسه، ص22.
(11) ترجمة الشاعر، نفسها، المرجع نفسه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق