ثقافة المقال

جمالِيَّة التَّنافر

“ما هو الآن لن يبقى “
برتولد بريشت

ابراهيم مالك*

في التَّنافُر رؤية جمالية، حِسٌّ جمالي، هذا ما أدركه دارِسو الأدب مُنْذُ القديم وعند مختلف الشعوب والقومِيّات. وهو ما عنوهُ حين تحدَّثوا عن التناقض والتضاد ، عن المؤتلف والمُختلف ، الائتلاف والاختلاف بين الأشياء . وحين أتَحَدَّثُ عن التنافر ـ التضاد والتناقض لا أعني أو اقصد التناقض الاجتماعي بين غنيٍّ وفقير ، مالك ثروة وفاقدها ، فالغِنى والفقر تجلِّيات اجتماعية مفروضة ، قبيحة وموجعة ، وقد فرضها بعضُ ناسنا وهي ليست شَرْطَ حياة وشرط تواصلٍ انسانِيٍّ أو طبيعي وليست شرط تَبَدُّلٍ ، شرط تَجَدُّدٍ وسببًا لِتَجَلّيات أخرى بديلة .
بدايةً، أوَدُّ أن أؤكِّدَ ، ظهرت هذه الرؤية الجمالِيَّة فِطْرِيًا ومن ثُمَّ ، مع تطُوُّرِ العقل ، أصبحت مُدْرَكَةً وجزءً من الإدراك الواعي ، الوعي المدرك أو المُتّصَوِّرُ للأشياء . وكان أرسطو أوَّلَ من صاغ بوضوح هذه الرُّؤية الجمالية التي يمكن أن يوحي بها التنافُر . والتنافر في اساسه ، كما أعتقد ، يعكس رؤية جدلية الوجود والحياة التي تكشِف الانسجام الكوني والإنساني ، الانسجام والتعايش الدائم بين الشيء ونقيضه . وهو ما نراه مثلاً في حياتنا اليوميَّة المُعاشة ، فغالبًا ما يقول الإنسان المُحبُّ لمحبوبه : ” بَحِبَّكْ حَتّى الموت ” .
تخفي هذه الاستعارة أساس فهمنا المحسوس لحقيقة أنَّ الشيء ونقيضه ، يشكِّلان وِحدة ، تشترط لوجودها علاقة قد تكون ظاهرة مرئيَّة ومحسوسة وقد لا تكون مرئية ولا ظاهرة . وهذه العلاقة قذ تكون أساسا وشرطًا للتَّجَدُّدِ
والتَّغيير ، فيصير الشيء خِلافَ ما كان ، أي أنَّهُ يتجاوز ذاته ـ يَتجاوَزُ جوهره السابق ، يتجاوز ما كان نُقطَةً  محدَّدة . وقد أدركَ الإنسان بحكم التَّجْرِبَة ، المُمارَسَة والمُراقبة هذه الحقيقة الفلسفيَّة ذات المَضْمون الجَمالي .
لقد عرف الإنسان أنَّ مُجَرَّدَ كّمِّيَّةٍ من الضَّوْء لا تَعني نهارًا ، فعِندَها يكون الليلُ مُنيرًا ، لكِنْ إذا تراكمت كَمِّيَّة الضوء وزادت كِفايَةً ” نِسْبِيًّا ” ، نقول حينَها :
طلع الفجرُ ، أيْ بِداياتُ الشيء المُغاير لليل ، أي نقيضه وشرط وجوده، طالما هناك شمسٌ وهناك أرضٌ ، وهو ما سُمِّي النَهارُ . لقد أدْرك ذلك جَيِّدًا امرِؤُ القيس ووظَّفَهُ شعرا في مُعلقته حين قالَ :
” أغَرَّكِ مِنّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي وأنَّكِ مَهما تأمُري القلبَ يَفْعَلِ “
لاحَظنا هُنا أنَّ امرؤ القيس أرادَ بِذلك أن يَدُلَ على عِظَمِ حبِّهِ ، فهو قاتل وقد رأينا الشاعر المصري الراحل أحمد شوقي يُرَدِّدُ المُبالغة ذاتها ، لكن في سِياقِ شعريٍّ وموسيقيٍّ مُختلِفٍ ، حينَ كتبَ :
” وَمِنَ الْحُبِّ ما قتل ” .
وتعكس هذا الفهمَ بعمقه حكايةُ الأطفال الشَّهيرة: ” الأرنوب الصَّغير ” .
فهذه الحكاية القصَّة تتحدَّثُ عن مُحاولةٍ تبدو ساذجة ، يُحاوِلُ من خلالها الأرْنوبُ الصَّغيرُ أن يُثْبِتَ لأبيه أنَّهُ يفوقه حُبًّا، فيستخدم المقاييس الأرضيَّة ” الإنسانية ” لتوكيد الفرق الكمّي بين حُبِّهِ وحُبِّ أبيه ، وحين يُحِسُّ باستِحالة ذلك ، يلجأ إلى البعد الما وراء أرضي لإثبات ذلك . ينظر إلى نجمٍ بعيد، فيحسب أنَّ حُبَّ أبيه لن يصلَ هذا المدى ، وقبل أن ينتظِرَ جوابَ أبيه المَعروف:
” وأنا أكثر “، يقفز قفزته القاتلة للدَّلالة على كمِّ حبه الفائق ويسقط بين ذراعي أبيه وينام مُتْعَبًا من هذه المُحاولة المُضْنيَة . ومن الواضح  أن الحكاية توحي بالحديث عن نوم غير مألوف، نومٍ مُستَديم ، يُقْصَدُ به الموت . فالمَوْتُ هو نوم مستديم ومغايِرٌ نوعيًّا للنوم العادي . فدلالات هذه الحكاية واضحة وشفّافة . فالتعبير المبالغ به عن الخبِّ ، التعبير عنه بمقاييس تختلف نوعيَّتُها عمّا ألِفناهُ ، يعني تحوُّلًا نوعِيًّا ، عندها يصير الشيء عكسه ، نقيضه ، يصير الحبُّ موتًا .
” ومن الحبِّ ما قتل “،
أو ما اعتدنا القول :
” بموت في حبك ” ،
فالحب في حقيقته حياة . وما أريدُ أن أؤكدهُ أنَّ التنافُرَ الجمالي هو شكل من أشكال الاستعارة أو التَّشْبيه خدمة للدلالة الموحية . ومع تطَوُّرِ العقل الإنساني تنوَّعت الدَّلالات الجماليَّة وغذّاها بشكل ملحوظ الخيال الإنساني . وتبقى رؤية هذا التنافر في فضاء رؤية جماليةِ

جدلِيَّةِ الكَوْنِ والحياة .
سأذكُرُ مِثالًا آخر يوضح النظرة الشمولية لهذه الجدلية . سأقتبسهُ هذه المرة أيضًا من مُعَلَّقة امرؤ القيس في وصف جواده . جمالية الوصف ، أو التشبيه المجازي ، التي توضح جمالية الحصان ، تكمن في هذه الحركة الشمولية للحصان ، فلو رأى امرؤ القيس الكرَّ والإقبال وتناسى الفرَّ والإدبار لفقدت الصورة ، التي نقلها لنا شعرًا ، فقدت الكثير من جماليتها . فجمالية الأشياء هي في شموليتها . جمال الحصان هو في الصورة المتحرِّكة التي يُقَدّمُها الشاعر لنا بكلِّ شُمولِيَّتِها : ” مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معا ” .
هذه التَّشابيه هي في حقيقة الأمر نعوتٌ لأشياء متنافرة ، هي الشَّيء ونقيضه . وهذا التنافر هو ما يعكس صورة غاية في الجمال . وهذه الصورة تصبِحُ أكثر جمالية حين تكون انعكاسا لجمالية بيئة حياتية . وهو ما نراه ، نلمسه ونحِسُّه ، حين نرى ما يصفهُ عجز البيت الشعري المذكور في المعلقة : ” كجلمود صخر حطَّهُ السيلُ من عل “ فهذه الصورة التي تظهر اندفاع الجواد المُتَخَيَّل تعكس عالما متحركا هو أكثر تعبيرا ناطقا من أيِّ شريط سينمائي وتبقى ماثلة في الحسِّ الإنساني الذي يقرأها ، يراها ويسمعها ويتخيَّلُها وينبهر بجماليتها ، التي هي جمالية حركتها وموسيقاها ، جمالية عالمنا وما فيه من تجليات متنافرة، هي سِرُّ جمالياته . ويجمل بالشاعر أن يوظِّفَ هذه الرؤية الشموليَّة ، واسعة الأفق المُتخيِّل ، في كتاباته . وهذا التنافر ، الذي يكمنُ في أساس حياتنا وعالمنا المتعدِّد التَّجَلِّيات ، وكذلك هذا الشَّبَهُ المُتَخَيَّلُ المُسْتَمَدُّ ” مستعارًا ” من بيئاتنا الإنسانية والكونية ويتعمَّدُ المبالغة المُحتملة ، هما ما يُمَكِّناننا من توظيف الاستعارة الجمالية توظيفًا إبداعيا في الشعر خاصّةً وفي الأدب عامة . وهو ما نراه عند عنترة في معلَّقته الجميلة ، حيثُ يرى شبهًا أو تشابُهًا بين لَمَعانِ السُّيوفِ وبارق خَدِّ مَعْشوقته المّتبسِّم ، إذ يقول في المعلقة :
” وودَدْتُ تقبيل السُّيوفِ لأنَّها لَمَعَتْ كبارق خَدِّكِ المُتَبَسِّمِ ”
لَمَعانُ السُّيوفِ ، إن جُرِّدَتْ من غمدها ، يُشَكِّلُ نذيرًا بالموت ، وكأنَّ عنترة يعني أنَّ ” بارق خدِّك المتبسِّم ” قاتل كالسيوف عند لمعانها ، فالحبُّ يكون قاتلا لفرط حُبِّه . وإذا كان الحُبُّ يعني في الحقيقة حياةً ، فإنَّ فرط الحُبِّ ، أيِّ الزيادة النوعية فيه تُحيلُهُ إلى نقيضه ، تُحيلُهُ موتًا . وهو ما نجده عند جرير في رثائه لزوجه :
” إنَّ العُيونَ التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثُمَّ لا يُحيينَ قتلانا ”
وهو ما نجده أيضا في الموَشَّحِ الرَّقيق الذي تغنّيهِ فيروز :
” كُلُّ السُّيوفِ قواطعٌ إن جُرِّدَتْ
وحسامُ لحظك قاطِعٌ في غمدِهِ “
ولا يَكْتَفي هذا الموشح بالجمع المجازي والتَّشْبيه بين متعارضين : السيوف والعيون ، وبالإشارة إلى ما يوَحِّدُهُما : القتل بالمَعْنيَيْن ، العملي الفعلي والمجازي المُتَخَيَّل ، بل يؤكِّدُ ، وفي هذا جمالية ، أنَّ اللِّحاظ أو العيون قاتلة دون أن تُجَرَّدَ من غمدها . وقد وَظَّف الشاعر الرقيق أبو فِراس الحمداني هذا الفهم الجمالي الذي يمكن أن يتضمَّنَهُ هذا التعارض ، أو جمع المتناقضات في صورة شعرِيَّة واحدة وذلك في قصيدته التي تفيض حنينًا ويتحدَّثُ فيها إلى حمامةٍ سمعها تنوح بِحزنٍ ، فتساءل فيها بألم ، عمّا إذا كانت على علم بحاله وعمّا إذا كانت تنوح هديلًا باكيًا ، وهي الطليقة ، تساءل :
” أيضحك مأسورٌ وتبكي طَليقةٌ
ويسكت محزونٌ ويندب سالي “
وكان في ذلك يُماثِلُ بين حالته المُحْزِنَة في الأسرِ وبين حالة الحمامة الطَّليقة والحرَّة والتي كانت تنشِدُ هديلاً حزينًا ، فأوحتْ  إليه بهذا التساؤل الذي يتضَمَّن هذه المتعارضات . سأسوقُ مِثالًا آخر من قصَّة أطفالٍ معروفة، هي قصَّةُ الجدجد ـ الصرصار ـ والنملة . لفد تناول كتاب كثيرونَ يعنونَ بقصص
الأطفال ، تناولوها بالنقد ، فهي أحادية النظرة وعديمة الجمالية وإيحاءها ضارُّ أدبيًا وتثقيفيا . تتضمَّنُ القصة تقييما للعمل ، احاديَّ النَّظر والفهم ، فهي تمجِّد العمل الجسدي وتتنكَّرُ للعمل العقلي الإبداعي ، كالغناء ، والغناء عمل فنّي . وترى في هذا العمل الإبداعي باعثًا للفقر والجوع . فهي لا ترى في كل عمل قيمة نافعة ومُكَمِّلة لأي مجهودٍ حياتيٍّ . ولا ترى أيَّة
ضرورة لتوزيع العمل .
صورة مُغايِرَة نجدها في قصَّة أطفال أخرى .
تتحَدَّثُ هذه القصة ( الأخرى ) عن فأرٍ اعتاد جمع الألوان وأشعَّة الشمس والموسيقى في الصَّيْف ، في الأيام التي انشغل فيها إخوته ـ أترابهُ ـ في جمع الأكل من الحُقول . وفي أيّام الشتاء قارِسة البرودة وشديدة العتمة أنقذ إخوته من البرد القارس ، أنقذهم بما جمع من ألوان وأشعة شمس ، فأشاعت هذه الدفء في القلوب وأفرح عقولهم وقلوبهم بما جمع من موسيقى في أيام الصيف . فكل عمل ، من حيث هو نشاط جسدي أو ذهني متخَيِّل ، هو وليد بيئة وضرورة حياتية ، يكون عملاً نافعا وهادفًا ، له قيمة ونفعٌ ولا يجوز أن ننتقِصَ من قيمته وضرورته . هذا ما تقوله لنا هذه القصة خِلافًا لقصَّة الصرصار والنملة . فالتنافر يمكن أن يكون من البديع الجمالي إذا ما ابتعد عن الغلواء في التشبيهات وأخذ في الحسبان الرؤية الجمالية لجدلية الوجود والحياة ، ويُشتَرَطُ بهذه الجمالية عدم التعارض والقيم الإنسانية المكتسبة .
وهذا ما حكم فهمي الجمالي عند قراءتي لقصيدة أبي تمّام ـ فتح عمورية ـ ، فلم أجِدْ أية جمالية في قصيدة مُستوحاة من خراب مدينة وحرقها . ولم أستمزج تشبيهات ، استعارات وتعارضات بين الربع العامر ، ربع مَيَّة ، وبين الربع الخرب في المدينة المحترقة ، ولا بين الخدود المُتَوَرِّدَة خجلا وبين خدود المدينة الخربة . فالشعر لا يمكن أن يستوحي جمالياته من مَنظر مدينةٍ مُحترقة . إنَّه تشويه للجميل في الشعر . هذا هو بعض فهمي للجميل  في الشعر ، فهمي لجمالية المتعارضات .

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق