ثقافة المقال

الخط العربي كرافد للهوية الجهويّة

د. محمد الزّكري

بعد نزول الآية القرآنية “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)” (سورة العلق) فطن المسلم إلى حتمية ارتباطه بالقراءة.
والقراءة تعني وجود الكاتب (النخبة) و المكتوب (النص) و القارئ (الجمهور).

وبدأ التحول من “ثقافة الشفاهية” المعتمدة على الراوي، الرواية والمستروي (أي المستمع) إلى “ثقافة التدوين” المرتبطة مع حراك النبي (صلى الله عليه) الكريم وأصحابه (رضي الله) في عملية تدوين القرآن.

سرعان ما ظهرت “الكتاتيب”. والكتاتيب دُوْر محو الأمية استخدمت القرآن العظيم ككتاب يتعلم الصبي والصبية القراءة والكتابة ودينه من خلاله.
بعد عملية محو الأمية ظهرت حوانيت “النـّسخ” . وهى دكاكين متخصصة في نسخ، تجليد، بيع، وتأجير الكتب، وذلك لتلبية حاجة المتعلمين.
وعلى هامش صناعة النـّسْخ تطورت صناعة الورق، الحبر، والأقلام القصبية.
يمكن للورّاق أن ينسخ ما معدله 75 صفحة في اليوم، مع أن هذا يبطأ من سرعة نسخ الكتب فهو أيضا عامل من عوامل غلائها.

ارتبطت الكتابة بالكتاتيب ولكن هناك طبقة “الخطاطين”. فعلينا التميز بين الكاتب والخطاط.
و الخط العربي ليس فوق علاقات “القوة” “ودينامكية التمييز والهوية”.
فعند ومع كل بروز لنوع خط من الخطوط العربية ارتبط ذلك ارتباطا وثيقا بالتيار الذي تبناه، وكان جزأ من خطابهم ومشكل لهويتهم ووعيهم الجماعي.

واستمرار الخطاب المرتبط بنوع الخط هو علامة على فاعلية تلك الجماعة في المجتمع وانقطاعه دلالة على أفولهم.

ولاستمرار هوية نوع الخط عبر الأجيال كتبت كل جماعة كتب بنمط خطها الذي إرتبطت معه لتُبقي على وجودها المعرفي والسياسي.

و تحت ذريعة جودة النـّسخ سنّ الخطاطون معايير جمالية توعّي النـّاسخ والقارئ بالمقبولات والمرفوضات الحسيـّة والفنيـّة لهوية ذاك الخط أي هوية الجماعة.

كما أرتبط نجاح الجماعة بإقناع السلطان من ربط هوية الجغرافيا بخط ما.
فعرفت بلاد بخط دون آخر. مثل الخط الكوفي الذي أسس للهوية الكوفية وهي المدينة التي قاومت المد الأموي. فكانت بحاجة للإنفصال عنها من خلال رمزية نمط خطها.
كما أثر الخط الكوفي في بلاد المغرب. فمن خلال ذلك الرمز المكتنز في الخط الكوفي ومن تشفيرات الطموح المبكر الى الحكم المحلي بعد أن فقدت كينوناتها السياسية تحت غطاء التمدد الأموي.
فنرى ذلك مبكرا في عموم بلاد المغرب من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب إلى موريتانيا من خلال بلورة نكهة خاصة مغاربية للخط الكوفي تحديدا.

كما تبلور الخط الكوفي في الأندلس ليأخذ منحناه الخاص به فنتج عنه ما يعرف ب الخط الكوفي الأندلسي (ويتميز بغلبة الزوايا وهو شديد التأثر بالخط الكوفي). وتبلور في جهة قرطبة بشكل مغاير وعرف بإسم الخط القرطبي أو الأندلسي ( وتكثر فيه الانحناءات والاستدارات، وقد استخدم في نسخ المصاحف والكتب).

وفي الديار الفارسية إجتهد حسن الفارسي على تطوير خط يخص أهل فارس عرف بالخط الفارسي وذلك في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، والذي استخلصه (حسن الفارسي) من خطوط النسخ والرقاع والثلث.

ومع مرور القرون توطدت هذه الخطوط وهذه الرسومات وهذه الأنماط وهذا الحس الذوقي والفني للتحول إلى رافد للهوية الجهوية والجماعية والفرقية.
كما لعبت قواعد وجودة ومعاير كل نوع من الخطوط
دور السياج الذي يحصن كل هوية.

كما لعب عنصر التبجيل المعنوي مصدرا آخر لتعزيز حس الإعتقاد بنمط خطّي عنما سواه في الذهن العربي وبقعته الجغرافية خصوصا عندما يستخدم لرسم النصوص المقدسة.

 
*عربي يقيم في ألمانيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق