ثقافة السرد

شموس باردة

راضية تومي.

شمسهم باردة. أشجارهم تحمل ريحا و ثلجا داخلها. أعشابهم رمادية. أشعر بالبرد تحت شمسهم. أشعر بالبرد في شوارعهم. أفتقد شمس بلدي أنا الغريب في هذه البلاد. أعرف جيدا أنهم يرون غربتي كالعلامة الصارخة على جبهتي، بل في استدارة رأسي و ملامحي و لون شعري. يبقى الغريب غريبا حتى لو صبغ شعره باللون الأشقر. حتى لو تعلم لغتهم و أتقن لكنتهم.
مازلت أشعر بصقيع البحر في ملابسي. مازلت أتحسس جسدي كي أتأكد أن القروش لم تأكله. مازلت أشم رائحة اليود و البول و الغائط. كنا كثيرين نلتصق ببعضنا البعض على سطح زورق بائس. مازلت أسمع الضحكات و البكاء و الصراخ.
أنقَذُونا. أو أنقَذوا من عفى عنه البحر و لم يبتلعه في لحظات جنونه. جمعونا في مركز على الشاطئ. أعْطَونا ألبسة و حساء ساخنا. لكن قلوبنا لم تتوقف عن الخفقان بشدة. مازال البحر يعوم داخلها. يستفزها. يغرقها ملحا أجاجا و طحلبا.
أنا اليوم لاجئ. بأوراق لاجئ. لاجئ ممّا و إلى من؟ لاجئ من الموت الأسود إلى حضن أوروبا البارد. لماذا لا تتدخل أوروبا لوقف الحرب اللعينة؟ لماذا يتذمرون من اللاجئين و مشاكل اللاجئين؟ أَليْس من الأجدر أن يقفوا في وجه الحرب؟ ألاّ تتاجر حكوماتهم بأمن أوطاننا و ثرواتها؟
لا أفهم! البعض يشعل فتيل الحرب ثم يضع القوانين للحدّ من دخول اللاجئين إلى بلده! ماذا تريدون؟ نصيبا من البترول؟ قطعة كبيرة من الكعكة؟ اتركونا بسلام و سنعطيكم براميل بترول تُمسّدون بها بشرة طرقاتكم مادامت كل هاته الملايين من البشر المُقتّلين و المُعذّبين و المُهجّرين أصبحت هي ثمن الكعكة!
لا أفهم. ما زالت خلايا دماغي تتأرجح بعد هذه السنين مثلما كان يتأرجح زورق الهروب. مازالت خطواتي على أرض اللجوء خافتة خفيفة و كأني لست متأكدا أنني أمشي على أرض و تراب. ربما لأن البحر يسكنني منذ هروبي على سطحه الغادر…ربما لأنني سأبقى دوما أشعر بأنني ذلك اللاجئ الغريب الفارّ من وطن مزّقته حرب ظالمة و أطماع مفترسة… ربما لأنني أنتمي إلى وطن واحد ووحيد و أنّ باقي البلدان ليست سوى محطة انتظار لصبح طال غيابه…
أنا الغريب صاحب اللكنة المثالية أو الفاضحة لأصولي، أشعر بالبرد تحت شمسهم في عزّ الصيف. أرتعد و كأن الشتاء حلّ فجأة و اتخذ ركنا داخل قميصي. الغربة عن وطن تغتاله إرادات الجنون و الطمع غربة دامية تستنزف مخزون الذاكرة. يصبح الوطن داخلك شريط صور ملطخة بالدماء. تتوقف الصورة أحيانا و بلا صوت لكنك تسمع في أعماقك انفجار القنابل و سقوط الصواريخ المُدويّة على سقوف المنازل القديمة. تلك المنازل التي صمدت في وجه إزميل التاريخ و لم تفعل أمام زئير الحرب.
ذاكرتي تبرد شيئا فشيئا فأشعر بالخوف من النسيان. أتشبث بضحكات أطفال الحي في بلدتي. أتشبث بدعوات الوالدة. أتشبث بقبلات زوجتي الجميلة…لا طائل من ذلك…
أسير وحدي على الإسفلت البارد و أنا أشعر بالبرد.

 07 جانفي 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق