قراءات ودراسات

موت النظرية في كتاب “الجمالية والعلائق” للباحث بلقاسم عيساني

(مقاربة نقدية)

بقلم: منصور زغواني

1- عن الكاتب:

(عيساني بلقاسم) أكاديمي ناقد ومترجم جزائري، أستاذ الدراسات النقدية والأدبية بجامعة يحي فارس-المدية (الجزائر)، متخصص في الدراسات النقدية الإبستيمولوجية والفلسفة الغربية المعاصرة والترجمة النقدية والمقاربات الجمالية. له مؤلفات في نظرية الأدب والفلسفة المعاصرة، ترجم مؤخرا كتاب “شيطان النظرية”
(Le Démon de la theorie) 2018 للفيلسوف (أنطوان كومبانيون) عن المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، وهذا الكتاب “الجمالية والعلائق.. التلقي-التأويل-التناص-النقد الثقافي-الفكر المركب، تهافت المنهج ونسبية المقاربات” 2019 عن منشورات الاختلاف الجزائرية وضفاف اللبنانية هو آخر كتاب للباحث.

2- التحليل:
(1)
الجمالية والعلائق كتاب نقدي- فلسفي (حر) يتجاوز الطرح النظري المتزمت ليحاول تشييد فهم جديد للنصوص الجمالية من خلال إحداث هزة نقدية (تفكيكية) عنيفة على مختلف الأسيجة المنهجية للنصوص الإبداعية وقلب واضح لمعالم المناهج النقدية المعاصرة وقضاياها الفلسفية وشروطها المدرسية ومقولاتها الإجرائية؛ حيث يؤكد دائما على سعة الجمال أمام ضيق وتحيز النظرية، وعمق وتنوع الإبداع أمام أيديولوجية المنهج النقدي، وقوة اللغة الفنية الحرة أمام ضعف اللغة النقدية المشروطة، وبالتالي يقول بفرضية “سبر غمار النص الإبداعي ليس بوصفه معطى مؤجل أو تابع للمنهج النقدي وإنما باعتباره معطى أولي سابق على التجربة الإجرائية وذو أبعاد مركبة ومعقدة تجعله في انفلات دائم وتمنع أبدي من قبضة المقولات النظرية التحليلية”.

يتناول الكتاب بالبحث والتحليل والنقد عددا من النظريات الغربية المعاصرة والاستراتيجيات القرائية الما بعد بنيوية؛ كالتناص والتأويلية ونظرية التلقي والنقد الثقافي والنظرية النسوية وغيرها من المداخل النقدية المعاصرة التي قدمت نفسها وسيلة قرائية (دقيقة) تمكن الباحث من سبر أغوار الأعمال الإبداعية من زوايا نظر متعددة ومداخل مفهومية متنوعة تضيء كيان النص وتفتت إنغلاقية اللغة الجمالية، تلك المناهج، كما يؤكد الباحث في مقدمته، أدت فيما بعد إلى اعتبار القراءة المنجزة وفق نهج معين قراءة نهائية منغلقة عبر إدعاء نظري يقول بفرضية اليقين والصنمية والوثوقية التي تنماز بها النظرية، حتى غدت تلك النظريات عائقا حقيقيا أمام انفتاح النص على دلالات جديدة مؤجلة دائما مع كل محاولة قرائية جديدة، كما تحدث (جاك دريدا) ذات مرة عن مفهوم “الاختلاف” الذي يحمل معنى المغايرة والتأجيل والمباعدة ومدلولات لزجة تحمل خاصية اللعب الجمالي، بحيث لا تكون دلالة النص محددة سلفا كشكل من الوصاية الأولية والرقابة البوليسية على الأعمال الأدبية ولا تكون علاقة النصوص الجمالية مع المقولات التحليلية هي علاقة بطريركية تقوم على سلطة الأب (النظرية) على الأم أو الأبناء (النصوص الإبداعية)، ولكن علاقة الفن بالتحليل الفني والجمالية بالمقاربات. يقول الباحث: “حسبنا في هذا الكتاب أننا (راجعنا) الغرور التنظيري الغربي، وحاولنا (النيل) من كبره وصلفه بزعم إدعائه لمنهجية ترادف طريق الوصول إلى نهاية الدلالات، ولو بمنطق تحويل اليقين إلى اللا يقين وفي مغامرة واضحة ورفض لعدمية فكرية تتآلف على الإطلاق مع توجهها الحضاري العام” (ص: 11) (التشديد لي). فإذا كان المغزى الأساس من المقاربات التي يطلع بها هذا الكتاب فإننا بدورنا نستشكل الكتاب عبر طرح التساؤلات الآتية: كيف يمكن مراجعة الغرور النظري للمناهج النقدية التي دأبنا على الإمتثال لها عند مقارباتنا النقدية السابقة وفق رؤية معرفية حرة تستجيب لسحر الجمال وتنفر من وهم الإجرائية المغلقة؟ وما الدافع الذي يجعلنا ننادي بتهافت النظرية والمطالبة بمنطق “المعاودة” كطريقة تقويضية جديدة للإجراءات النظرية؟ وهل موت النظرية ضرورة معرفية- نظرية جديدة يفرضها واقع جديد أم أنها موضة ما بعد حداثية تقوم على مبدأ الشك والتفكيك والضدية؟. كل هذه الأسئلة وأخرى يقدمها الباحث (بلقاسم عيساني) في شكل تحليلات معرفية تعبر عن عمق الفكرة وراهنيتها، كما تعبر عن تمرس ودراية بالمضامين والأبعاد المفهومية لكل نظرية أو استراتيجية يقدمها في الكتاب، حتى غدى الكتاب فسيفساء من التحليلات الحرة لمقولات نظرية لا تقف عند حد النقد أو الأدب فقط وإنما تضرب بعمق إلى أبعاد مركبة (أنطولوجية وإبستيمولوجية ولاهوتية وحتى تيولوجية) لتشكل مجتمعة ذاكرة المنهج وتراكمات النظر والاشتغال.

إن كتاب “الجمالية والعلائق” للباحث (بلقاسم عيساني) هو محاولة استشكالية فلسفية (لا يخفى على كل دارس للفلسفة أن المهمة الأولى المنوطة بالفلسفة هي الاستشكال والتساؤل؛ فالفلسفة بالتعبير الإستطيقي هي فن الاستشكال والإفهام والتفهم)، وهو مقاربة ميتا-نقدية عميقة للنظريات المعاصرة وطرح نظري موجه نحو النظرية نفسها، وإذا أردنا التدليل أكثر على الطرح الذي جاء به الكتاب لقلنا “إنه انقلاب نظري على سلطان النظرية”، هو مبحث في فن الشك المنهجي واختبار لقدرة الفكرة على الإحاطة باللغة والجمالية وتساؤل إبستيمولوجي وإستيطيقي في حقل المعرفة والأيديولوجيا والإبداع الأدبي والتنظير النقدي والاشتغال الثقافي.

وقد أطلق الناقد الفرنسي (رولان بارث) في كتابه: “التحليل النصي (تطبيقات على نصوص من التوراة والإنجيل والقصة القصيرة)”، وكتابه: “s/z” صرخة القراءة الحرة للنصوص الإبداعية دونما إلتزام سكولاستيكي بالمقولات الإجرائية للنظرية أو المنهج وذلك كرد فعل عنيف وإنقلاب إجرائي صارخ على الطرح البنيوي الذي انتمى إليه بارث ردحا من الزمن؛ ذلك الطرح الذي يقول بفرضية القراءة المحايثة للنصوص الجمالية دون وضع أي اعتبار للمؤثرات الجمالية والأيديولوجية والقرائية حتى غدى النص، كل نص، مع التقليد البنيوي مجموعة من التشكلات والبنى اللغوية الميتة التي لاروح فيها، ولعل روح التقويض والقلب والتشتيت الدريدية والفوكولدية أثرت هي الأخرى في الرؤية العامة للطرح الفلسفي المعاصر وأكسبت الفكر النقدي مرونة وإنزلاقية واضحتين لم يشهدهما التفكير النقدي من قبل إلا مع بداية الثورة المنهجية على مختلف صروح المعرفة الغربية في مرحلة ما بعد الحداثة، إنها الانعطافة التي أثرت في حركات الفن والعمران والفلسفة ثم تسللت إلى حقول الأدب والنقد مع المفكرين المذكورين سلفا أو غيرهم ممن أغراهم فعل التشكيك والإنقلاب.
(2)
يبرز المؤلف هدفه المنشود وغايته المثلى منذ البداية وهو الوصول بالمنهج النقدي المعاصر، من خلال مقاربة نقدية معارضة تقوم على مبدأ التأني والتعمق وفلسفة المقولات الإجرائية، ليس انطلاقا من سوابق ثقافية أو معرفية توجه فعل التحليل والاستنطاق والتفتيت وإنما من خلال وضع النظرية على طاولة العنف الإبستيمولوجي المطعم برؤية نقدية ما بعد حداثية لا تتعدي الإمساك بالأنظمة الكلية أو “المدلول المتعالى” بتعبير جاك دريدا، ولهذا فإن هدف الباحث هو الوصول إلى نتيجة نهائية رافع عنها منذ بداية الكتاب حتى نهايته وهي القول بنسبية المقاربات النقدية النظرية ونسف كل القناعات الوثوقية التي تجعل من الجمالية استجابة موضوعية سلبية للمقولات النظرية، وإبراز كل تغليف منهجي يعيد تكرار وتدوير مشكلة البنية والدلالة ويجعل النص، رغم كل المحاولات الفاشلة لتحريره، يدور داخل حلقة مغلقة لا نهائية تؤسس لوعي نظري لا يأبه بالجمالية وإنما يجسد فرضيات ميتة، كنوع من التجريب، على مادة حية لا تقبل التدجين أو التحوير. وهكذا كان لزاما عليه “تجريب وجهة نظر جديدة تتمثل في إمكانية فصل التنظير عن التلبس ببعد الحقيقة الميتافيزيقي كما ترسخت صورتها في العقول” (ص: 367)، ولكن السؤال الذي يطفو إلى السطح هنا هو: ما هي هذه الصيغة الجديدة التي تمكن من فصل النظرية عن بعدها الوثوقي؟ وألا تعتبر هذه مجازفة نظرية؟، خاصة إذا علمنا أن وجهة النظر التي سيقدمها الباحث قد تكون هي الأخرى ذات بعد صنمي ميتافيزيقي؛ لأن الفكرة تحمل ميتافيزيقاها وصنميتها فهي متعلقة بالاعتقاد ولا يمكن بحال الفصل بين الموضوع (الفكرة) والذات (الباحث).
يتهم الباحث المنجز النقدي العربي بالقصور والتقليد المنهجي والتوافقية والاجترار والاستبدالية والقولبة والانكباب على عرض مختلف التنظيرات الغربية (ص: 13- 14) دون الالتفات إلى إمكانية “الإضافة” باعتبارها الطريقة المثلى للتثاقف والحوار مع العقل الغربي الذي يتغاير عن العقل العربي (إن صح مصطلح العقل لأن العقل الجامع يجب أن يكون توافقي وناظم ومعمم) في البيئة والذاكرة والتقليد والروح العلمية والعملية، لأن النظرية الغربية تحمل غربويتها كما يسكنها التاريخ الغربي والذاكرة الغربية والبيئة الغربية والاعتقاد الغربي والنظام المعرفي (الإبستيمي بتعبير فوكو) الغربي وتسكنها الأزمات والأوهام والأساطير والآمال والتقلبات والأخطاء الغربية، والأخطر من هذا تحمل الأسئلة الإنسانية الكبرى (بتعبير المسيري) ولهذا فإنها خيطت على مقاس المخاض الفكري الطويل للخطاب الغربي، ولكن ما تجب الإشارة إليه هو أنه، وعلى الرغم، من السمة الاجترارية التي ينماز بها الطرح النقدي العربي إلا أنه استفاد من موجة الوعي الغربي ومن التساؤلات المعرفية الذي قامت بتحريك ذلك الركود المنهجي الذي يقبع خلف التسليم المعرفي أو المطابقة الفكرية مع العقل التراثي، والنظرية الغربية، كما يؤكد الباحث، تؤثث لأفق نقدي يقوم ب”توجيه الرأي ضد الحدس، إجراء محاكمات للمؤلف، للإحالة، للموضوعية، (…) والنتيجة صفاء ذهني في الفكر النقدي المتجدد، فلا يمكن التسليم بعبثية المجهود النظري ما دام في حدود التخمين” (ص: 17 ) وهذا ما يجنبما من مظلة التجريب المتحرر من القيود المنهجية التي تؤسس لإمكانية التعميم والإجرائية وتحمي الفكر من العبث الشكوكي والتضليل الإبستيمولوجي.
ينقل الباحث قول (أنطوان كامبانيون) الذي ورد في مؤلفه “شيطان النظرية” عن علاقة النظرية بالمستقبل: “ليس بمقدور النظرية القضاء على الأنا القارئة خارج مداراتها، فهناك حقيقة في النظرية تجعلها جذابة ولكنها ليست كل الحقيقة، لأن حقيقة الأدب لا يمكن أن تحيط بها نظرية ما” (ص: 15 ) والحق كذلك فليس بمقدور النظرية الإحاطة بالأدب كما ليس لها سلطان على الجمالية وإنما هي بحث في الممكنات الجمالية والثقافية والتعبيرية للإبداع وليس العكس، فالقول بالحقيقة المطلقة للنظرية قول مجانب للصواب بل هو محض غرور منهجي تنظيري بثته بعض الأطروحات البنيوية (بالمعنى العام) التي ادعت الوصول إلى حقيقة النص الأولى، ولكن القول الصواب هو أن النص يتمنع عن التنميط والتصنيف ويأبى أن ينصاع لوهم المنهج ويخفي دائما شروط تأليفه الأولى. إن القراءة العنيفة للأفكار والأيديولوجيات تستدعي ضرورة القلق المعرفي كبداية للتعامل معها ثم الدراية العميقة بالأبعاد المفهومية والتوظيفات التاريخية لتلك الأفكار والأيديولوجيات؛ فالفكرة محملة بجهد إبستيمولوجي يمتد في العمق إلى أول سؤال طرح بشأن ظاهرة ما إلى اللحظة النماذجية التي استقر عليها السؤال باعتباره نظرية أو منهج أو رؤية أو نظام فكري؛ ولهذا فإن حتمية التحيز تصبح ضرورة معرفية لا فكاك منها لنشاط النظرية أو النظام، من هنا يتساءل الباحث عن الكيفية التي من خلالها نستطيع تقدير المسافة المغيبة بين النص الإبداعي بوصفه فنا وبين تراتبات الواقع الذي خلقه وبين الإدعاء بعلمية الفروض النقدية؟ (ص 21 )
(3)
يتناول الباحث في الفصل الخاص بنظرية التلقي أفكار الناقد الألماني (هانس روبرت ياوس) كفكرة “الجمالية والتلقي” و”المسافة الجمالية” و”أفق التلقي” و”أفق الخيبة” و”الانزياح الجمالي” … ولكنه يرى، ورغم شعارات التجديد والإنفتاح القرائي التي أنشدها طويلا رواد نظرية التلقي وعلى رأسهم ياوس وإيزر، أن تلك الأطروحات “النظرية” لم تخرج عن حدود التقليد المنهجي الغربي بل وما هي إلا “تحقيق وتثبيت لذلك الكم المتراكم من المعرفة الناتجة عن المتون المهضومة” (ص: 26 ) ويتهم ياوس بأنه حبيس المركزية الغربية التي تنتظم في كل العقل الغربي وتسيره وفق إبستيم كلي وبالتالي “لا يمكن لياوس إلا أن يكون مرتهنا لها [المركزية الغربية] كونها بيئته الأم” (ص: 28 ). صحيح أن أية فكرة أو نظرية أو طرح أو تجريب أو حتى أية أوهام ماهي إلا تراكمات طويلة ونتيجة لمتون مهضومة إتسقت في التاريخ لتصل إلى “لحظة نماذجية” (بتعبير المسيري) ما تستقر عندها، فلا يمكن بحال الإقرار على صفر ذاكرة بالنسبة لأية فكرة، ولهذا فالفكر الغربي المعاصر هو فسيفساء من الأفكار الشرقية والإغريقية والرومانية والإسلامية واليهودية … فالفكر مشاع بين بني البشر كما أن التساؤلات متاحة بدرجات متفاوتة لكل المجتمعات في الزمان والمكان. فالقول بالتراكم المعرفي ليس نتيجة غير مسبوقة وإنما هو حقيقة يؤكد عليها كل ذي عقل ونظر. كما أن المركزية الغربية من خلال بسط نظرية غربية ما ليست إمبريالية في ذاتها، كما يؤكد الباحث، وإنما تصبح كذلك عندما تصبح وسيلة لهدم الأفكار المحلية وتثبيت الأفكار الغربية وهذا لن يتم، في اعتقادنا، إلا إذا كانت جهة الاستقبال ضعيفة تسلم مباشرة ودون تمحيص نقدي بأي وافد يأتي من الغرب، فالتمركز في النظرية الغربية الموجهة للاستعمال العام ليس “تمركزا حول الذات الغربية” وإنما هو تمركز معكوس، ليس بلغة (سمير أمين)، تمركز عربي حول الذات الغربي “تمركز حول الآخر الغربي”. أما ما يتعلق بالتفكير الأيديولوجي الياوسي (نسبة إلى ياوس) البعيد عن النظرية النقدية فإن ما ينقله الباحث عن (ياوس) في كتابه “جمالية التلقي” يبرز بجلاء ذلك الاستعلاء والمركزية الغربية التي تسكن وعي المفكر الغربي رغم الإدعاء المستمر بالموضوعية والحياد. يقول ياوس: “… بناء على هذه الفكرة [فكرة ورثة الألمان لليونانيين] التي لم يوجد الألمان إلا ليحققوها بمفردهم في صفاتها الكاملة” (ص: 29 ) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تجرد الباحث الغربي، غالبا، من صفة الموضوعية والعلمية لصالح القومية والعرقية والأيديولوجية، وبهذا يصبح النقد حمال لأوجه التفوق والعلية والإمبريالية، وهذا لا يعني أن النظرية تحمل عناصر التمركز الغربي وإنما الشذوذ عن المهمة المنوطة بالنظرية هو الذي يوقعنا في مطبات التمركز.

إن نظرية التلقي لم تنفصل، كما يؤكد الباحث، عن الرؤية المعرفية العامة للفكر الغربي بل إنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الفكري العام وتؤسس أطروحاتها، ليس انطلاقا من النص موضع التحليل وإنما من خلال وعي سابق على التجربة النقدية وحتى عن التجربة الجمالية نفسها. كما أن أفق التوقع الذي يبشر به ياوس لا يمكنه توقع ما هو مطمور في النص الأدبي كما لا يمكن استشراف الأحداث اللاحقة التي يطلعنا بها النص عبر فعل القراءة، ويتساءل الباحث عند حديثه عن مساءلة ياوس النقدية لمنجز (ديدرو) الروائي “جاك القدري” عن إمكانية التنبؤ بما هو آت مثلما بشر ياوس عند قراءته لرواية (ديدرو) بعصر الأنوار من خلال ثورة الرواية على النظام اللاهوتي. يقول الباحث: “هل تصلح لنا هذه الأمثلة المحملة بالأيديولوجيا لنستوعبها في بيئتنا المختلفة؟” (ص: 40 ) وما يمكن قوله بخصوص تخير المنهج للنصوص هو: إن المقاربات النقدية والميتا -نقدية على اختلافها تختار مدوناتها بعناية فائقة ورغبة حماسية تسكنها الأيديولوجيا؛ فنجد مدونات (باختين) مثلا هي الكتابات الكبرى للفيلسوف والكاتب العالمي (تيودور ديوستيوفسكي) وكتابات (ليو تولستوي)، ونجد مدونات (ياوس) هي الأعمال الكبرى ل(ديدرو) و(مدام بوفاري)، ومدونات (دريدا) هي الأعمال الكبرى ل(بودلير) فيما يخص الأدب وكتب أفلاطون وأرسطو وباتاي فيما يخص المتون الفلسفية الكبرى، وهذا يوضح بجلاء فرضية تخير النظرية للمدونة، وحتمية التحيز التي تنخر الأعمال النقدية الكبرى (وليس النظرية الصماء)؛ فتوظيف الإجراءات النظرية يستجيب إلى تلك الرغبة الملحة في الوصول بالتحليل إلى شيء من الحقيقة والثبات والوصول بالنصوص الجمالية إلى المدلولات النهائية. وهذا هو حال التطبيق النقدي؛ لأن النظر ليس كالاشتغال والإمكان ليس كالتحقق والتحيين ليس كالراهنية.

يراهن الكتاب على فرضية تحكم النظريات الغربية وهي الاستمرارية في تاريخ الفكر الغربي والمواصلة المنهجية لجل الأعمال النقدية على اختلاف أزمنتها، وكأننا أمام حالة “طباقية” (بتعبير إدوارد سعيد) أو “هسهسة” فكرية (بتعبير رولان بارث) فالنظريات المعاصرة، حسب الباحث، هي بمثابة أصوات متباعدة وفي الوقت عينه متناغمة تشكل جرسا موسيقيا يرتد في الأخير إلى نظام واحد، هذا النظام هو محصلة التجريب الغربي الذي استقر في شكل فرضيات ونظريات متحيزة بالضرورة إلى التاريخ الفكري الغربي العام. وما يؤكد ما ذهبنا إليه ما ينقله عن (ياوس) قوله: “كيف نجد-إذا- نقدا للشكلانية في تقريرها لاستقلالية الظاهرة الأدبية، وفي نفس الوقت ينظر إليها [والكلام اللاحق لياوس] كتاريخ خاص ضمن علاقته النوعية بالتاريخ العام” (ص: 47 ). ولو تساءلنا بدورنا ما التاريخ الذي يتقصده (ياوس)؟ لقلنا إنه، حتما، التاريخ الغربي الذي ينتمي إليه ياوس وتنتمي إليه أطروحاته وتحليلاته النقدية. ويواصل الباحث نقده لأفكار (ياوس) ويراهن دائما على الاستجابة الموضوعية لنظرية التلقي للتاريخ الغربي العام؛ فرغم الانتقادات التي وجهها ياوس إلى النظريات السابقة إلا، أنه وكما يؤكد الباحث، ينماز في نقده بتسويق تحليلي ولين نقدي وذلك يظهر في تثبيته لبعض الأطروحات السابقة على علتها من دون تكبد عناء قراءتها بعين المتماسف معها باعتبارها منفصلة عن ذاتيته، وبالتالي لا يقوم بنسف الأطروحات السابقة وإنما يزيحها قليلا حتي يفسح المكان لتصوراته النظرية الخاصة بالتأويل والتلقي (ص: 49 وما بعدها ) إن هذا المنظور لا يمكن أن يؤسس لإجراءات جديدة على أنقاض إجراءات سابقة وإنما يكون مجرد إعادة طرح التنظيرات السابقة بروح ميلودرامية جديدة، فالخلفيات النقدية لا تني تمارس غوايتها وسحرها على الألماني (ياوس) وفتنة الأسلاف لا تزال تعمل عملها، بطريقة أو بأخرى، في تحليلاته وآراءه النقدية. وفي آخر الفصل الخاص بنظرية القراءة يصل الباحث إلى القول: “يعجر ياوس وإيزر كلاهما عن إقناع الباحث المتأمل لعملهما من أنهما فعلا اكتشفا مجاهيل آلية جديدة تنقل النقد من التركيز على المؤلف والنص إلى فعالية جديدة تتمثل في القارئ” (ص: 55) ولكن هناك رأي آخر بهذا الخصوص يقول إن نظرية التلقي مكنت النقد من الخروج من براثن نظريات المؤلف والنص إلى أفق أوسع هو أفق المتلقي الذي يجعل العملية الجمالية منفتحة دائما على الإضافة والأثر تحمل دائما ممكنات قرائية جديدة تتمثل محصلتها فيما طرحته النظرية بما اصطلح عليه ب”القارئ الضمني”، وعلى كل حال فإن التعميم الذي خرج به الباحث بعد حديثه عن التلقي هو مصادرة مغرضة لما جاءت به نظرية التلقي، خاصة إذا علمنا أن الكتاب لا يطلعنا إلا على نزل يسير مما جاء به ياوس وإيزر من خلال كتابين فقط هما “جمالية التلقي” لياوس و”فعل القراءة” لإيزر. فكيف يمكن الحكم على نظرية قائمة بذاتها من خلال عرض تحليلي لكتاب واحد فقط؟!
(4)
أما فيما يخص الفصل الثاني من الكتاب والذي يتناول استراتيجية التناص في علاقتها بالنص الأدبي فيشير فيه الباحث إلى أن التناص هو عملية تواشج وتداخل النصوص بعضها مع بعض وحلول الشواهد النصية في النص المتاح؛ فالنص السابق يؤثر في النص اللاحق بطريقة واعية أو لا واعية، والتناص هو نوع من التراكم النصوصي الذي يشتغل في ذاكرة المؤلف فيتم توظيف ذلك التراكم في بنية نصية منفتحة على عوالم نصية عديدة تؤثر في التوجه العام للنص وتنصهر بفعل النظام الكلي داخل ذلك النص من خلال عملية القص واللصق، وبهذا يكون النص ذاكرة نشطة تختزن فيها أرواح النصوص السابقة على شكل “شبحية” أو “طيفية”(من الأشباح specters) (بتعبير جاك دريدا) تعمل عملها وتؤثر تأثيرا مباشرا على كتابة النص وتلقيه، ليس من خلال فاعلية الاستدعاء أو “الحضور” وإنما من خلال فاعلية النسيان أو “الغياب” التي تجعل النص ذو انتماءات غير محددة ولا متناهية؛ أي أنه لقيط لا هوية له وفي الوقت عينه لا ينتمي إلى أي أحد بل إلى العالم؛ أي أن النص لا وجود له إلا إذا امتزج بالعوالم النصوصية السابقة التي تكشف عنها ذاكرة المتلقي والتجارب القرائية له فهو إذن ابن المتلقي لأن النص، كما تؤكد جوليا كريستيفا “إنتاجية”، انتاجية مستمرة يسهم في بناءها وشحنها القارئ بما هو فاعلية نصوصية خارجية. هكذا يغدو النص “هو” و “لا هو” في نفس الوقت؛ “هو” من خلال انتظامه في نظام لغوي وجمالي ومعرفي معين و”لاهو” من خلال عملية ابتحيين التي تتبع النص عبر مراحله “الإنتاجية”؛ ولهذا فإن النص مثلما يحدده الباحث في كتاب آخر بعنوان “التناص”: “محض أمشاج ذاكرة تلملم ذاتها عبر التحوير والتحويل”، كما يشير إلى مصطلح إعادة الكتابة، الذي أشار إليه سابقة في كتابه “التناص”، فإعادة الكتابة تعبر عن الثقافة العالية للمؤلف كما تعبر عن ذاكرة حية ينماز بها النص وتجعل منه إمكانية مستمرة لتوليد للمعاني والدلالات القرائية التي تطفوا إلى السطح مع كل تعاطي متبصر للذلك النص.

إن إستراتيجية التناص، كما يطلعنا المؤلف في هذا الكتاب أو في كتابه السابق “التناص”، تعني أن النص الواحد الذي يبدو كلا موحدا وثابتا يحمل أرواح نصوص سابقة (وحتى لاحقة) وشواهد وشذرات (حاضرة/ غائبة)؛ فهي حاضرة بطريقة طيفية تطارده في شكل أشباح (specters) بحيث تجعل من هويته هوية مستحيلة أو مأزقية، هوية قلقة، أو قل هويات، تعبر عن حالة بينية غير مستقرة (لا إلى هذا ولا إلى ذاك) وتؤثر في النظام البنيوي للنص وتتأثر به في آن، وهي غائبة لأنها لا تحضر في النص بمنطق براني إلا إذا تم استنطاقها من قبل قارئ حصيف يحمل ثقافة عالية في المجالات التي يخوض فيها النص أو حتى في مجالات إنسانية أخرى؛ لأن النص ورغم مظاهر التخصص هو إرث إنساني مشاع لا يني يتراوح بين مجالات إنسانية غير متناهية، حتى يتسنى معرفة وتحديد الموجهات الداخلية السابقة (في شكل شواهد أو معاني غائبة) التي تشتغل داخل النص. هكذا يحقق التناص “التفاعل أولا مع النص المحلي المتاح، ويحقق أيضا الاتصال والتواصل مع الثقافات الأخرى، وأداة من أدوات اختراق الحاجز اللغوي” ففاعلية التناص تترجم الفهم القائل إن “الفكرة مهاجرة بطبعها، [بتعبير سعيد في كتابه “النص، والعالم، والناقد”] ولكن الهجرة تحوير وإخضاع وتحويل ولى لعنق الدلالة الوافدة ومحاولة لتبيئتها، بعد نجاح العمل تضحي مكونا ثقافيا” (ص: 120، 121 ) فالنص يحتوي على عناصر غريبة مهاجرة تأتي من بيئات وثقافات ولغات وتواريخ وتخصصات وتساؤلات متنوعة تنوع المداخل المفهومية التي يحتويها النص وتحتويه، وبهذا فإن عملية القص أو القطع من أجسام غريبة غير جسم النص المتاح ثم عملية اللصق أو الإضافة هي عملية فنية جمالية ولكنها خطرة في الوقت عينه لأن العناصر الخارجية قد لا تتأقلم مع الجسم الجديد التي زرعت فيها (تماما مثل زرع عضو خارجي في جسم جديد) فالاختلاف في الغاية بين العناصر المقصوصة وبين النص المتاح قد يوسع الهوة بين السابق واللاحق وبالتالي سيؤدي ذلك إلى انشطار النظام وتقويض البنية الكلية ويكون ذلك مدعاة للنفور والبعد عن الجمالية. ولكن كل تلك الاحتمالات والمخاطر يمكن تجاوزها من خلال التحوير (تغيير وجهة الشاهد السابق) والتحويل (تفريغ الشاهد السابق من الروح النصية التي تم اصتئصاله منها) واللي (تغيير دلالة الشاهد من خلال شحنه بدلالات جديدة تستجيب لبنية النص الحالي).

يؤكد الباحث انطلاقا من رأي المفكر اليهودي إمانويل ليفيناس أن العلائقية التناصية تتجاوز البعد المادي (التجلي التصي) إلى أبعاد مركبة أخرى تعبر عن وجود “علاقة” بين الأنا والآخر تتيح إمكانية الاعتراف وتلغي “الهوية المفارقة” (ونعني بها هوية الأنا المفارقة لحضور لآخر)؛ فإذا كان وجود “الآخر” شرط أساس لوجود “الأنا” كأنا مكتملة ولكن غير موحدة لأنها تتيح امكانية انوجاد الآخر أو كهوية/ هويات زلقة تنماز بالانفتاح والتذاوت والهجرة، فإن النصوص أيضا تتيح إمكانية انوجاد الآخر عبرها، فالنص باعتباره “أنا” يحمل بين طياته “الآخر/ الآخرين” أو قل “زمان الآخر” بتعبير (ليفيناس) في كتابه: “الزمان والآخر”، ولهذا فإن الآخر (النصوص المتعالقة مع النص المتاح) لا يحتل الهامش أو هو طفرة أو عارض كما أن الأنا (النص المتاح) لا تحتل المركز أو هي أصل تدور حول الهوامش ولكن كل من الأنا والآخر هامش ومركز أو لامركز ولاهامش في نفس الوقت (هذا ولا هذا)، ولهذا فإن فاعلية التناص تكمن في ذلك التلاقي الذي يحدث بين الأنا والآخر؛ بحيث ينصهر كل منهما في الآخر ويتحدا لبناء ذاكرة نصية تنماز بالمرونة والسيولة واللانهائية. هذا وينقل الباحث قولا بليغا يعبر عن فاعلية الذاكرة والاسترجاع التي تميز العقل البشري باعتباره عقلا تصنيفيا نشطا يقوم باستدعاء الغائب في شكل صياغة جديدة تستدعي روح الغائب و”شبحه” فقط أما الجسم الحالي فيتم بناءه عن طريق عملية الخلق والإبداع (بالمعنى التجاوزي فقط؛ لأن الخلق يعني صفر ذاكرة). يقول نيتشه: “ما نتلقاه أو نتأثر به من الأعمال والنصوص والأحداث لا نسترجعه بحرفيته، كما لا نقرأه ببساطة، لأننا لسنا مجرد حواسيب أو آلات، بقدر ما نحن كائنات تعيد الخلق والإنتاج سلبا أو إيجابا، فقرا أو ازدهارا، فإذا كان المعطى هو رصيد ومخزون، فإن الفاعل البشري هو طاقته على التحويل والتوليد أو التصنيع والبناء” (ص: 144 ) هذا يعني أن الابداع يحتاج إلى مواد خام موجودة بالفعل في التاريخ الابداعي البشري، هذه المواد يتم رسكلتها وقولبتها وتقليبها وتفكيكها ثم إعادة بناءها عن طريق الفاعل البشري، فالأفكار على اختلافها هي أفكار الكل، والتساؤلات والإجابات هي أسرار لقيطة تسكن الذاكرة الإنسانية الحية، فالرهان الحقيقي هو الكيفية التي يم من خلالها إعادة استحضار تلك الأفكار والتساؤلات والإجابات في شكل أفكار جديدة تصبح ملكية خاصة للذي قام بإخراجها من صندوق “باندورا” وجعلها تشتغل مجددا في التاريخ وتجدد التاريخ أيضا، ولو تساءلنا ما علاقة هذا كله بفاعلية التناص؟ لقلنا إن التناص يسكن العالم كما يسكنه العالم أيضا؛ فهو يحتوي العالم كما أن العالم يحتويه، وهذا يقودنا إلى عباره (باسكال) الشهيرة: “الكون يحتويني بقدر ما أحتويه”؛ أي يحتويني مكانا وأحتويه إدراكا. هكذا النص يحتوي العالم بأن يختزن في ذاكرته كما أن العالم يحتوي النص بأن يدخله في التاريخ البشري. (يواصل الباحث عرض إستراتيجية التناص ومقاربتها من مداخل متعدده لا يسع المجال لذكرها لأنها مفصلة في كتابه السالف “التناص” وحسبنا ما قدمناه في هذه الأسطر)
(5)
يأتي الحديث عن التأويل في الجزء الخاص بالتأويلية والجمالية الذي يحمل صبغة نقدية عنيفة للأطروحات التأويلية التي ترى أن النص هو يحمل أجوبة محينة يتم اكتشافها بالعودة إلى المؤثرات التي أسهمت في تشكيل النص، فمذ البداية يفند الباحث الزعم القائل بأن “النصوص أجوبة لأسئلة ينبغي فهمها تحريا لوظائف النصوص في الأوساط التي تحل فيها أو تخلقها” ويرى أن الفرضية التأويلية التي تقول إن النص سابق على التأويل ” ما هي سوى أكذوبة اجتهادية تريد وتسعى لأن تتحقق، لأن الذات الناقدة لا يمكنها أن تتلخص من مواقفها الرؤيوية التي تشربت حداثة المعرفة في تراكميتها المستمرة” (ص: 171 ) والحق أن التأويل لا ينفصل عن المؤول بل هو جزء من مخاض طويل من التراكمات والآثار والرؤى والتصورات والأوهام والآمال والرغبات … ولكن لا يمكن لهذه الأسباب أن تكون عائقا أو حائلا دون فهم معين وتأويل مخصوص للنصوص؛ فمن العبث القول “بموت التأويل” لمجرد أنه يرتبط بالنفس البشرية (المؤول)أكثر من ارتباطه بالنص. ولعل الغاية من التأويل هو دخول الذات في الموضوع وتلاقح الساكن مع المتحرك والميت مع الحي حتى يتم تشكيل فهم غير مستقر، لا يقول بالنهائية والوثوقية والإطلاقية؛ فالفهم أفهام والتأويل تأويلا كما أن النص نصوص ولهذا فإن فاعلية التأويل تكمن في أن يخرج النص من حالته السكونية إلى حالة من النشاط تجعله منفتحا على دلالات ومعاني متفتحة لأن المعاني تحمل ظلالها والدلالات تحمل ظلالها أيضا والتأويل يقوم بالكشف عن الدلالات والظلال معا.

ويؤكد الباحث دائما على فرضيته الناظمة في ثنايا الكتاب ككل وهي القول إن المناهج النقدية المعاصرة ما هي إلا امتدادات تاريخية وتراكمات معرفية وتصورات لاهوتية أعيد استحضارها وتشكيلها وبناؤها وفق رؤية جديدة، (أو تغليف جديد كما يزعم) لتلائم منهجية التعامل الجديدة في سياق معرفي جديد أو معاد ترتيبه، كما أن التأويل بوصفة “مجال عرض قرائي متعدد لنص واحد وبشكل لا نهائي” (ص: 175 ) يقترب، حسب الباحث، من تفكيكية (جاك دريدا) التي تؤكد دائما على فاعلية الاختلاف في بناء الفهم والتأويل؛ فمفهوم السيميوزيس اللامتناهية التي اجترحه المنطقي الأمريكي (ساندرس بيرس) التقفه جاك دريدا وذهب به بعيد إلى القول بأنه لا وجود لنهاية الدلالات بل إن التحول الدلالي يكون بين الدوال في حركة بابلية لا نهائية، فالدال لا يشير إلى المدلول ولكن يشير إلى نفسه ويحيل إلى دوال أخرى دون الالتحام بالمدلول. وهذا وجه واحد من أوجه التأويلية المعاصرة وهو الوجه الذي أكد عليه الفيلسوف الإيطالي (أمبيرتو إيكو) في كتابه “التأويل بين السيميائيات والتفكيكية”، والذي ترجمه عن المركز الثقافي العربي السيميائي المغربي (سعيد بنكراد) هذا الوجه سماه إيكو ب”المتاهة الهرمسية” نسبة إلى الإله اليوناني (هرمس) هذا الوجه لا يقول بالتعددية التأويلية وحسب وإنما يقول باللاتأويلية، إن صح التعبير، لأن التأكيد الدائم على قدرة الدوال على الحركة بشكل عشوائي غير منظم يحيل إلى الرغبة الما بعد حداثية في اللعب والعبثية والشذوذ الفكري والبراز المعرفي (بتعبير المسيري)، فالنص تحكمه لعبة الإحالة والتشتيت والتفجير والبعثرة وتشاكلات المعنى اللانهائية وآثار المعاني السابقة والاحقة، الحاضرة والغائبة، الآتية والتي لن تأت، هكذا يغدو النص مجرد مسرح عبثي يقوم فيه الناقد بالتجري وفقا لرغبته لا حسب الحاجة التأويلية لفهم المعاني الحاضرة والمتوارية خلف البني الجمالية المختلفة. ولكن ما تجب الإشارة إليه أن هناك أوجه متعددة من التأويل؛ فالتأويل البنيوي، والمقاصدي، والسببي… وغيرها من الأوجه تختلف اختلافا جذريا عما طرحته المدرسة السوفسطائية أو المارانية- القبالية أو المابعد حداثية؛ لأن الأولى تحاول الوصول إلى قدر من الثبات والحقيقة والمعنى أما الثانية فإن غايتها الوصول إلى حد أدنى من ارتباط الدوال بمدلولاتها، وبالتالي الوصولي إلى خاصية اللعب التي هي، في رأي الهرمسيون، الخاصية الوحيدة لهذا العالم.

يركز الباحث جهده على توضيح بعض السقطات التي وقع فيها التأويل المعاصر، خاصة في تأكيده على الخاصية الخلافية والجدلية التي تنماز بها التيارات التأويلية المعاصرة، وتأكيده على هذه الخاصية هو من باب القول إن تأويل الجمالية يتم عبر قناعات يمتلكها المؤول ويستعين بها في عملية الفهم والتفسير، ولهذا فإن الشروط المسبقة التي توجه عقل الناقد وحسه وعاطفته ورغبته “تكسب المؤول حنكة التعامل مع النصوص وفق رؤية شحذتها قدرة تتوسع كل لحظة من لحظات الاستيعاب العمرفي والتذوق الجمالي” (ص: 221 ) وهذا الأمر بالذا يحيل على الخاصية “الذاتوية” في عملية التأويل كما يحيل إلى إمكانية التفاعل بين الأقطاب الخمسة في العملية التأويلية وهم: (النص، اللغة، المؤول، ثقافة، العالم/ الكون).
(6)
أما في الجزء الخاص بالجمالية بحسبانها رؤية كونية، والجمالية هي تلك الاستعدادات التي يحملها الإنسان باعتباره كائنا محبا للجمال وما يتصل به وكارها لكل ما يتصل بالقبح أو يحيل عليه. وهذه الاستعدادات هي ما جعلت الانسان يجرب العديد من الفنون ويحيا بها فنحن، ككائن جمالي نؤسس “للفنون التي نحيا بها” ونحاول دائما خلق حيوات جمالية تتسم ببعدها الإشراقي؛ فالأدب والرسم والنقد والفلسفة والموسيقى والمنطق … وغيرها من الفنون التي ابتدعها الإنسان طوال قرون عديد تعبر عن وجود ملكة ربانية هي “ملكة الجمال” تجعل من الإنسان صانعا ومتلقيا لفنون جمالية شتى، فالفن، كما يؤكد الباحث، صنع حركية العلاقة مع العالم متخليا عن الصورة الموروثة في النقل المحاكاتي، أي تذويت العالم الموضوعي وامتلاكه من خلال التخلي عن منطق الألفة عدو الجمالية الأول” (ص: 226 ) فالمحاكاتية التي قال بها أفلاطون تجعل من هذا العالم الجمالي الذي ينتجه الإنسان مجرد تكرار لعالم موجود بالفعل. فالأدب، مثلا، لا يوجد في العالم بشكل عيني مباشر ولكن الإنسان الفنان هو الذي يقوم بترصيص البنى اللغوية وقولبتها في قالب فني يعطيها صفة الجمال، واللغة بما هي شيء مشاع ” تعين هوية المعروض الفني ولكنها لا تصنعه ولا تفرض هيمنتها عليه” (ص: 234 ) وهذا القول من الناحية المنطقية قول صحيح إلى حد بعيد، ولكنه من الناحية الجمالية يمكن للألفاظ الجميلة إعطاء شيء جميل كما أن الألفاظ المذمومة الناشزة لا تؤسس إلا للقبيح، وكلا من الألفاظ الجميلة القبيحة هي من اللغة، هكذا يغدو الجميل تضافر واضح بين الغوي والبنيوي والذوق البشري يقدم نفسه في قالب فني يحمل صبغة جمالية متفردة.

ولكننا لو تساءلنا عن مكان تواجد الجمالية في الأدب أو الموسيقى مثلا؟ لوجدنا أن الأمر يبدو مستعصيا لأن الجمال كالروح تماما ينتشر في كل الجسم لكن لا يمكن مشاهدته أو الإمساك به أبدا، وهذا يشير إلى أن الجمال شيء مجرد متواجد في كل العمل الفني وغير متواجد فيه؛ أي أنه محين دائما؛ لأن الذوق والعاطفة والخيال والمزاج كلها عوامل تؤثر، بطريقة أو بأخرى، في الإحساس بالجميل، فقد تساءل (رومان ياكوبسون) عن ما الذي يجعل من رسالة ما عملا فنيا؟ ثم توصل إلى أن العمل الأدبي يتميز عن غيره من النصوص في صفة واحدة سماها “الأدبية” أو كما اصطلح عليها (جون كوهين) “الشعرية” poétique ولكن هل الشعرية في اللغة؟ أم في البنية؟ أم في الفكرة؟ أم في التلقي؟ أم أنها شيء آخر لا ينتمي إلى تلك العناصر كلها أو ينتمي إليها ككل في نفس الوقت؟ ونحن من جهتنا نعتقد أنها تنتمي إلى كل تلك العناصر مجتمعة وتسهم في بناءها: (اللغة، البنية (الأسلوب)، الفكرة، التلقي). وكما يؤكد الباحث، إن “النصوص الإبداعية والتعابير جميعها التي لها طابع فني تستحق الحياة وترتفع عن الظرف التاريخي وتكسب لنفسها الخلود” (ص: 266 ) فهي ليس زمنية بل تتعدى زمان نشأتها لأن زمن تلقيها لا يمكن التكهن به، وهذا راجع إلى القدرة التجديدية التي تجعلها تعود في كل مرة لتدخل الزمان وتؤثر فيه أو تتأثر به عبر فعل القراءة، فالتعالي الزمني الذي تنماز به الأعمال الفنية (الخالدة) يجعلها ذات قدرة عجيب على التشكل والتحول والإجابة عن تساؤلات إنسانية لاحق عن زمن صدورها، وهي أيضا تستحق الحياة؛ لأن “الإنسان يحيا بها” فهي وسيلة للحياة وليس فقط وسيلة للمتعة والجمالية.
وفي نهاية هذا الجزء يقدم لنا الباحث نتيجة وصفية “جمالية” غاية في الدقة عن الجمالية؛ حيث يقول: “الجمالية تعلق وتحقق باللحن والنغمية، وبسمات لعبية تحقق الفرجة، وهذه الأخيرة تصنع الانبهار والمشاركة خاصة بواسطة الكلمة الشعرية” (ص: 274) ولهذا فإن فاعلية الجمالية تكمن في قدرتها على تجدد والإنبهار والصدمة والفرجة، هي تلك القدرة على خلق فضاءات لعبية جديدة تتجاوز الفضاءات الماضية لتشكل نوعا من الإجابات التي تجتاح النفس البشرية في شكل أسئلة لم تستطع البوح بها لأن اللغة لم تسعها، أو نوعا من كسر الألفة والاعتياد الذي يجر النفس إلى الشعور بملل العادة والتكرار.
(7)
يخصص الكتاب حيزا مهما للحديث عن النقد الثقافي والنسوية ويوضح بجلاء الغاية من المقاربة البينية للنصوص الإبداعية ويستعين في ذلك بآراء بعض النقاد كالغذامي وعلي حرب وعبد الله إبراهيم وسارة جمبل ألين سيكسو وغيرهم من النقاد الذين خاضو في مضمار النقد الثقافي. والنقد الثقافي هو بحث عن القبح خلف الجمال، وتمحيص للعبارة الجمالية وترشيح للموجهات الثقافية التي تسكنها، وبحث متعدد التخصصات عن مضمرات الخطاب، هو محاولة لتجاوز خيبة النظرية الأدبية التي حصرت الأدب في اللغة أو النظام إلى تشييد معمار جديد يقول بالعناصر السابقة التي خاضت فيها نظرية الأدب لكنه لا يقف عند هذا الحد فقط بل يبحث عن العنف الثقافي والنظام المعرفي الذي يعمل عمله بطريقة لا واعية في النصوص الإبداعية، “هكذا يكون النص الأدبي هو المتنخب للوحدات الدلالية ذات الحمولة الثقافية (…) فكل جملة أدبية لها ما يؤسسها ثقافية كخلفية فكرية وذوقية” (ص: 273 ) فالنص له أوجه عديدة تتيح إمكانية مقاربته من زوايا نظر مختلفة؛ فنظرية الأدب ترجح كفة الأدبية والجمالية أو العناصر اللغوية بينما يركز النقد الثقافي على العناصر الثقافية المستلبة، ويعتبر أن العملية الإبداعية تتأسس على خلفيات ثقافية-أيديولوجية خطرة تتأثر بالنظام الثقافي العام الذي نشأت أو تكلمت عبره، فالمؤلف الأول (الكاتب) يصطدم بالمؤلف الثاني (القارئ) وكلاهما يستجيب للمؤلف الثالث (الثقافة)؛ لأن الثقافة تقوم بتوجيه الفكرة وشحذ العبارة وتثبيت الاعتقاد وتأسيس الرؤى، والأدب ليس منفصلا عن الثقافة لهذا وجب مقاربته بأدوات ثقافية تمكن الباحث من الوصول إلى الأنساق الثقافية المظمرة التي تنتظم في النص.

أما الحديث عن النسوية فيقودنا إلى الحديث عن خاصية فكرية جديدة تنماز بالتفكيك والمناهضة والضدية وتحطيم السائد، خاصية فكرية تقول بأن الثقافة هي ثقافة أبوية (بيطريركية) والتاريخ هو تاريخ أبوي واللغة هي لغة أبوية وبهذا فإن تفسير العالم يستند على اعتقاد أبوي راسخ يقصى “الأنثوي” ويرسخ “الذكوري”؛ فالنسوية كما ينقل الباحث عن (سارة جامبل) هي “نوع من الإلمام بأدوات المعرفة وأسلوب لقراءة النصوص والحياة اليومية من موقف معين” (ص: 303 ) أو الأجدر القول من “موقع معين للذات” هو موقع الأنثوي حيث لا مكان للثنائيات الإقصائية التي أقامت صرح التفكير الغربي منذ أفلاطون إلى عصر الثورة الإبستيمولوجية في بداية مابعد الحداثة مع مفكري “نقد الأسس”؛ فالتفكير الغربي قام على ثنائيات: الداخل/ الخارج، الذات/ الآخر، الأنثى/ الذكر، الإنسان/ الحيوان، السوي/ الشاذ… وغيرها من الثنائيات الإقصائية التي تعطي الحد الأول كل صفات التفرد والعلية والتفوق بينما تجعل للحد الثاني صفات التشوه والدونية والتبعية. ولهذا فإن المقاومة النسوية تكمن في رد الاعتبار للأنثى ليس كآخر ثقافي (بتعبير دي بوفوار) ولكن باعتبارها كيانا مكتملا يمتلك حق العيش في التاريخ واللغة واستخدامهما وانتاجهما وصوغهما من “موقع الأنثوي”. وكما يشير الباحث فإن موضوعة (تيمة) الجسد أو بعبارة أدق الجنس لعبت دورا فعالا في الكتابات النسوية المعاصرة
؛ وذلك لأن “الجنس مثير بطبيعته كموضوع يتغذى من كل مخيال مريض وشاذ في التفكير الذكوري وما تم التنبيه منه في العقيدة النسوية القديمة، ولذلك يتعرض عند الكتابة حوله إلى نوع من الريبة القرائية خاصة عندما تكتبه المرأة” (ص: 321 ) وذلك يعود إلى أن المنطق الذكوري يرجع الكتابة إلى الذات ويلصقها بها دائما، ويقول بأن رغبة الموضوع تتفوق على رغبة الكتابة، وطبيعة الإفصاح التي تسكن الأنثوي تجعله مجالا خصبا للتعبير عن المكبوتات والنوازع الجنسية المختلفة، ولهذا فإن إتهام الكاتبات بالعهر الفني أو الطفرات الجنسية هو من باب النظر إلى الكتابة الأنثوية على أنها جسد يحمل تمظهرات الجسد الأنثوي المنقوش بصورة ما في المخيال الذكوري، فالكثير من الانتقادات الموجهة إلى الكتابة النسوية هي انتقادات قضيبية لا تخرج عن حدود العضور الذكري الذي ينظر بعين الشهوة أو الخطيئة إلى المرأة، إن الكتابة النسوية، ورغم كونها كتابة الذات، إلا أنها كتابة تعبر عن ذات أنثوية قادرة على دخول التاريخ وفض غشاء اللغة السميك الذي شيده الرجل وليس من خلال “الكتابة بالجسد” أو عبره. أما القراءة النقدية النسوية فهي التي “تقيم أنساق الفكر المتوارية وراء فنية العبارة أو التجنيس النصي” (ص: 332 ) وقد قاد بهذا الفتح نسويات ونسويين (النسوية ليست نظرية للمرأة فقط) كثر من أمثال: سيمون دي بوفوار، غاياتري سبيفاك، جوليا كريستيفا، لويس إريغاري، باربارا جونسون، ومن الرجال: فوكو، دريدا، بورديو، دولوز… وغيرهم من الذين ثاروا على المنطق الغربي المتمركز ذكوريا، فثورة 1968 كانت رجة قوية على كل الأعراف الأوروبية السابقة وحالة فكرية جديدة أعادت الاعتبار إلى تلك المناطق المنهوبة من قبل الغرب الذكوري طوال قرون عديدة كما أعادت الاعتبار للأصوات الهامشية وأعلنت وضعا معرفيا جديدا ينماز بالمرونة والتعديدة والاختلاف الثقافي وبرزت نظريات الحقوق الجديدة كوضع معرفي جديد أسفر عن انشاء باراديغمات مناهضة لما كان سائدا، والنسوية المعاصرة هي حالة من ضمن الحالات الما بعد 1968، إن لم تكن أهمها على الإطلاق فقام الحركة النسوية “باسترداد المنطقة المنهوبة” (كما نقلت سارة جامبل في كتابها “النسوية وما بعد النسوية).

يستعيض الباحث عن النقد الثقافي بالتناص ويرافع عن ذلك بقوله: “الحمولة الثقافية في النص الأدبي وأنساقها المضمرة لها تمظهر تناصي أيضا، ومن هنا يمكن كشف نسقيتها المتوارية من خلال تفتيت الجزيء النصي إلى روافده التي تؤسس خلفيته الفكرية، أي نقرأها قراءة <<عبر – نصوصية>> تمر بالنصوصي والجمالي لتكشف عن تحيزات النص الكامنة تحت جماليته البلاغية” (ص: 10-11 ) ولكننا نتساءل عن حدود التناص. هل تتوقف عند النصوص المكتوبة والمقروءة أم تتجاوزها إلى الاعتقادات والأيديولوجيات المجردة؟ وهل التناص هو تداخل النصوص أم تداخل العوالم النصوصية والغير نصوصية والعيني والمجرد والأنظمة والأيديولوجيات؟. نحن نعتقد من جهتنا أن فاعلية التناص تتوقف عند الذي قيل أو كتب ولا تتجاوزهما إلى الاعتقاد، أما النقد الثقافي فيتجاوز ذلك إلى المسكوت عنه والأيديولوجي والمجرد… وغيرها من أوجه الاستلاب الثقافي. ومن هنا يحاول الكشف عن استلابات ليست معطى أولى موجود في التاريخ كما يحاول التناص الكشف عنه وإنما عن عناصر ثقافية ليست متحققة ولكنها موجودة بالإمكان (موجودة/غير موجودة).

يختم الباحث كتابه بتساؤلات هي كالآتي: “هل تفيدنا هذه النسبية في تجاوز أمراض الانتماءات العرقية والجغرافية والدينية؟ وما أثر ذلك كله على الإدعاءات المختلفة التي تسنها الثقافات الغالبة؟” (ص: 361 ). يبدو أننا أمام معترك صعب وشائك هو معترك النسبية؛ فغدى الحديث الآن هو حديث النسبيات: (النسبية الثقافية، النسبية المعرفية، النسبية التاريخية، النسبية الدينية، النسبية الجنسية “رجل/امرأة”، النسبية السياسية…) وهذا ما أوقعنا في إشكالية جديدة وهي إشكالية الثبات والحقيقة.

3- عن الكتاب:

بلقاسم عيساني، الجمالية والعلائق، التلقي، التأويل، التناص، النقد الثقافي، الفكر المركب. (تهافت المنهج ونسبية المقاربات)، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، منشورات ضفاف، بيروت، ط. 1، 2019. يقع الكتاب في 375 صفحة من القطع المتوسط، يتكون من ستة فصول ومقدمة وخاتمة وملحق لقائمة المصادر والمراجع. الفصل الأول: الجمالية والتلقي، الفصل الثاني: الجمالية والتناص، الفصل الثالث: الجمالية والتأويل، الفصل الرابع: الجمالية رؤية كونية، الفصل الخامس: الجمالية في النقد الثقافية والفكر النسوي، الفصل السادس: الجمالية وتجديد القراءة. أما المصادر والمراجع فهي متنوعة بين العربية الفرنسية فاق عددها المائة مصدرا ومرجعا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق