قراءات ودراسات

مشاهد من رواية (القارورة) تستنسخ الحكاية الجوهرية لرواية دم البراءة لإبراهيم الناصر

رواية (القارورة) للكاتب السعودي يوسف المحيميد

عبدالله السمطي*

ما الذي حدا بالقاص الروائي يوسف المحيميد أن يعيد استنساخ أحد المشاهد السردية التي تمثل بنية جوهرية في رواية الروائي إبراهيم الناصر الحميدان: (دم البراءة)؟ ونعيد السؤال الذي لا نمل من تكراره في مثل هذه الحالات: هل ما حدث برواية: (القارورة) ليوسف المحيميد نوع من الاستلهام أم الاقتباس وإعادة الاستنساخ أم التناص؟ أم هل سطا المحيميد على الحكاية المصغرة داخل حكاية رواية الحميدان، هذه الحكاية التي تمثل مشهد الموت بجلاء، وترتكز عليها البنية الروائية في رواية: (دم البراءة). إننا – كقراء – نعرف خواص التناص، وهو في أبسط تعريفاته الجوليا- كريستيفية: (دمج نص مستدعى في بنية نص حاضر)، أو حسب باختين هو ما يسمى ب(الحوارية) بين النصوص، أو حسب نقدنا العربي الحديث:…

(توظيف الموروث في النص المعاصر، أو حسب بعض التعريفات الأخرى: (دمج بنية نصية كولاجية في نص راهن). وغالباً ما يكون النص المستدعى نصاً مشهوراً في الشعر أو النثر أو الأثر، أو نصاً مقدساً معروفاً كالقرآن الكريم، وإذا لم يكن نصاً معروفاً فإن الكاتب يشير في هامش إلى مصدر نصه المستدعى، سواء كان تناصاً أم استلهاماً. أما في الحالات الأخرى فيسمى اقتباساً أو سرقة، أو استنساخاً. يوسف المحيميد لم يشر إلى أي شيء من هذا كله، واكتفى بإعادة صياغة المشاهد الحميدانية السردية الواردة في: (دم البراءة) في بعض مشاهد روايته: (القارورة).

2-

في الفصل رقم (7) في الصفحات (42-47) من رواية القارورة ليوسف المحيميد (المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2004م) يقع حادث السطو الأدبي، فهذه الصفحات تلخيص آخر، بأسلوب آخر لمشاهد واقعة قتل الشابة الجميلة الصغيرة في حادثة تتعلق بالشرف، هذه المشاهد الواردة برواية: (دم البراءة) لإبراهيم الناصر الحميدان (منشورات النادي الأدبي بجازان، الطبعة الأولى 2001م) في الفصل رقم (5) الصفحات (36-42). ولا تثريب علينا لو قصصنا الحكاية التي تتلخص في أن رجلاً ملثما طرق منزل امرأة عجوز اشتهرت بتغسيل الموتى، فوجلت منه، لكنه طمأنها بأن معه في السيارة (الداتسون) محرم، فتجهز أدوات عملها، وتركب معه السيارة التي تقل امرأة ترتدي العباءة، ثم يمضي بالسيارة إلى خارج المدينة حيث التلال والجبال، ثم يفتح باب السيارة لتنزل امرأة راكضة باتجاه مكان خلف التلال، ويتبعها هو، وبعد قليل تسمع غاسلة الموتى صوت الرصاص يدوي في الأنحاء، ويعود الرجل مثقل الخطى، ويأمرها أن تقوم بعملها في تغسيل الجثة، فتذهب معه خلف التلال، وتقوم بغسل جثة الشابة بألم وحسرة، وهي تدعو عليه لأنه قتل هذه الشابة، فيما يقوم هو بحفر قبر لها مستخدماً الفأس والمسحاة. ثم بعد أن ينتهي من دفنها يحمل غاسلة الموتى إلى بيتها، وفي الطريق تسأله لماذا قتلها، فتكون إجابته: مسألة شرف. هذا هو ملخص الحكاية التي سنعرض نصها الكامل في الروايتين.

3-

يقدم يوسف المحيميد الحكاية نفسها الواردة لدى إبراهيم الناصر الحميدان، وقد قدمها عبر التسلسل التالي:

أولاً: الحفاظ على بنية الحكاية ووقائعها كما وردت لدى إبراهيم الناصر الحميدان في: (دم البراءة)

ثانياً: الحفاظ على نسق حضور الشخصيات الثلاث: (الرجل، المرأة العجوز، الشابة الجميلة.(

ثالثاً: بدء المشهد من بيت العجوز فالانتقال إلى خارج المدينة حيث التلال والجبال، ثم انتهاؤه في طريق العودة.

رابعاً: استخدام التفاصيل نفسها في الحكاية، مثل: أدوات الغسل، وبرميل المياه، والتكفين، وحفر القبر وسط التلال.

بيد أن المحيميد قام بتغيير الأسلوب السردي، وتكثيفه أحياناً، وهذا لا يعني الاختلاف عن البنية الأصلية للحكاية. وفيما يلي نص المشاهد الواردة بروايتي: (دم البراءة ورواية القارورة

هنا مقطع إبراهيم الناصر الحميدان من دم البراءة : طرق رجل ملثم منزل عجوز اشتهرت بغسل الموتى، فطلب منها بعد أن حياها بأن تذهب معه لغسل امرأة متوفاة.. ولم يكن من عادة المرأة أن تسأل في مثل هذه الحالات تقديراً لشعور من يطلب منها مثل هذا العمل باعتباره متأثراً ويكفيه ما هو فيه من ألم وأسى. وهكذا مضت تجمع عدة الشغل والتي هي عبارة عن سطل نظيف، وليفة أو حجر لماع وبعض الأعشاب التي تستخدم في الغسيل عوضاً عن الصابون الذي لم يكن منتشراً ومعروفاً في ذلك الحين إلى جانب منشفة كبيرة بيضاء والكفن.. تضعها جميعاً في صرة نظيفة ملونة وتجعلها على هيئة كيس يحتفظ بهذه الأدوات دون أن تتسرب حيث إن إقفالها يتم عن طريق ربط أطرافها بعناية ولم تنس أن تتوضأ قبل أن تغادر المنزل. لاحت البراري من بعيد غبراء تنتابها العواصف الصغيرة التي تنطلق من الأرض ثم ترتفع إلى السماء بما يشبه الزوبعة التي تستمر في الارتفاع مثل حزمة حتى تبلغ قمة الأفق، وهناك تشكل خيمة تدور في داخلها تلك الأتربة الناعمة التي تشبه الذرور.. ذلك المسحوق الأحمر الذي يستعمل لعلاج العيون من الرمد كوصفة شعبية تباع لدى العطارين.. كما كانت ترى من بعيد بعض الخيام السوداء التي يقطنها بعض البدو الرحل أو الغجر الذين يمرون متعجلين في بعض القرى التي يتبضعون منها ما يحتاجون من الأطعمة ثم يواصلون مسيرتهم إلى الجهات التي يبغونها، وبالقرب من تلك الخيام تسرح ماشيتهم من الأغنام أو الحمير بحثاً عن الكلأ وهي والصغار يتراكضون وراء أمهاتهم حتى تحميهم من الأغنام الكبيرة لترضعهم من ضرعها المكتنز بالحليب.. بينما ثمة بعض عربات الشحن الكبيرة تنقل الرمال من التلال المحيطة بالقرية لإحضارها من أجل بناء المنازل الجديدة وكذلك الجص، وبعض الأحجار التي تستعمل لهذا الغرض، وثمة سوق في أطراف القرية تباع فيه الأغنام التي يأتي بها الرعيان يومياً من أجل تلبية احتياجات أهالي القرية من هذه الماشية، لذا فإن أصوات الباعة والمشترين ترتفع حتى تملأ ذلك الجو الخانق بالغبار الكثيف.

واستمرت العربة تنهب الطريق متحاشية التلال المحيطة بالقرية وسالكة في الوقت ذاته المسارات المعبدة التي تستعملها العربات الأخرى حتى لا تغوص العجلات في طرق وعرة كثيفة الرمال. ومع ذلك فإن السائق كان يميل إلى تحاشي الطرق التي تكثر فيها العربات متوجهاً باستمرار إلى النائي منها حتى لا يلفت النظر إلى ركوب نساء في عربته في مثل ذلك الوقت من النهار، ثم انحرف بالعربة نحو تل عالٍ بدا منعزلاً عن الطريق الرئيسة حتى حاذاه وتوقف حينئذ وترجل من عربته وكأنما ليتأكد من عدم وجود من يراقب سر العربة من الفضوليين رغم انطلاق سحب الغبار في أكثر أنحاء المنطقة، وبعد أن أرسل نظره في عدة اتجاهات عاد إلى العربة وفتح الباب الذي خرج منه، ثم أمسك بمعصم المرأة القابعة بجانبه وسحبها إلى الخارج بعنف فاستسلمت حتى ترجلت من العربة وقادها معه إلى جناح من التل وأوغل معها حتى اختفيا مع انحناءة التل، ولم تعد الغاسلة تسمع شيئاً ولكنه في الحقيقة استمر في قيادة الفتاة حتى تأكد من عمق ابتعادهما عن الطريق.. وهناك أوقفها ثم أطلق يدها قائلاً بصوت أجش:

– تشهدي على روحك النجسة.. ولم يستمع إلى نشيج الفتاة وهي تتمتم ببعض الكلمات المتقطعة لأنه مد يده في جيبه، وخرجت ممسكة بمسدس صغير وضعه على صدر الفتاة، ثم أفرغه فانطلق صوت عدة رصاصات في فضاء التل اختلط بصرخة استغاثة حتى انهارت الفتاة، ووقعت على الأرض مضرجة بدمها، حينذاك تنفس الرجل الصعداء وأعاد مسدسه إلى جيبه وسار من حيث أتى إلى أن وصل إلى العربة، بينما المرأة العجوز كانت تفكر متسائلة أين هي المرأة المتوفاة هل هي في الجانب الآخر من التل؟ ولماذا ذهب إليها الرجل مع تلك الفتاة ولم يأخذاها معهما حتى تقوم بما ينبغي حيالها؟ وتنبهت إلى أن الرجل ارتقى جهة من العربة حيث كان سطحها وأنزل سطلاً بدأ يملأه من برميل صغير في ظهر العربة، ولما فرغ من ذلك أنزل مسحاة وفأساً كذلك، ثم قال مخاطباً المرأة تعالي واتبعيني.. وحمل هو السطل المملؤ بالماء والمسحاة والفأس وسار أمامها.. واستمرا يسيران حتى وصلا إلى مكان الفتاة التي كان جسدها قد تمدد على الأرض، فقال للمرأة – تلك هي الميتة.. فقومي بواجبك. وقفت متفكرة بلا فهم أو تفسير وفتحت وجه الفتاة عن تلك العباءة التي كانت ترتديها، والبرقع الذي يخفي وجهها فإذا بها أمام وجه فتاة جميلة لم تبلغ العشرين من عمرها، حنطية اللون ذات وجه خال من كل تعكير ما زال الدم ساخناً في جسدها.. فمددتها على القماش الذي أحضرته معها وبدأت في نزع الملابس عنها بينما الرجل ابتعد عن مكانها.. واستمرت تعمل حتى خلعت كافة ملابسها، وهي تنظر إلى ذلك الجسد الناعم والشعر الطويل المسترسل، فإذا بها آية في الجمال والتناسق البديع فذرفت دمعة ساخنة عليها وهي تبسمل وترجو من الله أن يستر على كافة بنات المسلمين.. وبدأت تستعد لغسل ذلك الجسد الممدد أمامها بكل ما يزخر به من جمال وإغراء متألمة لهذه النهاية التي لا تعرف سبباً بها بينما خيط من الدم كان يسيل من جانب الرأس ويلوث ذلك الشعر الناعم الأسود الحريري.. وتمتمت ببعض الأدعية وهي تخرج من جرابها تلك العدة المحدودة من أدوات العمل مقربة سطل الماء من الجثة حيث ذرت عليها ذلك المسحوق من (الشنان) والسدر وأخذت تدعكه على الجسد بعد أن أفرغت القليل من الماء حتى أصبح ذي رغوة خضراء مستخدمة ليفة حرشاء، واستمرت تفرغ القليل من الماء وتقلب الجسد حتى تهيل عليه ذلك المسحوق الأخضر مع دعكة بالليفة الحرشاء عدة دقائق حتى تصورت أنها لم تبق من الجسد ما لم تعطه نصيبه من ذلك الدعك لتتأكد أن الجسد قد تبلل جميعه بالماء فقرأت بعض الأدعية واستغفرت الله بصوت متألم وهي تجفف الجسد، وبعد ذلك أحضرت الكفن وبدأت تلف به الجسد الذي بدأ يجف من البلل وتربط طرفيه بطريقة حاذقة، ونظرت إلى الرجل الواقف في الجهة الأخرى من المكان وأخبرته أنها فرغت من الغسل. حينذاك رأته يرفع الفأس ويضرب به الأرض ثم يأتي بالمسحاة ويزيل التراب عن الحفرة التي اختارها حتى يقبر بها الميتة القتيلة، واستمر على ذلك المنوال عدة دقائق حتى نزل إلى داخل الحفرة ليزيد من تعميقها لأن الأرض كانت هشة، وأهوى بالفتاة داخلها والمرأة تنظر إليه بتساؤل: منذ متى وهو يفعل مثل هذه الحفرة يا ترى؟ أهو محترف.. ومضيا نحو العربة يحملان معهما ما استعملاه في إخفاء الجثة (دم البراءة ص.ص 36-41)

يوسف المحيميد

هنا مقطع من جوهر رواية القارورة ل يوسف المحيميد

بيتي صغير ومنخفض في حي العطايف – قالت – ولم يترك لي أبو عبدالرحمن شيئاً، غير بيت طيني تخضه قرقعة الرعد، وهدير السيل، عشت على المسلمين، إما صدقة أو زكاة، وأغسل ميتات المسلمين لوجه الله، وما أرد كرم أهل الميت وإحسانهم. في يوم، قبل أذان العصر بساعة، سمعت الباب، كان ذلك الرجل الملتحي، لحية غلبها الشيب، ودعا لي كثيراً عند الباب، قبل أن يطلب مني أن أرافقه لغسل امرأة ميتة، وقال إن معه في السيارة محرم، كي أطمئن، رغم أنني كنت مطمئنة للرجل، وملامح الخير والإيمان على وجهه، لبست عباءتي بسرعة، وأخذت أغراضي وتبعته إلى الشارع العام، ثم ركبت في المرتبة الخلفية لسيارة نقل، من نوع داتسون، أو هايلوكس، لا أذكر.. ركبت بجانب امرأة شابة، لم ترد السلام، وقد تلحفت كلها بالسواد، بل اكتفت بغشارة من سبابتها كأنما كانت تهلل دون صوت مسموع. انطلقت السيارة وأنا أدعو للميتة وأترحم عليها، وأدعو لها بالصبر والسلوان، دون أن أسمع صوت المرأة بجواري نهائياً، لم تكن تقول: آمين، ولا أسمع لها شهيقاً أو بكاءً، ولم يكن جسدها يهتز، بفعل البكاء. كان السائق الشيخ الكبير يقود برزانة وهدؤ وحكمة. لم يكن مسرعاً أبداً. حين طال بنا الطريق سألته: هل المكان بعيد؟ لم يكن يرد في البداية، وحين سألته للمرة الثالثة قال: توكلي يا امرأة، قربنا نصل! بعد ذلك تلصصت على قدم المرأة بجواري، إذ كانت تلبس حذاء بلاستيكيا أسود رخيصاً، وكعبها وطرف ساقها من أسفل العباءة يكاد يضيء من شدة بياضه، ثم انتبهت إلى خاتم ذهبي مزين بالزركون، في إصبعها الوسطى، فتأكدت أنها فعلاً امرأة، بعدما أصابني وسواس أن تكون رجلاً بعباءة، وقد تآمر عليَّ هذان الرجلان، وفرا بي خارج المدينة، برغم أن الرجل السائق لا توحي ملامحه بمن يرتكب فعلة كهذه، ولكن دائماً نسمع أن المجرمين يستطيعون أن يضللوا ضحاياهم، باكتساب ملامح بريئة وصادقة ونبيلة. اكتشفتُ فجأة بعد هواجسي ووسواسي أننا ننحدر في منحدر شديد جهة غرب المدينة، وأن ليس حولنا غير الجبال والطريق السريع الذي يؤدي إلى الطائف، فلفت انتباهي برميل الماء الأسود المربوط في الصندوق الخلفي للسيارة وقد ترجرج يميناً ويساراً، عندها أيقنت أن الموضوع خطر، وأن نهايتي قد قربت، فقررتُ أن لا أكشف خوفي ورعبي، وأن أتماسك، فسألتُ المرأة بجواري: الميتة أمك؟ فلم تجب، فردّدتُ سريعاً متلعثمة ووجلة: عظم الله أجرك! وكأنني أرثي نفسي، وأترحم على حياتي ونهايتي القريبة جداً.

بعد زمن غير طويل، لم نسمع فيه ثلاثتنا غير أنين السيارة وهي تنهب الإسفلت بشراسة، حتى تطفلتُ ثانية، وسألتها: يا بنيتي تعوذي من الشيطان! فلم تتعوذ، ولم تنطق، فمددتُ يدي لأهز كفها، فصعقتني برودة كفها، وصوت السائق غاضباً: اسكتي يا امرأة! وتعوذي أنت من الشيطان، ولا تشغليني عن الطريق! صمتُّ وقلبي لم يصمت، كان خفق قلبي يشبه خفق قلب طير مطارد، يطارده الرماة من شجرة إلى شجرة، ووسوست لي نفسي أن هذه المرأة قد تكون ميتة، لكنها مسندة إلى ظهر المرتبة، وأن هذا الرجل هو القاتل، ولكن لم يرد غسلها ودفنها، فالقاتل لا يهمه حتى لو رمى القتيل في كيس زبالة، ورماه في خزان أو بئر أو أي مكان آخر.

هدأت سرعة السيارة شيئاً فشيئاً، ثم انعطفت منحدرة إلى طريق بري ممهد، وأصبحت الشمس الصفراء على يسار السيارة، لنتجه في طريق طويل ومهجور جهة الشمال، دون أن يتردد أو يتفكر السائق بالطريق أمامه، مما أشعرني أنه يعرف الطريق جيداً، أو أنه ممن يعرفون أسرار البر والصحراء، التلال والأودية والشعبان والفياض، نعم أكيد أنه يعرف الشجر ومنازل النجوم، أكيد أنه يستهدي بالتربة، وشجر الطلح، والشفلح والرمث والغضا، حتى في الليل لا يمكن أن يتوه رجل مثله، لابد أن تقوده بنات نعش، والثريا، وسهيل، والمرزم، ونجمة الصبح، التي يعرفها الرجال النشامى. بعد أن دخل بسيارته بين جبلين ضخمين جداً، واقترب من تل رملي، حتى أنني استغربت كيف جاء مثل هذا التل الرملي في أرض وعرة! المهم، أنه أوقف السيارة، وفتح الباب الخلفي للمرأة التي توقعت أن تكون جثة، وأن تسقط على الأرض، لكنني وجدتها تنزل ببطء وهدؤ وطواعية، وتمشي قدامه دون أن تغلق بابها. كان يمشي وراءها بخطوات محسوبة، وهي تتجه بجلال وطمأنينة عجيبة نحو التل الرملي، وما أن صارا فوق التل تماماً، حتى سبقها منحدراً، فتبعته. كنت أرى جذعيهما يغيبان شيئاً فشيئاً، حتى صرت أرى رأس المرأة فقط، قبل أن يغيب هو بدوره، دون أن تلتفت للوراء ولو مرة واحدة ناحيتي، كأنما كانت حاسمة في قرارها، كأنها كانت مخدرة أو غائبة عن العالم، لا تتحدث، ولا تتفاعل مع ما حولها أبداً، فلم يثرها أبداً حديثي ولا أسئلتي.

بعد دقائق من الصمت، وأنا وحدي في السيارة المفتوح بابها المجاور سمعت طلقاً نارياً ضجت له الجبال، تردد صداه طويلاً جداً، حتى أنني بعد سنوات من الحادثة أسمع صوت صدى طلقات نارية في بيتي الطيني الصغير، فأصحو مفزوعة من نومي. لا أعرف ما إذا كانت ثلاث طلقات متتابعة، أم أن الصدى الذي رددته الجبال مراراً هو ما جعل الطلقات تتكرر. الجبال في تلك اللحظة لم تكف عن البكاء، وقلبي لم يتوقف عن الرفيف، كأنه سيطير من قفص صدري، حتى أن قشعريرة ملأت فروة رأسي، فأحسست كأنما وقف شعر رأسي، ولم تبق قطرة دم في جسمي.

بعد دقائق كأنها دهر، لمحتُ جسداً يفيض من وراء التل، كان هو يخطو بتثاقل كأنما يجر وراءه جريرته، كأنه يجر مليون قتيل خلفه. وبعد أن حل رباط برميل لماء في الصندوق الخلفي، أمرني: انزلي! لم أكن أستطيع أن أرفض أو أحكي أو حتى أسأل، فنزلتُ ومشيت خلفه، بينما هو يدحرج البرميل أمامه، وقد ذكرني بأن أحمل معي حقيبة أغراض الغسل من غسول ودهون ومسك وعنبر وغيره كنت كأنني المرأة الشابة قبل قليل، وهو يمشي أمامي، وأنا أتبعه تجاه التل، مخدرة وصامتة، ولا ألتفت إلى الوراء، بل أتتبع قدميه الضخمتين اللتين تغوصان في الرمل، فينتشلهما بقوة وجبروت.

بعد أن نزلتُ من التل، لمحتها مطروحة داخل عباءتها، وبدأت عملي، بعد أن بذلتُ جهداً مضاعفاً في غسل الدم النازف من منطقة الصدر، مما يعني أنه حين سبقها إلى الأسفل استدار ورأى عينيها الخاشعتين بسكون، والذاهبتين إلى الموت الأبدي، ثم أطلق النار على حشاشة قلبه. نعم كان يحفر التربة بمسحاة أحضرها على كنفه، ولا يكف عن النشيج، ولحيته تبتلع الدمع السخي. كان يحفر ويشهق مثل امرأة، بل إنه حتى بعد أن لففنا الشابة داخل عباءتها، وأنزلها قليلاً في الحفرة، زلت قدمه، فهوى معها، وصار يشهق بعنف وجنون، حتى خفت أن يفعل بنفسه شيئاً، فبدأت أترحم عليها وأدعو لها، وأواسيه. فجأة انطلق لساني بالدعاء والترحم والمواساة. حتى عاد بي بعد أن أظلمت الدنيا إلى بيتي.

سألت أمي غاسلة الموتى، لم فعل كل هذا، وهو يشعر بمثل هذا الندم، قالت المرأة إنها لم تسأله حتى شارفت على حي العطايف، فقال لها: مسألة شرف

القارورة ص.ص 43-47

*شاعر وناقد مصري مقيم في السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “مشاهد من رواية (القارورة) تستنسخ الحكاية الجوهرية لرواية دم البراءة لإبراهيم الناصر”

  1. قد تكون الحكاية مبنية على أحداث حقيقية لذلك قد يخطر لكاتب آخر ان يعالجها بأسلوبه الخاص ويعالجها الآخر كذلك.
    اذا لم تكن الحادثة قد وقعت فعلاً نستطيع حينها مسائلة الكاتب المتأخر زمنياً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق