ثقافة السرد

حرمتان ومحرم

الجزء- 3- من رواية المأساة الفلسطينية–حرمتان ومحرم- - لصبحي فحماوي-

غبار.
أبو مهيوب رجل في الخمسين من عمره، أشيب الشعر، نحيل الجسم، مشدود القامة، يطقطق بأعمال البستنة في معسكر الحصار، في الجيب الفلسطيني المحتل للمرة التاسعة والتسعين، حيث يكتظ السكان بشكل لا يُطاق، فتجد البيوت المبنية من الطوب المقصور وغير المقصور، طبقات متراصة تعلو بعضها مثنى وثُلاث ورُباع، فتلتصق الشرفات بالشرفات المقابلة، وترتفع العمارات آخذةً بعضها بالأحضان، كمجمعات سكنية شعبية مهترئة متسخة، لانهائية الامتداد، والناظر إليها من بعيد يقول:
– يبدو أن الشرفات العالية تعشق بعضها بعضاً، وتلتقي بمثيلاتها بالأحضان.. لاحظ المحبّة، وهدوء البال، وإلى أي مدى تتآلف العائلات هناك، وتحب وتتعاون فيما بينها! تجدهم هناك مثل الإخوة، يأكلون من طبق واحد، وينشرون غسيلهم على حبل واحد، ويُوقظون بعضهم بعضاً في ليالي رمضان.الله! ما أحلى ليالي رمضان.عندما يتسحرون معاً، ويتبادلون أحاديث تُفَطِّس من الضحك، وأحاديث تُبكي. ما أحلى خُرّافيات الجدة التي تجمع أطفال العائلة المتناثرين، وتُخَرِّفهم خُرّافيات تخيف وتمتع.. فيرد عليه أحد سكان العمارة، الذي يعيش الحدث:
– لو تدري شدة الصراعات العائلية، والغيرة القاتلة، والحسد والنكد الذي ينشب بيننا وبين جيراننا هناك في علِّيِّين.. فهذه الجارة التي تربي الأرانب في الشرفة، فتهب روائحها النتنة على غرف نومنا، فتُفطِّس أنوفنا… وهذا الولد المراهق يفتح مسجل الأغاني بأعلى صوت، فيتجشأ صوت المغني الألمعي (جورج بتشوف: بحبِّك… بحبَّك… روح قلبي… نار قلبي…. الحب في القلب، زي الرز في الكوسا…نغم…!).. وذاك العجوز الذي قضى عمره في (الّلي يسوى، واللّي ما يسواش) والمُصِرّ على دخول الجنة بالقوة، تحت شعار (قضى عمره في أعمال البرِّ والتقوى). يا أخي عندما يموت أي شخص، تجدهم يكذبون فوراً في سيرته، ويشهدون زوراً بأنه قضى كل عمره في أعمال البر والتقوى..! وقبل وفاته بأعوام، تجد الحاج يهمد في سريره……. تسألني لماذا سموه (الحاج) مع أنه لم يحج، ولم يسموه مثلاً (المُصلِّي) أو (المُزَكِّي) مع أنها كلها أركان الإسلام الخمسة؟ فأنا لا أعرف! يصحو الحاج مبكراً مع صلاة الفجر، فيمد يده إلى مفتاح المذياع، فيفتحه على إذاعة القرآن الكريم بأعلى صوت، ليسمعه أهل حي “الجبّارين” القريب، ويفهم كل حي “سلام الشجعان” البعيد أن هناك داخل تلك الكومة من الطوب المتهالك فوق بعضه البعض، بقايا رجل تقيٍّ وورع، مُتمدِّد في غرفة ما.
وبعدها يبدأ التحضير لصلاة الفجر، فيتنحنح الشيخ بسماعة المئذنة عدة مرات، فنصحو كلنا من النوم، ويؤذن لصلاة الفجر ثلاث مرات متباعدات.. تسألني لماذا ثلاث مرات، مع أن الأذان الحقّ هو مرة واحدة ؟ فأنا لا أعرف..! وأحياناً يترك شيخ الجامع سماعة المئذنة الموصولة بالإذاعة، ثم تأتي لحظات الإعلانات.فيقول المذيع:..وعلى تردد قدره ثلاثون (ميغاهيرتس). ولو قال لهم (ميغ)، فإن الناس يفهمونها، ولكنهم لا يفهمون معنى (ميغاهيرتس)! يبدو أن السماعة التي تبث على الهواء مباشرة غير (مدوزنة)، وكأن شرخاً في الصوت العظيم يصل إلى جروح أعصابي، فيجعلني أقف كالمسمار في أرض الغرفة.ويبقى المذياع يصيح بأعلى صوته: ونوح الذي عاش ألف عام..! طيب يا أخي الله يرحمه..! ثم يعود المفتي الشيخ لشرح سير الأولين وقوم لوط الذين.. .وأما بعد…وفي كل حديث يقول لك : “ومن زحزح عن النار فقد فاز.. وما الدنيا إلا دار الممر، وما الآخرة إلا دار المقر” … طيب، والله إننا مؤمنون ومطيعون، ولكن هذه السماعة التي تبث بأعلى صوت، دون توقف، منذ الفجر وحتى بعد ذهاب الأطفال إلى المدارس ثم عودتهم منها، وانشغال الناس في بلاويهم، ثم عودتهم إلى العشاء، ثم النوم ، وبعد منتصف الليل، يبقى مذياع الحاج صاح!
وذات مرّة، قلت لـه: يا سيدي الشيخ: يقول ديننا: (….واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات….) وقال الرسول الكريم: (إن المُنبَتّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى) فاتهمني الشيخ بالزندقة، وأقام عليّ الحد.. وكي يغيظني، اشترى سماعة أكبر، شبيهة بالأطباق اللاقطة للمحطات الفضائية بقطر 180 سنتيمتراً…. وهات يا تردُّد وقدره….


وهذه الجارة تتهم جارتها بالتلصص على زوجها الغافل، وهو متمدد بملابسه الداخلية على سريره، فتثور جارتها قائلة : إن زوجك المتغافل هذا، قد غمزني عدّة مرات من شرفة منزلك، ولكنك تجاهلت فُجُوره! وبصراحة، فإن تمدده بملابسه الداخلية أمام بصر الجارات، وسماعنا أصوات ضراطه، مختلفة النغمات، التي يتخيلها مثل مختلف نغمات الهاتف النقال، يُصَنّف تحت بند الفضائح.. فاستري على زوجك يا (مَرَة)، ثم بعد ذلك اتهمي النساء المحصنات الغافلات..! سبحان الله..! صار كل الرجال والنساء هذه الأيام، محصنات غافلات.. !
وعلى سطوح العمارة (كراكيب) ومخزونات كثيرة، ومكعبات صفيحية لتخزين المياه، وفي الزاوية تنحشر غرفتان، مساحة كل منهما متران، إحداهما غرفة نوم، والأخرى تحوي… وفي غرفة النوم يلتصق أربعة أطفال ببعضهم تحت سرير زنبركي، تتمدد فوقه أمهم، ويتمدد فوقها أبوهم، والأطفال يتدفأون بفساء الوالدين، وينعمون برضاهما.. وبعد منتصف الليل، وفي العتمة الموشّحة بنور القمر الشاعري، وأضواء مخيفة تتدافع من بعيد، وفجأة ودون مقدمات، تقوم وتَقعُد هزهزات عنيفة فوق السرير، وأصوات لهاث وغنج وتأوهات، فيتأرجح السرير الزمبركي وينتفض آيلاً للسقوط، بينما أعمدته الأربعة القصيرة تتراقص فرحاً بالعرس البهيج، ومنذرة بزلزال مُدمِّر، قد يقتل كل ما تحته من كائنات حية..! فيصرخ أحد الأولاد المحتمين تحت سقف السرير قائلاً: ما هذا الذي يحصل يا أبي ؟ فينهره أبوه قائلاً: نريد أن نعمل لنا واحداً يا ولد…! فيجيبه الولد خائفاً: ماذا تقول يا أبي؟ تعمل لك واحداً فوق السرير، فتقتل أربعة تحت السرير؟!
وبينما هي تجمع ملابس أهلها من على حبل غسيل شرفة الطبقة العليا، يسقط منها سهواً كلسونها الرفيع الرقيق الأسود، ويستقر في الشرفة التي تحتها، فتلتقطه صبية تكمن في الشقة السفلى، وتعجب به، وتشمُّه، فتعرف أنه مغسول ونظيف.. تنزل الفتاة من أعلى الدرج مسرعة، وتطرق باب الجيران تحتهم، وتسأل باحثة عن سروال داخلي سقط سهواً، فتحلف الفتاة (أم عين بيضاء) بأنهم لم يروا، ولم يسمعوا بسروال ضائع..! وأحاديث متداخلة، ومشكلات كثيرة تنجم عن ذلك التشابك المعماري غير المدروس، وغير المنظم، وغير الآمن على رؤوس من ينامون تحته، وغير القانوني أصلاً بكل المعايير، ولكن للضرورات أحكام..!
هذا في الجو، وأما إذا نظرت إلى الطرقات الترابية السرادبيّة الضيقة، التي تتوسطها قنوات ضحلة لسوائل زرقاء غامقة وسكنية وسوداء، مع مخلفات أخرى ذوات روائح منتنة، تعمر الطرق الترابية المغبرّة الشاحبة، فتبدو للمارة مسقوفة معتمة، إذ لا يجف الغسيل المنشور والمُدلّى بكثافة من الشبابيك والشرفات التي لا تشرف على شيء، سوى العتمة. وفي نهاية النفق المظلم، يُفتِّح نور الشمس الساطع، فيشير إلى نهاية مطمئنة، بأن هناك مخرجاً من هذا الطريق الكئيب الخانق..! ومن الجهات الأخرى المواجهة للشمس، تشاهد العمارات الطوبية تلتصق بمقدمات بعضها (أحواش) من صفيح، أو فناءات إسمنتية للبيوت، لتمنحها بعض الخصوصية.
هذا المجمع السكني الكرتوني المتهالك، والمتساقطة بعض أضلاعه، ليتراكم عليها كثير من النفايات المختلفة أشكالها وأحجامها وألوانها، والساقطة من الطوابق العُليا، تجاوره هنا مغارة معتمة ورطبة خانقة، تستخدم كمستودع تجاري، تفوح منها رائحة أسطوانات الغاز المُخزّنة. وهناك مهاجع للأغنام والماعز النائمة، تستدل عليها بأنفك الذي يشم روائح بعرها وأنفاسها وصوفها، وشبقها الجنسي الذي يفرز روائح تثير الكبش والتيس، فتراه يشمشم مؤخرة هذه، ومؤخرة تلك، ثم يقوم بمهمته المقدسة، بهدف إنجاب العيال..! وترى بقرة جف ضرعها، ونضب زرعها، تلحس التراب، وتخور ألماً ومعاناة، ويطن حولها ذباب أزرق لئيم، يطير ويناور، ثم يستحكم تحت ذيلها.
وعلى الأرض، أمام هذا التشوه المعماري، تتراكم هنا وهناك أكوام من الحطب الجاف، وجذوع أشجار، يجرها أطفال مأمورون، وعجائز الفرنيّات، مع غبارها اللاحق خلفها على شكل مظاهرة بيئية تفور بالغبار الخانق، يجمعونها من حطام المزارع التي تقتلها جرافات الكاتربلر.
بعد تمعن، وبحث دقيق، يدرك سكان المعسكر أن الجرافات لديها حساسية من الخضرة.. – لا أعرف من هو الحاكم الذي منع أكل الفجل الأحمر، لأنه أحمر – وهذه الجرافات تكره اللون الأخضر، لأنه أخضر، وتأمر مجنديها الآليين المستنسخين عن هولاكو، فيفسقون فيها، ويقضون على اللون الأخضر، ويجرِّفون كل المزارع التي تعارضهم، بهدف إفراغ المنطقة، لتتضح الرؤية أمام الدبابات التي تريد أن ترى مسافة أبعد من مدى رؤية زرقاء اليمامة، تلك المرأة التي كانت مصابة بمرض (بُعد النظر)، وإذ لم يكن يومها نظّارات فيها نظر، أو نظّاراتي محترم يفهم للحرمة، فلقد ازداد معها مرض بُعد النظر، حتى صارت ترى الأشياء التي على بُعد ألف ميل، ثم صارت ترى الأشياء الواقعة على الجهة الأخرى من الكرة الأرضية..فتبلغ جماعتها، بهدف حمايتهم من غزوات التتار البرابرة التيمورلنكيين الإمبراطوريين المتشددين الجدد..
وغيرةً من مدى رؤية زرقاء اليمامة، تقرر الدبابات تجريف الجبال والوديان، والمدى والأفق والزمان والمكان، والأشجار والطيور، والسماء والأرض، لتتضح لها الرؤية، وتتفوق على رؤية زرقاء اليمامة، فتدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية… – على فكرة، لم تدخل زرقاء اليمامة موسوعة جينيس يومها، وصرّح الناطق الرسمي بأن السبب؛ هو كون السيدة عربية العينين، وإرهابية المقاومة-
وقد يتم التجريف بهدف تأديب صاحب مزرعة “حمضيات إرهابية” يتهاون في رقابتها، فيمر من بين أغصانها رجال مقاومة! فهذا يتم تأديبه بتجريف كل أشجار مزرعته، هي والمزارع “الإرهابية المحيطة بها فقط، (يعني بيحلِقوا لـه شجراته..! عشان بعد هيك ما يعيدها…)..
ويوم قتلوا طفل المدرسة، سألهم منتج الأفلام الوثائقية البريطاني (جيمس ميللر) الذي اغتالوه لاحقاً: لماذا قتلتم الطفل؟ فكشفت الدبابة عن أنيابها التي تشبه مسننات الكاتربللر، ثم قالت:- (عشان بعد هيك ما يعيدها.. !)فكرر (جيمس ميللر الذي اغتالوه لاحقاً ):- تقصدين أنه كي يكون الطفل عبرةً للأطفال الآخرين، وكي يتعلموا من موته، فلا يتعودون ويعودون يعيدونها؟ فقام الرجل الآلي الذي انبلج من الدبابة، وانتصب كالصنم الذي يفترض من الآخرين عبادته، وقال لرجل الأفلام الوثائقية :”لا يا خبيبي، مش عشان غيره يتعلم! عشان هو نفسه يتعلم الدرس، ويصير مؤدباً وخلوقاً ومربى، وبعد هيك ما يعيدها… !” فسأله (ميللر) الذي اغتالوه لاحقاً :”طيب، والطفل محمد الدُّرّة الذي أخذه أبوه معه للتسوق، وليس لرجم الحجارة، فأطلقتم عليه وعلى أبيه صليات متتالية من الرصاص الحي، لماذا قتلتموه ؟”
لم يدل الناطق الرسمي باسم الرجال الآليين المستنسخين عن نيرون وهولاكو وشارون، والمجندين لمسح وتلميع الكرة الأرضية بالجرافات، بأيِّ تصريح! وكل الذي حصل أن السينمائي المسكين جيمس ميللر (قُبض على جثته مقتولة)، ورتبوا لـه جنازة محترمة، ابتهج واندهش وتوتّر واستمتع بها كل مشاهدي قنوات التلفزة الفضائية (أحلى من هيك جنازة، ما في) !
الغبار والدخان المتسابق في الجو، والأبخرة السامة المتصاعدة من النفايات، والتي لكل منها في الحلق طعم خاص، تكاد تفتك بأهل المعسكر، وأكوام القمامة ترتفع وترتفع في مناطق متعددة، لتكوِّن جبالاً عالية، (ويا جبل القمامة ما يهزك ريح! ولكن الجبل، لُعِن أبوه، وأبو الذين خلّفوه!) كل هذه المعالم تتضخم على الطرقات.. وتهب الرياح، محملة بقاذورات تنشر الخراب في كل مكان، فتنعدم الرؤية من جديد، بينما أطفال قطعتهم الطرق الالتفافية، والجدران الجيتوية عن أهلهم وذويهم، فكست وجوههم طبقات رمال، وتغلغلت في رئاتهم وشرايينهم وخلايا أجسادهم أبخرة سامة، فلم يعودوا قادرين على الوصول إلى مدارسهم، فيحتمون بتلال القمامة، ويلعبون فرحين بالانفلات المدرسي، والانفلات الأمني، والانفلات الصحي، وانفلات الانفلات! ويتوهون في غموض غيوم النفايات الخانقة، فلا يعودون يرون شيئاً محدداً، فيعبرون عن متاهتهم بالحجارة، التي تنطلق بأي اتجاه، فتصيب، وقد لا تصيب، دبابة لئيمة حاقدة متحفزة!

4

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق