الموقع

هل نعاني أزمة أخلاقية؟

أسامة طبش*

للأخلاق دورا هاما في البناء المجتمعي المتين، فالروابط الاجتماعية بين بني البشر لا بد أن تطبعها القيم والفضائل، وإلا استحالة الحياة المشتركة وساد الخوف والتوجس من الطرف الآخر، تلك هي القاعدة الأساسية لأي بناء مجتمعي. من خلال تصفحنا لبعض الجرائد اليومية  نلحظ تزايدا مطّردا لمعدلات الجرائم: جرائم قتل، اغتصاب، سرقة..، ما أذهلنا مؤخرا أنه حتى الأنفس البريئة للأطفال لم تسلم من وطأة وبطش الإجرام، أصبحنا نعيش مع وحوش بشرية ونحن لا ندري، هذا أقل توصيف يمكن إطلاقه على هذا الصنف من الناس، بطبيعة الحال قد أثّر ذلك وبشكل مباشر على طمأنينة جموع المجتمع. لقد خفت الوازع الديني وقل تأثيره، لو امتثلنا فعلا لما يـأمرنا به إسلامنا الحنيف لاختفت الكثير من تلك المظاهر المؤسفة، للظروف الاجتماعية وتعقيدات متطلبات الحياة دورا في فرض ضغوط شديدة على الإنسان، لكن في نفس الوقت لا يمكن قطعا تبرير تلك الأعمال الشنيعة التي تقشر منها الأبدان.

قد يكون خطابي هذا مكرورا، وحفظه الناس عن ظهر قلب، لكن ما أردت التنبيه له بأن امتلاء المساجد بالمصلين والقيام بالشعائر الدينية لا يعني إطلاقا أننا على الطريق السليم، فكم هم كثيرون أولائك الذين بعيدون كل البعد عن هذا الجو الروحاني والمواعظ التي تكتنفه، وقع بعض شبابنا وللأسف الشديد فريسة سهلة للمخدرات التي أذهبت العقول وتسببت في كوارث لأسرهم، هنا نسأل عن دور الأولياء في رعاية فلذات أكبادهم والإحاطة  بشؤونهم.

إن مظهر الالتزام الديني ورغم ما له من أهمية، إنما من الضروري أن يستتبعه دلائل بالأفعال على الأرض تثبت فعلا ثمار تلك الاستقامة، وإلا لن يكون إلا فتنة لغيره بإعطاء صورة سيئة، هذه النقطة بالذات موجودة ونعايشها في واقعنا اليوم، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها أو نكرانها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم🙁 ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب ) _رواه البخاري ومسلم_، الحديث واضح، قلوبنا قد مُلأت بالحقد والضغينة تجاه بعضنا البعض، فندّعي حبنا للإسلام ولم نمتثل بعد لأوامره ومتطلباته، عندما يطلب من أحدنا أن يؤخر مصلحته الذاتية لأجل أخيه قد تجد الأنانية والأثرة حاضرة وبكل قوة، ما يشير  وبوضوح إلى غياب  المعاني الحقيقية لرابطة الأخوة فيما بيننا.

إن قيمنا الدينية موضوعة على المحك فعلا، لا بد من مراعاتها في جميع تصرفاتنا اليومية إن أردنا التمثّل لقيمنا الإسلامية، فالأقوال غير الأفعال، ما أصعب تجسيد تلك المباديء في ظل ما نعيشه من تغير وتبدل لمفاهيم كثيرة للحق والباطل، إنه  اختبار صعب قد نواجهه، فالزمن تغيّر كثيرا، يتعرض الإنسان لفتن  قد يقع في شراكها إن لم ينتبه ولم يكن على يقظة تامة بصيانة نفسه.

عندما نسمع عن تزايد في حالات عقوق الوالدين وبناء لدور العجزة، عندما نسمع تخلي الولد عن والده لأجل حفنة من النقود، عندما نسمع شقاقا وتفرقا بين الإخوة الأشقاء، هنا  ندق ناقوس الخطر، ندق ناقوس الخطر لأن أسمى الروابط الإنسانية “الأبوية والأخوية” تنتهك وبشكل سافر، من المهم جدا الإحساس بالسند والقرابة التي يمتد مداها لأبعد الحدود، حالات نكران الجميل التي نشهدها،  توجب علينا أن نعيد حساباتنا جيدا قبل فوات الأوان.

ينطبق علينا ذلك البيت لأمير الشعراء “أحمد شوقي” الذي يقول فيه: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ، أمتنا ما تفتأ تعرف انحدارا وتراجعا متتاليا ولا ندري إلى أين سينتهي بنا المطاف، لنعجب كثيرا من انطباع القيم والفضائل في الأمم الغربية على ما عندهم من مثالب، كنا  الأولى والأحرى بتطبيقها والالتزام بها، هذا هو السبيل الأنجع للدفاع عن ديننا وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) [ آل عمران:110]، نعم، نحن خير أمة أخرجت للناس عندما نراعي المعروف في تعاملنا فيما بيننا، وعندما نتناصح دون تعنيف، تلك هي العبودية الحقّة والإيمان الصادق بالله عز وجل، عندما عاد الشيخ “محمد عبده من زيارته إلى الغرب قال كلمته المشهورة: ( لقد وجدت هناك إسلاما ولم أجد مسلمين، وعندما عدت للشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلاما)، كلامه في غاية الدّقة والصواب، حقائق نراها بأم أعيننا وتجعلنا نعزم ونستحثّ الخطى لتحسين هذه الصورة الشائهة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُم أَخلَاقًا ) _صححه الألباني_ ، إنها لمرتبة عظيمة تلك التي يبلغها الإنسان بتحسين خلقه، حسن الخلق من آخر إهتماماتنا اليوم، نهتم بالقشور ونسهى عن اللّب والجوهر، وصدق من قال: “لا تحدثني عن الإسلام، ولكن دعني أراه فيك”.

قلوبنا أصبحت قاسية جدا، قد جرفتنا الحياة بسرعتها وانغمسنا فيها، خفتت جذوة الروابط  بيننا، كان مجتمعنا يعيش هذه المعاني السّامية إبان العهد الاستعماري، وكأن تهديد الكيان المشترك يجبر الناس على التوحّد والعودة من غفلتهم، إن نتاج قسوة القلب لن يكون إلا: بذاءة في اللّسان، أو يدا تبطش، أو وجها مكفهّرا متبرّما، تصويب هذه الهفوات لن يكون إلا بإصلاح علاقتنا بمولانا عز وجل  لتستقيم شؤون حياتنا.

هذا هو السبيل الأمثل والأنجع للعودة إلى جادّة الصواب، دون لف أو دوران ودون الكذب على أنفسنا، إن أمانة هذا الدين عظيمة، يقول تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) [الأحزاب : 72]، يا لها من أمانة ثقيلة والسؤال عنها لن يكون إلا عسيرا، إن هدف كل إنسان في هذه الحياة هو بلوغ الجنة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الاستقامة في الحياة الدنيا.

نتمنى أن تعود مجتماعتنا إلى الأصول الإسلامية الحقّة، وأن نمتثل لمتطلباتها، كي نعيد الصورة الجميلة للمسلم وللبيئة الإسلامية، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)[الرعد:11]، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من نفسك ونفسي حتى تنتشر بذرة الخير، حينئذ يمكن لنا استحقاق تمثيل الإسلام، فلا يستحق هذا الدين  إلا صورة ناصعة تقدّم للإنسانية جمعاء.

كاتب جزائري *

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق