ثقافة السرد

ذكريات ذاكرة…”يوم الصيد”

ربيعي عبد الجبار‎*

“عمي رمضان” ذلك التاريخ الواقف على قدميه، الشاهد الذي يرى –وحده بخياله وبعينيه- المكان مكانين أسود وأخضر، والزمان زمانين أسود وأخضر.. شيخ كبير في الثمانين يرتدي قشابية منسوجة من الصوف المشوب بشيء من الوبر ويلتحف ببرنس بني داكن مرقع من أعلاه تنسل شعيرات صوفه وتتطاير مع الريح الخفيفة التي ترافق زخات المطر يستند بشق كتفه اليمنى إلى الجدار وبيده إلى عصاه الملتوية في ذروتها كعلامة استفهام يحرك نظارته الطبية السميكة بين الفينة والأخرى يجيل بصره كنسمة ربيعية بين المنازل والمحلات والمقهى الوحيدة في القرية الشبيهة بالدوّار والمساحات المزروعة بالبطاطا والفول والبازلاء..

تسكنه أسئلة الحقول هل يكمن سر الحرية في أن يتحوّل اللون الأسود حقيقة ومجازا إلى لون أخضر حقيقة ومجازا؟ هل ابتسامة القمح هذا اليوم هي نفسها ابتسامة الزروع التي سرقها الكولونيل “بيجو” ذلك اليوم؟.. ينادي  “عمي رمضان” الذاكرة: آتية يا “عمي رمضان” آتية.. ما هي سوى لحظات حتى جلست الذاكرة بقرب “عمي رمضان” مرتدية ملحفتها القديمة وعجارها الأبيض تفتح كتابها:… في ساعة الغروب يتكدس العسكر وينسلون من كل حدب ويتطاولون كعراجين التمر على قريتنا السامقة كنخلة بسكرية يلغون بفرنسية لا يعرفها معظم سكان القرية ويزبدون ويرعدون -تتنهد الذاكرة تستدعي ذاكرتها- لا سلاح في القرية، الأسلحة عند المجاهدين في الجبال، تستدرك: لا أسلحة إلا أسلحة الضيوف أين يمكن أن يختبأ “محي الدين بوزمالة” المدعو “الصيد”؟ في كوخه الذي لا يتسع لأكثر من أربعة جنود أو ضيوف؟

في الحقيقة وللتاريخ فقط تقول الذاكرة في الكوخ ما لا يقل عن تسعة جنود وخارجه ضيوف بعدد السنابل الواقفة بعزة تنتظر لحظة الإعدام الجماعي حرقا وهي حية على طريقة محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

“الصيد” مر من هنا نعم هذا صحيح يقول “الشيخ عمار” إمام مسجد القرية بكل صدق وشجاعة، لكنه الآن ليس موجودا.. يتكلم الشيطان على لسان الكولونيل “بيجو” (هذا الوصف خاص بالذاكرة) لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك يا إمام… الوعيد عند “بيجو” لابد أن يتحقق لسببين -تقول الذاكرة- هو ليس كسيدنا سليمان أولا (والفاهم يفهم)، وهو لم يشترط شرطه أو ليأتيني بسلطان مبين ثانيا… أنتم تعرفون طبعا بقية القصة ما سيقوم به الضيوف كعادتهم تخاطب الذاكرة عمي رمضان وتخاطبنا..

جلبوا الأب والأم “سي فاتح بوزمالة” و الحاجة “الهذبة التبسي” عذبوهما طيلة اليوم بالكهرباء والضرب المبرح، استنطقوهما حاولوا أن يحصلوا منهما على أي شيء.. لم يستطيعوا…

تتقدم الذاكرة قليلا في السن لتزور الحاجة “الهذبة التبسي” في المستشفى وهي تحتضر بعد هذه الحادثة بعشر سنين، الكهرباء والضرب ووسائل أخرى لا داعي لذكرها أو لا مجال ذكرها هي السبب في وفاتها..

تعود الذاكرة من رحلتها في الزمان تقول: حينما يئس الجنود الضيوف من القرية وأهلها قرروا ما هو مقرر في أذهانهم وقلوبهم سلفا قرروا وبكل حداثية أن ينفذّوا وصية الثوار الفرنسيين الرومانسيين بالشرق المساواة.. العدالة.. الأخوة.. تقول الذاكرة: احرقوا القرية حجرا، و وبرا، و مدرا، و زرعا، و ضرعا عن آخرها، «كلمة آخرها منبورة»..

“عمي رمضان” كنت تراقب بعينيك هذا المشهد الدرامي في مجموعة من شباب  القرية مكبلين إلى أشجار أظنها نجت من الحرق تكلم الذاكرة الشيخ وهي تلتفت إليه…

إيه يا بنتي (نسي الشيخ أن الذاكرة أمه) يرتشف الشاي.. ذلك المشهد هو الذي حوّلني من بشر إلى إنسان..

التحقت بعد لحظات من انسحاب الضيوف من قريتنا بكتيبة “سي محي الدين بوزمالة” بجبال الأوراس، خمس سنوات بعد ذلك احتضنت الحرية.. أجمل شيء يمكن أن تحتضنه يا “الذاكرة”…

أعلم أنك ستذكرينني الآن بـ “سي بوزمالة” هذا من حقك فأنت لا تفرطين في أحبابك وجيرانك…

نعم لقد استشهد “سي بوزمالة” أو “الصيد” قبل سنة واحدة من انتهاء الثورة فاجأته رصاصة تائهة.. إنها أقدار الله، بل بشائر الله..كان أمهرنا نحن والفرنسيين جميعا في التصويب وفي التخفي وفي المهارات القتالية عموما لكنها بشائر الله…

لا تبك يا بنتي -يقصد الذاكرة- فقد دفع “سي بوزمالة” ثمن هذا اللون الأخضر وهذه الحقول والزروع..

ارفعي رأسك يا بنتي وانظري:.. تلك الطيور لم تكن لتحلق لولا الله ثم “سي بوزمالة” لاشك أنك فهمتني يا الذاكرة..

تقول الذاكرة بمرارة: استشهد في ذلك اليوم الذي أسميه “يوم بيجو” أربعة عشرا فردا من سكان القرية.. تسعة أط.. يسرع “عمي رمضان” بوضع يده على فم الذاكرة لا.. لا تكملي، دعي التفصيلات للتاريخ فهو رجل ويستطيع تحمل المآسي ظاهرا على الأقل الحزن مضر بصحتك وهؤلاء الأطفال الذين يلعبون لا زالوا يريدونك.. يحبونك كما تحبينهم..

“سي بوزمالة” يا “عمي رمضان” كان من أثرياء القرية كان يملك ألف رأس غنم في سنوات الأربعينات…

في مجاعة عام خمسة وأربعين كان يطعم القرية كلها والقرى المجاورة أيضا..

نعم يا بنتي بكته القرية كلها والقرى المجاورة عند استشهاده.. الجزاير كلها بكت “سي بوزمالة”..

تحلق الذاكرة في ذاكرتها من جديد وتعود عودة فلسفية إلى يوم “بيجو” ذلك الضابط الذي حلف اليمين العسكري و رضع قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات وتقرير المصير وما إلى ذلك، وكان من الوطنيين الذين قاوموا هتلر وحفظوا شرف الجمهورية الفرنسية، وعرف معنى أن تكون محتلا وأن تموت من أجل بلادك…

تتساءل الذاكرة ماذا لو كان الذي أحرق القرية بتلك الصورة الهوليودية مغوليا من أواسط آسيا متسللا من التاريخ، أو محاربا من القرون الوسطى من شرق أوروبا، أو إنسانا مما قبل التاريخ..

ماذا لو لم تكن كل تلك القيم و الأوسمة…ثنائية الصوت: شقشقات الأوسمة وصرخات النساء وبكاء الصغار لا تفارق ذاكرة “الذاكرة”..

إنه المكان يحملك دائما على بساطه السحري إلى عمق الزمان يتغير شكل المكان ولكن تظل روحه تسكنها الفجيعة…

أتعلمين يا “الذاكرة” يقول “عمي رمضان”: مات ابنا “سي بوزمالة” الاثنين بعد سنوات قليلة من الاستقلال، ولم يترك الموالي من وراءه، لم يبق من “سي بوزمالة” سوى عزيمته التي تسكن هذه الحقول..

لو كان اللون الأخضر يعلم أن وراء اخضراره رجالا فوق الأسماء يستوطنون الذاكرة -تقصدني يا “عمي رمضان” تقول “الذاكرة”-…

نعم ومن غيرك يعرف أن الواحد متعدد، وأن الغائب حاضر، وأن الضوء هو الذي يسمح للعين باكتشافه…

أقترح يا “الذاكرة” أن تسمي هذا اليوم يوم “سي بوزمالة” أو “يوم الصيد”… فاليوم لا يبدأ -كما تعلمين- بالشروق وينتهي بالغروب..

وهذا “بيجو” حلّ بقريتنا ساعة الغروب، ولا يمكن أن نختصر صديقنا اليوم في لحظة غروب..

– أستأذن الآن يا “عمي رمضان” أكمل أنت بقية اليوم..

* هل أنت موافقة على تسمية ذلك اليوم ب”يوم الصيد”؟

– نعم نعم هو بلا موافقتي “يوم الصيد”..

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق