قراءات ودراسات

“بنات 6 أبريل “

محمد الغربي عمران

سبق أن قرأت للأديب المصري المتجدد أحمد عبده عدد من أعماله السردية والفكرية, عام 2019 صدرت له رواية “بنات 6 ابريل”, التي سعيت لاقتنائها, شحنتها ضمن ما اقتنيته من كتب عبر وكالة شحن من مصر إلى صنعاء عبر عدن,إلا أنها لم تصل حتى اليوم لخلاف المليشيات بين عدن وصنعاء, ما جعلني أرجو المؤلف تزويدي بنسخة, لأستمتع بقراءتها, وكما عودنا الكاتب في أعماله السابقة, بغوصه في أعماق شخصيات أعماله, لنتلمس هموم وتطلعات المجتمع المصري التي يجيد الكاتب استبطانها, متسلحاً بدوافع شخصياته التي يحسن اختيارها لتمثل شرائح المجتمع.
وفي بنات 6 إبريل نجده يناقش أبجديات ومحركات الثورة في مصر, ليقدم لنا عملاً سردياً مختلفاً عماده الفكر في قالب سردي شيق.
الرواية تنقسم إلى عدة أقسام, ولم تكن عمادها البنات؛ وإن أوحى العنوان بذلك, لكنه وظف عدد من الشخصيات النسوية, كشخصيات يعبُر بالقارئ من خلالها إلى شخصيات مثلت شرائح الثوار.. أو الذين كانوا وقود الثورة.
من الصعب الإلمام بكل زوايا هذه الرواية, لكني سأكتفي بنقاط محددة منها.الشخصيات التي قاربت العشرين شخصية أو تزيد, بين رئيسة وثانوية وصف ثاني وثالث, وكثافة الأسماء تربك القارئ, فما بالنا بالكاتب, الذي بدأ في هذا العمل متحكماً بخيوطها, فلم ينس اسماً حتى نهاية كل شخصية, إضافة إلى مدلول أو رمزية أسماءها, وما تحمله من دلالات وإيحاءات تشي بالكثير دون شروحات كثيرة, فمن خلال تلك الأسماء التي تتداخل صفاتها لتتماهى مع اسمائها: هدى المراكبي وأمين الهباش عضو الحزب المنحل وشاكر النحيف مدرس فلسفة بالمعاش واللواء المتقاعد حسن الكاشف… الخ
إضافة إلى أسماء أخرى مثل منيرة حافظ وهى الراوي, وهي عضو الحركة المنشق, والرائد جلال ونفين بطرس. تلك الأسماء بما تحملها من دلالات مثلت خارطة لتركيبة المجتمع المصري من حيث أعمارها ومراكزها الوظيفية والاجتماعية, وتوجهاتها السياسية والفكرية من ناحية, ومن ناحية أخرى ما تمثله تلك الشخصيات وخاصة الشابة؛ كدينامو محرك لأحداث الرواية وتصاعد تلك الأحداث, مثل شخصيات: زينب النحيف وهدى ونسرين الكاشف وماهينار الهباش.
وكما أسلفنا.. إن كان العنوان يوحي بأنها رواية لشخصيات نسوية, فإن الحقيقة التي عكستها تمثلت بأن تلك الشخصيات قد مثلت نبض ميادين الثوار,حركاتهم أو جهاتهم المتعددة, تأثرهم وأثرهم, صِلاتهم بتلك القوى داخل البلد, وجهات داعمة خارجية, من خلال دعواتهم إلى مؤتمرات خارجية متعددة,يتلقى فيها الشباب التدريب والـتأهيل والدعم, فان تلك المشاركات الخارجية تثير الكثير من الأسئلة, حول براءة الدعم الخارجي ومراميه, ما يثير الشكوك حول نوايا تلك الجهات المنظمة والداعية لمشاركة الثوار في وقائعها, حين تمتد خارطة الدعوة من تركيا إلى صربيا ومن قطر إلى بولندا, ثم تتنوع تلك المشاركات, لتصل إلى التدريب والتأهيل, والدعم والرعاية وقد تصل إلى الرعاية.


جاءت بداية الرواية رصداً للنبض الحقيقي للثورة, بعيداً عن الرصد التقريري الجاف, الذي تعودناه من أعمال روائية حاولت رصد إيقاع أيام الثورة. تميزت بنات 6 إبريل بالغوص عبر شخصياتها إلى هموم المجتمع والهدف من الخروج إلى الميادين, إلى ما كان يجري وراء كواليس الثورة,ولم يُتح للكثير الاطلاع عليه من حياة عاشها الثوار في خيامهم واعتصاماتهم, تلك العلاقات المتداخل بين المعتصمين, كأفراد وكتل فكرية وثورية, رصد لوقائع الميدان بعين من عايش تلك الأحداث الهامة ليس في حياة مصر بل وعلى مستوى العالم, فأي حدث له تأثيراته فما بالنا بأحداث امتدت ولا تزال من أقصى قارات العالم, ونرى اليوم ما يشابهها حتى في بعض الدول الغربية.
وما زاد من حيوية تلك الأحداث وتلك العلاقات, هو استخدام تعدد الأصوات, فمن الراوي العليم إلى الراوي المشارك, وهكذا من بداية الصفحة الأولى, “أبلة فضيلة” تحكي بأسلوب مشوق في نسق منفصل, مع بداية كل فصل, ليس للكبار ولكن للشباب والصبيان, وقد بدأت في معظم الفصول بعبارتها التي صارت أيقونة لبرنامجها في الإذاعة المصرية على مدى عشرات السنين “حبايبي الحلوين”, لتحكي عن السلحفاة التي قدمها للملك أحد أصدقائه, والتي تعيش ثلاثمائة عام, ويمكننا من خلال ترميز السلحفاة أن نذهب لما تعنيه تلك السلحفاة بعمرها الطويل, ما يشيرُ إلى نقد الحاكم وتمسكه بالسلطة, ومحاولة توريث كرسي الرئاسة لأبنائه وأحفاده, وقلب الأنظمة من جمهورية إلى ملكية.
تسلسل حكاية أبلة فضيلة لا تتجاوز الأسطر القليلة في كل جزء, ليأتي بعد كل جزء متن الرواية, بأحداثها المتلاحقة, وتلك الصراعات على الساحات ين جماعات وجبهات ثورية, يُلوِّن الكاتب صفحات روايته بعدة رواة أبرزهم منيرة حافظ, إلا أن صوتها دوماً ما كان يتقاطع مع صوت آخر, يظهر بين فصل وآخر, إضافة إلى تلك الحوارات, التي مثلت في بعضها أصوات تحكي, وقد جاءت في بعضها طويلة, ما أضفى على أفق السرد في هذا العمل حبكة الصورة أو المشهدية التي تمتاز بها الرواية الحديثة. والحوار الداخلي للشخصية, ما يعطي للقارئ تنوع في حكايات متداخلة تصل لحد الصخب.
من جانب آخر يوهم الكاتب ــ بين جزء وآخر ــ القارئ بدعوته لمشاركته تصور امتدادات لأحداث يخالها مبتورة, ليذهب القارئ كي ينسج تلك التتمات, فيفاجأ القارئ بعد عدة صفحات أن الكاتب يعود لرتقها بمشاهد أخرى أكثر صخباً, حتى أننا نسمع نبض الشباب في ميدان التحرير وتحت تمثال سيمون دي بفوار, وساحات مدن مصرية أخرى.
كما أن الكاتب أعطى تلك العلاقات التي نشأت خلال الثورة بين الشباب خاصة مساحة وكأنه يطري صفحات بتلك العواطف والمشاعر والقصصية الجانبية التي تنجح بعضها لتؤسس حيوات مستقبلية ناجحة.
لم يكن الكاتب منحازاً لطرف على طرف, أو فكر ضد آخر, بل إنه حاول ألا يظهر صوته, مقابل أصوات وصراع تلك الأفكار التي اعتملت خلال فترة الثورة, يقدم الآمال والطموحات, فمن يحلم بعشة وآخر بثروة وجاه من خلال نجاح الثورة, ومن يتمنى الحصول على عمل مرموق, إلى آخر يريد الزواج.
لكن مجمل تلك الأحداث وصراع تلك التيارات من الوفد إلى الوطني والأخوان إلى حركات الشباب تأتي لنا بإيحاء جامع فحواه أن الثورة أُجهضت, وأن كافة الأحلام وُئدت, وأن هناك من يخطط ومن يستغل جموح الشباب في سبيل التسلط والسيطرة, وهنا أذرع خارجية في الخفاء تعمل لتنفيذ مخططاتها وحماية مصالحها.
وما تلك الإنشقاقات وهجر الميادين واختيار العزلة, إلا صورة ذكية قدمها الكاتب كخلاصة, وإن ترك الباب مستشرفاً مستقبل ربما يعود مرة أخرى بحراك ثوري على يد الزهرات الخمس, فهل المقصود ببنات 6 أبريل هن البنات أعضاء الحركة, أم الخمس فتيات في عمر الزهور, مواليد يوم تأسيس الحركة؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق