ثقافة السرد

ولم يكتمل القمر

بقلم: د/نبيلة عبودي*
 
أشرقت لحظة الوعي ذات فجأة.. و أدركني برد الوحي ذات تأمل.. و تأملت ذات ألم، فانسل المداد من القلم..
على ضفاف الكوثر سبع قصص سمان.. تتربص بهن نظرات عجاف.. و آمال خضر و آلام يابسات.. و سبع رؤى تلاحقها التأويلات..
و لم يكتمل القمر.. أول البوح.. الذي التزم الصمت عقدا و نصف العقد من الزمان.. و خرج إلى النور بعد طول سبات..
سبع قصص يسودها الاختلاف.. و آلام جمعها الائتلاف.. و بين الاختلاف و الائتلاف حرف تباركه السباعيات..
√ و لم يكتمل القمر: في ليلة لم يكتمل فيها القمر تدرك “بلقيس” أن القدر الذي جمعها “بإياد” هو الذي فرقها عنه.. هي الفتاة التي قررت ألا تحب.. و عندما خانها القرار.. و نبض قلبها حبا رحل حبيبها.. لكنها.. و بعد طول معاناة تختار قدرها.
” أتذكر كيف فارقت “إياد”.. أين؟ متى؟.. كان كالآن.. و أنا على مقعد الوحدة.. تحت شجرة البورانكاس.. الوحيدة المنعزلة عن أشجار الجامعة المتراصة.. لكنني كنت أرى وجهه الملائكي مرسوما على زجاج نافذتي.. و في خضم هذه اللحظات المقدسة من عمري أرى الزجاج يتساقط.. يتكسر وجهه كالشمس.. يصبح شظايا.. نصف أنف.. عين.. حاجبان مفصولان.. لماذا تبدو لي صورة “إياد” قمرا لن يكتمل؟
كم أعجب لهذا التخيل!
قلت لي يوما:
– إن جمعنا القدر فمن يفرقنا إذن؟
و أردته أن يجمعنا.. أردت الانتحار.. لكنني تعلمت أن القدر الذي جمعنا بالأمس هو الذي فرقنا اليوم.. لن أنساك يا “إياد”.. ستبقى في ذاكرتي ما حييت.. لقد اخترت قدري.. لقد اخترته يا “إياد”..
أزلت آثار العوسج و مضيت مضي الذي لا يعود.. أحمل على عاتقي زهد “رابعة”.. و قد أنبت عن تصديق أطياف الليل.. و لم يكتمل القمر! “
√ السمكة و النورس الطائش: هي طفولة حُكم عليها بألف جلدة و الجلاد أب لا يزال يهيم في مستنقع النسوة ” تلك اللحظات المصلوبة على عمود السرعة تذكرني بالسمك العالق في أفواه الطيور..نعم.. أنا سمكة في فم نورس طائش.. باخرة ترفضها المراسي.. جزيرة يلفها سؤال و سؤال.. منفى سجنه القدر في وحدة موحشة.. و عتمة بكاها جنون الليل المحتضر..
تجعلني اللحظة أبكي أمام فراشي.. لخزانتي المنسية.. كركن منفي سطرت فيه ملابس طفولتي الضائعة.. طفولة حكم عليها بالعناء.. الذكريات المحبطة وحيدة.. كجرح نازف.. و أنا الجرحى كتاب مقدس تحت أنقاض معبد حزين.. هجره الكهنة دون عودة..”
√ الوجه المتكسر: هي فتاة انكسرت على حقيقة مرض سرق منها حياتها “عندما اختارها السرطان عرشا ليستوي عليه أحست أن الزمن توقف.. أن عيون الأموات تناديها بلهف مجنون.. أن إله الظلام اختارها عشيقة تحطم صمته المكدود.. و أصبح عواء النعش الجائع أسطوانة لا تتوقف عن الانشاد..
تتبخر الأنفاس الكئيبة.. يبحر النحيب مع المسافر الذي لا يعود.. يقرع فرسان الموت الطبول.. تصرخ أجراس الكنائس.. تهتز المساجد.. تؤدي آخر صلاة و تمضي..”
√ حب من ورق: هي “جمانة” الطبيبة العاقر التي لم تجد السند من “وحيد”.. الزوج الذي أعطته كل شيء، و لم تأخذ منه إلا الخيانة ” هي نفسي تذوي من وجعها السحيق. وهي الريح تحمل أشلاءها و تذريها على جبل تابور.حيث تشرق كالشمس كما أشرق المسيح.وهاهم الحواريون يحاولون عبثا جمع تلك الشظايا الشعواء، فلا يستطيعون!
“وحيد” سأنساك. سأمحو ذكراك. وسأرميك كالورق في سلة المهملات.ظننت حبك فرقدا هوى، فسكن غياهب صدري. لكنه أحرقني.
أنا أعرف الآن معنى أن يكون الثلج نارا تلتهب.تحرق وتحترق.. وأنا “هاديس” أحرقت حبك لأن حبك من ورق!
√ ذكرى: الحسناء التي اختطفها الموت بعد صراع مع المرض.. رحلت و لم يبق منها إلا الذكرى ” تسحبني وشيجة الوحدة إلى شجرة البورانكاس.. حيث تزهر أشواكا.. تثمر أحزانا.. و بكل يأس أقطف حزني ثمرة.. ثمرة.. و أجمعها في سلة حياتي.. و تحت ظلال الوحدة لا تؤنسني سوى “ذكرى”..
حياتي بعدك جوفاء.. لم يملأها سوى الفراغ.. و لم يبق من الأمل سوى بقايا مبعثرة هنا وهناك.. أحاول عبثا أن أرمم نفسي، فأشد بعضها إلى بعض.. لكنها تنكسر كلما مر طيفك بذاكرتي الفارغة.. ذاكرتي التي أجهضت في شبابها، فضاعت أسماء كل من عرفتهم إلا اسمك.. أصر على البقاء في ذاكرتي لأنه منها.. “ذكرى”..”
√ عذراء المخمل الأسود: هي “ليلى” التي اختارت الرسم عالما.. و وجدت في “صابرة” موضوعا خصبا، فكانت جوهرة المعرض ” بينما كنت أغوص في أغوار اللوحة لمحت الخالة “صابرة”.. ابتسمت لها.. سلمت عليها و مضيت.. بدت لي امرأة عادية.. لم أهتم لأمرها.. ليست أكثر من روتين أتعايش معه يوميا.. و لم أدرك أنذاك أنها جوهرة العقد المفقودة..
الجوهرة.. مكانها مميز.. أضع اللوحة، فتبدو عالما مختلفا يغزو العوالم الروتينية.. إنها مميزة بألوانها.. بخطوطها.. بالحياة المنبعثة فيها.. إنها أغرب خلق بشري”
√ في لحظة: هو “حليم” الرجل الذي فقد ذاكرته هروبا من “سلمى” التي رحلت دون عودة.. و في لحظة.. يتذكر كل ما حدث. . هي لحظة تختصر كل شيء ” شتات ذكريات.. و بقايا أفكار متناثرة هنا و هناك.. أفكار بيضاء و أخرى سوداء.. أفكار صافية.. أفكار داكنة.. أفكار تحمل الأوهام بين تفاصيلها.. و أخرى بنت صرحا من الأحلام التي أهرب بها من النسيان.. كلها أفكار تحمل عناء الماضي و غموض المستقبل!
هل أعيش تحت رحمة النسيان، فأهجر الماضي و أحزانه.. أم أطلب الغفران من الذاكرة الناشز لربما رق قلبها و أعادت لي ذكرياتي التي ستحرقني، فلهيب الحقيقة أقوى من أن تخمده أمطار النسيان؟
عدت إلى نفسي و عادت نفسي إلي.. و ما هربت منه بالأمس واجهته اليوم.. و أدركت أن الحياة و الموت.. الشك و اليقين.. المضي و العودة.. البداية و النهاية لحظة.. و كانت لحظة البداية..”

*الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق