الموقع

وما علمناه الشعر

إبراهيم الباش

نفي الشعر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثة مواضع من القرآن لا يعني بحال وقوف الإسلام في وجه الفن والشعر، إنما في ذلك إثبات لتحدي القرآن للعرب في أخص ما عرفوا فيه من فصاحة وبيان وشعر، وأن صاحب هذه الشريعة الخالدة مبرّأ عن كل تهويمات الشعراء وانفعالاتهم التي قد تخرجهم عن الجادّة، وأيضاً فإن في ذلك توجيهاً للفن والإبداع أن يكونا نابعين عن تصور إسلامي للحياة في كل جوانبها وأن الأحلام والتخيلات الشعرية لا طائل منها إن لم توجّه نحو تقرير الغاية العقيدية التي أرادها الإسلام للإنسان فوق هذه الأرض. ولعل الآيات ا لآتية من سورة الشعراء تلقي الضوء على المنهج الذي يريده الإسلام من أصحاب الفن والشعر…

(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ).

الشعراء: 224-227

طبيعة الشعراء غالباً كما عرفتهم البشرية أنهم يصنعون حلماً في حسهم ويقتنعون به وقد يبقى هذا التخيل في حيزه دون ترجمة إلى فعل وممارسة، في حين أن الإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع لا أن يهربوا منها إلى الخيال المهوّم الذي يكون الشعر ميداناً له، ومن هنا فإن الإسلام إذا وقف نداً لضرب من الفنون البشرية فلا يقف نداً له لذاته وهذا ما قد يستشعر للوهلة الأولى من ظاهر الألفاظ في آية سورة الشعراء، ولكن التأمل في مسيرة الإسلام وكيف كان موقفه الإيجابي من الشعر يعطينا أبعاداً أخرى في فهم الآية فالإسلام لا ينظر في شكليات الأدب وقوالبه إنما ينظر في المنهج الذي يسير عليه الشعر والفن بعامة، فلا يرضى للشعر أن تسيّره الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها، وأن توجهه الأحلام الشاردة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ).

والروح حين تستقر على منهج الإسلام وتنضح بتأثيراتها الإسلامية شعراً وفناً وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق المشاعر النبيلة في دنيا الواقع ولا تكتفي بصنع عوالم وهمية تعيش فيها فإن ذلك كله يدخل في الاستثناء الذي أبرزته الآية (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظُلموا) وهو استثناء من وصف عام للشعراء. فالآية تستثني الذين آمنوا وامتلأت قلوبهم بعقيدة راسخة واستقامت حياتهم على المنهج القويم، ولم تكتف الآية بوصفهم بالإيمان بل إنهم عملوا الصالحات أي لم يكتفوا بمجرد الأحلام والتصورات بل اتجهت طاقاتهم إلى الخير والعمل.

وفي قوله تعالى:

(وانتصروا من بعد ما ظُلموا) إشارة مهمة إلى دور الفن والشعر كسلاح فعال من أجل حياة كريمة ولا سيما إذا توجه هذا الشعر نحو المنافحة ونصرة الحق، ونتذكر ههنا الدور الذي برز لشعراء الأنصار وغيرهم في المنافحة عن الدعوة كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم.

هذا وقد وجه القرآن في آيات كثيرة القلوب والعقول إلى التفكر في بدائع الكون (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) كما وجه إلى التفكير في خفايا النفس البشرية (وفي أنفسكم ألا تبصرون) ولا شك أن الكون والنفس هما مادة الفن والشعر مع أن في القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والتأثير، ولذا فليس من الضروري للشعر أن يكون دفاعاً ولا دفعاً ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيداً له أو لرجاله بل أن يكون وفق تعدد أغراضه من وصف ومدح وحكمة نابعاً عن تصور ورؤية إسلامية تحيطه بسياج عقائدي وأخلاقي.

نفي الشعر عن النبي صلى الله عليه وسلم

ورد لفظ الشعر ومشتقاته في القرآن الكريم في ستة مواضع ثلاثة منها جاءت في معرض إبراز الشبهة التي اعترض بها المشركون على دعوة النبي وهي اتهامه بأنه شاعر، وأن الكتاب الذي جاء به شعر من صنع بشر، والآيات هي:

(بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر)

الأنبياء: 5

وقوله تعالى:

(ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون)

الصافات: 36

وقوله تعالى:

(أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون)

الطور: 30

وأما المواضع الثلاثة الأخرى فقد جاءت لدفع الاعتراض والتهمة السابقة عن النبي وهي قوله تعالى:

(وما علمناه الشعر وما ينبغي له)

يس: 69

وقوله تعالى:

(وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون)

الحاقة: 41

وقوله تعالى:

(والشعراء يتبعهم الغاوون)

الشعراء: 227

النبي أفصح العرب كم جاء في الحديث الصحيح (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش) ومع ذلك لم يصنع النبي بيت شعر واحد، وما ورد منه عفو الخاطر من الرجز فلا يعد شعراً بحال كقوله يوم أحد: أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب.

ولو سار النبي في نظم الشعر لخرج بذلك إلى الاتساع في القول لتحقق الفصاحة والبيان في كلامه، ولله حكمة عظيمة في ذلك، فإن الشاعر تغلب عليه سجية المنافسة والمغالبة والحمية وهذه الأشياء تصرف صاحبها عن دعوة ملؤها التسامح والإخلاص والحمية لدين الله لا شيء آخر ولذلك قال تعالى:

(وما علمناه الشعر ما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)

لا شك أن ذلك تأديب من الله أراد به تحويل اهتمام النبي عن الشعر وقوله مع أن الشعر كان سجية في بني عبد المطلب رجالاً ونساءً.

الشعر ودوره الإعلامي في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم

على الرغم من نفي الشعر عن النبي صلى الله عليه وسلم كما بيناه آنفاً، فإن النبي كان يحب الشعر ويستنشده ويكافئ عليه إذا ما كان هذا الشعر ذا رسالة لا تؤدي إلى ضلالة أو معصية ولو لم يكن ذلك منه صلى الله عليه وسلم لماتت الرواية بعد الإسلام، ولما وجدنا من العلماء من يجل الشعر وروايته وتفسيره والاحتجاج به، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الشعر وأثاب عليه ورخص فيه لم يرد إلا هذا المعنى ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في أمر الجاهلية (إن الله قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته) ومفهوم المخالفة لهذا الحديث أن النبي يرخص رواية الشعر فيما هو ليس من أمر الجاهلية وآثامها.

ومن هنا كان للشعر دوره الدعوي في الدعوة إلى مكارم الأخلاق والتوحيد، كما له الدور الإعلامي البارز في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان الشعر في ذلك الوقت من أقوى وسائل الإعلام تأثيراً في نفوس الخصم، فكما أن المدح يبث الأمل في النفوس فإن الهجاء إذا كان قوياً يحبط الهمم إذا كان صادراً عن شاعر كفء يمتلك ناصية البيان،ولذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت الأنصاري كي يُصْلي بني قريظة بلهيب قصائده يهجوهم ويلقي الرعب في قلوبهم بذكر قوة المسلمين وإيمانهم وتذكير بني قريظة بجرائمهم، وفي رواية البخاري في صحيحه بإسناده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت يوم قريظة: (اهج المشركين فإن جبريل معك) فهجاهم حسان بقصائد منها هذه الأبيات:

تفاقد معشر نصروا قريشاً

وليس لهم ببلدتهم نصير

هم أوتوا الكتاب فضيعوه

وهم عمي عن التوراة بور

كفرتم بالقرآن وقد أُتيتم

بتصديق الذي قال النذير

وكان لشعر حسان هذا أثر عظيم في إضعاف الروح المعنوية لدى العدو حيث قام بتثبيط هممهم وإلقاء الرعب في أفئدتهم.

وها هو ابن الأشرف اليهودي الحاقد لم يكتف بتحريض قومه على المسلمين وتعاطفه مع المشركين بل راح يرثي قتلى المشركين بشعره ويهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويُظهر عداوته لهم، إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت من إعلانه الشر وقوله الأشعار، من لي بابن الأشرف فقد آذاني).

وهنا يظهر الدور الإعلامي البارز للشعر الإسلامي، فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كعب بن الأشرف قد نزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وزوجته عاتكة، فأبلغ حسان بن ثابت بذلك فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف، فلما بلغ عاتكة بنت أسيد هجاء حسان نبذت رحْل اليهودي ابن الأشرف وقالت لزوجها: ما لنا ولهذا اليهودي ألا ترى ما يصنع حسان بنا؟ فرحل ابن الأشرف عنهم إلى قوم آخرين فهجاهم حسان حتى طردوا ابن الأشرف وظل شعر حسان يلاحقه كوسيلة إعلامية متنقلة وسهلة الانتشار حتى لفظه كل بيت فعاد إلى المدينة راغماً بعد أن ضاقت في وجهه السبل بسبب شعر حسان.

وقد وقفت الكلمة إلى جانب السيف في بدر وأحد والخندق فها هو كعب بن مالك يقول في يوم الخندق مفتخراً ويثني على بلاء المسلمين وشجاعتهم:

من سره ضرب يرعبل بعضه

بعضاً كمعمعة الأباء المحرق

فليأت مأسدة تسل سيوفها

بين المذاذ وبين جزع الخندق

الشعر يواكب الفتوحات الإسلامية ويؤرخ لها

نظم العرب المسلمون في حروبهم وغزواتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أجمل الشعر وأعذبه واستمرت مسيرة الشعر في عهد الخلفاء الراشدين وحروبهم وفتوحاتهم كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خرج العرب من جزيرتهم بعد حروب الردة يجاهدون في سبيل الله دولتي الروم وفارس فقضوا على الأولى واستولوا على أهم ولايتين للثانية وهما مصر والشام، وكانوا في أثناء هذا الجهاد ينظمون أناشيد حماسية مدوية يتغنون فيها بانتصاراتهم ويتمدحون بشجاعتهم وما يؤدونه لله ودينه ومن تلك المعارك التي نظمت فيها القصائد الطوال موقعة القادسية التي قال فيها الشاعر يصف مصرع رستم مفتخراً:

قتلنا رستماً وبنيه قسراً

تثير الخيل فوقهم الهيالا

وفر الهرمزان ولم يحامي

وكان على كتيبته وبالا

كما حفلت بعض القصائد الإسلامية برثاء الشهداء الذين سقطوا في ساحة الوغى ومن ذلك قول الشاعر التميمي يرثي من أصيبوا في معارك (الطالقان وجوزجان) في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

سقى مزن السحاب إذا استهلت

مصارع فتية بالجوزجان

ورب أخ أصاب الموتُ قبلي

بكيت ولو نعيت له بكاني

والملاحظ أن هذه الأشعار التي واكبت الفتوحات الإسلامية كان لها دور تأريخي فضلاً عن دورها الإعلامي لما يسود فيها من ذكر الأزمان والأماكن التي أبلى فيها المجاهدون بلاءً حسناً أو التي استشهدوا فيها، خاصة أن هؤلاء الشعراء الذين وصفوا هذه المعارك والفتوحات هم غالباً من الفرسان الذين شاركوا في صناعة هذه الأحداث، لذا فعملهم سيأخذ الطابع التوثيقي الذي يطمئن لصدقه القارئ.

ولئن لمسنا شيئاً من المبالغة في وصف قوة المسلمين في هذه المعارك فإن الأكثرية من هؤلاء الشعراء كانوا أمناء في وصف ما يرون، بل ظهر عندهم ما يسمى بظاهرة (الإنصاف) في الشعر، وأعني بها إنصاف الخصم ووصفه بصورة دقيقة من قوة وصولة وعتاد وإعداد قد يفوق ما عند المسلمين كما قال الشاعر:

سقيناهم كأساً سقونا بمثلها

ولكننا كنا على الموت أصبر

وبصورة عامة فإن شعر الفتوح كان شعر اللمحات السريعة والمواقف الخاطفة ولذلك كانت تشيع فيه البساطة وعدم التكلف لما يعترض صاحبه من شواغل الجهاد التي قد تحول بينه وبين إطالة الفكرة مع اتخاذ هذا الشعر لطابع التسجيل والتأريخ.

وعوداً على بدء لقد رسخت آيات القرآن الكريم وبخاصة آيات سورة الشعراء منهجاً للشعر نابعاً عن تصور إسلامي عقيدي، ينأى بالشعراء عن الركون إلى مجرد الأحلام والتخيلات التي لا رصيد لها من واقع الأمة الإسلامية فسار الشعراء المسلمون على هذا المنهج إبان غزوات النبي وفتوحات الخلفاء، فأنبتت ألسنتهم أزاهير شعر أدت وظيفتها الدينية والتاريخية والأدبية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق