قراءات ودراسات

شعرية الإتصال و الأنفصال في ديوان الأغاني

بقلم :محمدعلى عزب*

ديوان الأغانى للشاعرالكبيرسيد حجاب كتاب يضم الأغانى الشعرية المصاحبة للعديد من المسلسلات الدرامية التى ألفها كبار كتّاب الدراما التلفزيونبة  مثل أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوى ويسرى الجندى،وقد لحّن هذه الأغانى كبار الملحنين مثل عمار الشريعى وميشيل المصرى وياسر عبرالرحمن وغنتها أصوات صافية من كبار المطربين أمثال على الحجار ومحمد الحلو ومحمدثروت وحسن فؤاد، وارتباط هذه الأغانى الشعرية بالنصوص الدرامية يحلينا اٍلى ظاهرة التناص وهى ” علاقة النص اللاحق بالنص السابق واٍعادة اٍنتاجه له ” وأن كل نص عبارة عن فسيفاء من الاٍستشهادات والاٍقتباسات من نصوص أخرى، وللتناص عدة أنواع منه المباشر المعروف المصدر ومنها الغير المباشر… والتناص فى ديوان الأغانى تناص مباشر، فالمرجع الذى تتناص معه هذه الأغانى هو النصوص الدرامية للمسلسلات، ذلك أن هذه الأغانى كان هدفها الأساسى اٍبراز فكرة المسلسل الدرامى عن طريق نظم مفردات موزنة ومقفاة فى قالب غنائى بشكل مباشر، ولكنها كانت فى صراع دائم مع النص الدرامى لتحديد هويتها الخلافية من خلال اتصالها وانفصالها عنه فى أن واحد ،ويرجع ذلك اٍلى قدرة الشاعر سيدحجاب على قراءة النص الدرامى واٍجراء حوار تفاعلى معه حتى يصل اٍلى مرحلة تذويت النص أى يجعله جزءا من ذاته الشعرية ويحدث ذلك عندما يقبض الشاعر سيد حجاب على لحظة شعورية معينة تشتبك فيها ذاته الشعرية مع موقف أومشهد أوحوار أو شخصية فى النص الدرامى ،فتولد الأغنية/القصيدة وتحقق كينونتها الشعرية باتصالها وانفصالها عن النص الدرامى  فى نفس الوقت ، حيث تتصل به لأنه المرجع المباشر لها تتماس معه فى لحظة شعورية ما وتنفصل عنه فى كونها أغنية شعرية تغنى أو قصيدة تقرأ، تخاطب الوجدان الاٍنسانى عن طريق الشعر وتقيم بينناوبينها علاقة تواصل ،فتكون الأغنية /القصيدة مثل طائر النورس الأبيض والنص الدرامى للمسلسل مثل السفينة فى البحر،تارة يحطّ على قلوعها ذلك النورس الجميل وتارة أخرى يحلق فى الفضاء .

فى أغنية/قصيدة  مسلسل “حلم الجنوبى “حيث أن البطل فى هذا المسلسل “نصر القط ” مدرس التاريخ ألذى  اعطاه تاجر الآثار “عمران ”  بردية فرعونية ليقرأ مافيها ، فوجد أن  فيها خريطة توضح موقع مقبرة الاٍسكندر الأكبر فى الأسكندرية ، احتفظ بها فى منزله الذى حرقه المتطرفون لأنه فى وجهة نظرهم يقدّس الأصنام فى معابد الفراعنة ،  ولا يصد ق تاجر الآثار أن البردية احترقت فيطارد البطل ليستردها أو يقتله،و رغم احتراق البردية فاٍن الخريطة كانت  مرسومة فى ذاكرة البطل فيترك فترك حبيته وأهله فى بلدته الأقصر وسافر اٍلى الأسكندرية وهناك التقى بنوعيات جديدة من البشر منهم أحد علماء الآثاروابنته الباحثة فى التاريخ وحاول تحقيق حلمه فلم يجد سوى سراب  . ،

يقول الشاعر سيد حجاب فى هذه الأغنية /القصيدة (زمان لاحزان رمان /غربا ولا دريانين /الغربة دى ف دمانا؟!/ولاّجاتنا منين ؟!/ تايهين مابين غمانا / وليل مالهوش عينين /فينك يانجوم سمانا/ دايبين لهفة وحنين ) وفى هذا المقطع تتماس الأغنية / القصيدة مع حالة  التيه والغربة المكانية والزمانية للبطل وابتعاده عن حبيته عندما سافر للبحث عن مقبرة الاٍسكندر الأكبر وغربته عن هذا الزمن الذى  اكتشف أنه ولد فيه غريبا وهو لايدرى ، وفى نفس الوقت يمكن سماع أوقراءة هذه الأغنية/ القصيدة دون ربطها بهذا المسلسل نرى أنها تعبرشعريا عن حالة  اٍنسانية  فى أى زمان  وفى أى مكان،و قد يكون هذا الاٍنسان أنا أو أنت أو شخصا ما نعرفه أو لا نعرفه وربما يكون من زمن غير زمننا .

ومثال آخر فى أغنية/  قصيدة  مسلسل “أرابيسك” التى يقول فى مقدمتها ( وينفلت من بين اٍدينا زمان/كأنه سحبة قوس فى أوتار كمان /وتنفرط ليّام عقود كهرمان/يتفرفط النور والحنان والأمان /وينفلت من بين اٍدينا زمان ) ، البطل فى هذا المسلسل “حسن النعمانى ” فنان أرابيسك وصاحب ورشة لصناعة مشغولات الأرابيسك ،ورثها عن أبيه وجده ، ذلك البطل الذين يطلقون عليه” أبوكيفه” لأنه يتعامل مع مهنته على أنها فن وليست وسيلة للثراء ، فتتدهور حالته الاٍقتصادية ويطلّق زوجته ورغم هذه الهزائم المتتالية ،لم يرض أنّ يتحوّل من فنان أرابيسك اٍلى صانع قطع ديكور ينفذ مايرغب فيه مهندسو الديكور ، ولهذا البطل شقيق اسمه ” حسنى ” أكمل تعليمه فى كليّة الفنون التطبيقية ،وكانت رؤيته تختلف عن رؤية” حسن ”  فى نظره لفن الأرابسيك لابد أن يجارى متطلبات السوق من أجل الثراء وتدور أحداث المسلسل فى حى شعبى من أحياء القاهرة “خان دويدار ” وفى نهاية المسلسل تنهار فيلا الدكتور” برهان ” نتجة للتعديلات التى قام بها “حسن” فى معمار الفيلا ليؤسس فيها قاعة شرقية تعبر عن الفن فى العصر الاٍسلامى ويدخل “حسن ” السجن .

وفى أحد مقاطع أغنية / قصيدة “أرابيسك ” يقول الشاعر سيد حجاب (الغش طشطش رش ّ ع الوشّ بويه /ما دريتش مين بليشو أومين رزين /شاب الزمان وشقيقى مش شكل ابويا/شاهت وشوشنا تهما بين شين وزين / ولسّه ياما وياما نشوف كمان ) .

فى هذا المقطع نجد تماسا مع حالة البطل الذى يعانى التيه والحيرة  فى زمن  تنفى منه الأصالة   ورغم ذلك يرفض أن يسلّم لهذا العصر على عكس شقيقه “حسنى “الذى أصبح لايشبهه ولا يشبه أباه ، وفى نفس الوقت يمكن أن تنفصل هذه الأغنية /القصيدة عن المسلسل الدرامى وتعبر بذاتها عن حالة الاٍنسان المتمسّك بالأصالة والجمال فى مواجهة التشوه والفبح فى كل زمان ومكان .

فى ديوان الأغانى تشكل كل أغنية/قصيدة موقفا شعريا قائما بذاته والرابط بين هذه المواقف الشعرية هو حضور الذات ،مما يجعل هذه المواقف الشعرية تجارب خاصة عاشتها ذات الشاعر، وقد تعبرهذه الذات عن نفسها بصيغة المفرد كما فى أغنية /قصيدة ” لامرسى.. لاعنوان ”  يقول الشاعر (فيه حاجه جوا عروقى مخفيه /لها طعم جرح الملح ..طعم الأه!/ الحزن م الدنيا سرى فيا /واناباجرى منه ولاّبجرى وراه ؟!) وقد تكون ذاتا جماعية كما فى  أغنية /قصيدة “ليالى الحلمية ” حيث يقول الشاعر (ليه يازمان ما سبتناش أبريا ؟ وواخدانا ليه فى طريق مامنّوش رجوع ؟!/أقسى همومنا ..تفجّر السخريه !/وأصفى ضحكه تتوه فى بحر الدموع ! )،وهى دائما ليست ذاتا محايدة لا تكتفى بالعرض الخارجى للمواقف الشعرية ولكنها تغوص فيها  وتجذب المتلقى للغوص معها عن طريق استحضار العالم الشعرى لأغانى/قصائد هذا الديوان بالصوت والصورة  من خلال استعمال الشاعر للنبرة العنائية والسرد، أمّا عن النبرة الغنائية فاٍنّها تختص بالأوزان والقوافى والجناس ليشكل صورة صوتية تجذب المتلقى وتتسلّل للذاكرة لتسهل من عملية الغناء والحفظ ،دون أن تؤثر تلك التقنية على جودة الشعروتنتصر للقالب على حساب الشعرية ،وأحيانا يستعمل الشاعرتقنية لزوم مالا يلزم  وهى أن يلزم الشاعر نفسه بحركات وحروف لا تتطلبها قواعد علم القافية ،ومن أمثلة ذلك فى أغنية /قصيدة  “وقال البحر” فيقول الشاعر(الشمس حاميه ..وراميه الناس فى سكتّها /وقلوبنا تبكى ..وأحلامنا تسكتها/ياما بيبان مقفولين ..الاٍيدين الطايشه سكتها)وفى الرباعية الثانية من هذا المقطع يسير الشاعر على نفس المنوال فيقول (الموجه داميه ..وراميه الخلق فى التوهه/لوسابو اٍيدبعض ضاعوا فى سكه معتوهه/ياللى انتوا فاكرين هتاخدوا الدنيا وحديكم /الدنيا واخداكم ومش انتوا اللى خدتوها !) .

أما عن السرد فى هذا الديوان فقد تم توظيفه فى سياق شعرى ،فالشاعر عندما يصبح راويا فاٍنه لا يقدم خطابا قصصيا متكامل الأركان ولكنه يقدم خطابا شعرى، يمثل السرد أحد عناصره البنائيه حيث يقوم فيه “السردالتشخيصى” القائم على الحديث عن الذات والأشياء وتشخيصها ووصفها معتمدا على اللغة المشخّصة بتأطير القصيدة والربط بين أجزائها ،وبناء شبكة المتخيل الشعرى من صور ومجازات جزئية لتشكيل صورة بصرية مرئية للعالم الشعرى الذى تشيراٍليه أغانى /قصائد هذا الديوان ،والشاعر الراوى يقوم بتحريك الصورالشعرية البصرية عن طريق الوصف المقرون بالحركة ومن أمثلة ذلك المقطع الثانى من أغنية /قصيدة “أرابيسك ” (الشرّ.. شرّق غرّب ..داخل لحوشنا /حوشوا لا ريح شاردة ..تقشقش عروشنا /حوشوا ..شرارة تطيش..تشقق عروشنا /وتغشنا المرايات ..تشوش وشوشنا /وتهيل تراب ع الهالة والهيلمان) ،وفى بعض الأحيان يبدأ الشاعر الراوى قصيدته بمقطع حوارى ليعطيها نوعا من العمق الدرامى يعمل على جذب المتلقى منذالبداية  ويكمل باقى القصيدة بالسرد كما فى أغنية /قصيدة “ليالى الحلمية” حيث يطرح الشاعر الراوى سؤالا ويتبع ذلك صوت آخر يرد بالاٍجابة وقد يكون هذا الصوت الآخر هوالشاعر نفسه وقد انقسمت ذاته  حيث يقول الشاعر ( ..ولفين ياخدنا الأنين ؟! / ـ لليالى مالهاش عينين / ..ولفين ياخدنا الحنين / ـ لواحة الحيرانين).

الشاعرالراوى فى هذا الديوان يتواصل مع  مع أسلافه الشعراءوالرواة الشعبيين ليس عن طريق التقليد والمحاكاة ولكن عن طريق اٍجراء حوار تفاعلى مع نصوصهم ،ممايعطى نكهة شعرية خاصة وهوية خلافية لنصه الشعرى فى مواجهة النص الآخر ،ومن أمثلة ذلك المقطع الثانى فى أغنية قصيدة النهاية لمسلسل حلم الجنوبى ،حيث يجرى الشاعر حوارا تفاعليا مع مربع من فن الواو للشاعر “ابن عروس “الذى يقول (ماحدّ خالى من الهم / حتى الحصى فى الأراضى / لاله مصارين ولادم /ولا هو من الهم فاضى .)،و يقول الشاعر سيد حجاب ( ولا حدّ م الهم خالى /حتى القمر فى العلالى /حتى امّا دهرى سخى لى /مافارقش همى الوريد ) ، وكأن الشاعر استحضر “ابن عروس ” وهو يشير اٍلى حصى الأرض الملئ بالهم رغم أنه ليس كائنا حيّا ،فيرد عليه الشاعر سيد حجاب مشيرا اٍلى القمر فى السماء ـ أيضا ـ  ليس خاليا من الهم ،ويدخل الشاعر ذاته فى هذا الحوار ليربط بين الخاص والعام وأن الهم لم يفارق وريدة حتى عندما سخى له الزمن ، واٍلى جانب  تواصل الشاعر مع أسلافه يتواصل أيضا مع التراث الشعبى من خلال توظيف الحكم والأمثال الشعبية ويتواصل أيضا مع التراث الدينى ويتأثر بالقرأن الكريم كما فى أغنية /قصيدة عصفور النار حيث يقل الشاعر ( يانار..ويانار.. كونى برد وسلام/وطهّرى روحنا …نقيم الصلا /وكونى نور مبدور فى قلب الضلام / واهدى قلوب متشرّدين فى الخلا .)وهنا يظهر التأثر بقول الله عزّوجلّ ( يانار كونى بردا وسلاما على اٍبراهيم )، وأحيانا يعرض الشاعر الراوى تجربته فى صورة حكمة دون أن يكبل روح الشعربجمود النصح والاٍرشاد بل يذوّب الحكمة فى ماء الشعر الرائق  ويقدم لناقطرات شعرية مصفّاة كما فى أغنية/ قصيدة “الشهد والدموع” حيث يقول (فى زمان الغربه درنا ياما درنا/ ريح بتبدرنا وريح تضرب صدورنا / بس طول ما قلوبنا مليانه محبّة/ كل هبة هنا تثبّت جدورنا).وفى أغنية /قصيدة “المال والبنون” يقول (اٍيه معنى دنيتنا وغاية حياتنا/اٍن بعنا فطرتنا البريئة الرقيقة/ وازاى نبص لروحنا جوا مراياتنا /اٍذا احنا عشنا هربانين  م الحقيقة ).




*كاتب وباحث أكاديمي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق