قراءات ودراسات

تفاصيل الألم المجتمعي في المجموعة القصصية “معادلة الحياة” للقاصة ليلى بيران.

عبد الحفيظ بن جلولي*

1: الكتابة لون من ألوان الذّات الإبداعية التي لا يمكن أن نميّز الوجود الذّاتي إلا بها، وحيثما وُجدت الفكرة وُجد الولع بترسيمها كحالة من حالات الهوية التي تنزع نحو التّكريس، وتلك هي الإبداعية في مراسيمها الإحتفالية بالحدث ونضوج القصة، فالفرح بالكتابة ليس هو الغبطة بالنص، بقدر ما هو ذلك الإحساس الذي لا نستطيع التّعبير عنه ولكنّنا نجده يلفّ كياناتنا المنتجة والمتوائمة ولحظة إنجاز النص، لعله يكون هذا الإحساس هو أحد دلالات عنوان المجموعة القصصية “معادلة الحياة” للقاصّة ليلى بيران، حيث المبدع لا يمكن أن يعادل حياته إلا بالكتابة، أي يوازنها برؤيته للأشياء والعالم، و”معادلة الحياة” شملت في عمقها رصيف المكان المعبّأ بصنوف الحياة التي تنبثق لحظة وجود الكآبة والفرح، القطيعة والأمل، المأساة، الاشمئزاز والتّضحية وكل ألوان الطيف الحياتي المستمر داخل نسق الوجودية المناضلة من أجل أن تكون فقط.

2

إنّ قصص “معادلة الحياة” تعود بنا إلى استرجاع معادلة اللغة، تلك التّي تبني توائمها الخلاق مع المجتمع، أي تتأسّس قريبة منه/ حميمة به، دافئة بتغيّراته وتبدّلاته الأقرب إلى رصيف العراء والإنكشاف المغري بالقول، ولعل هذه اللغة أجدها ظاهرة عند الرّوائي محمد مفلاح، حيث نحت هذه اللغة من حميمية قربه من معاناة الرّصيف المجتمعي، فشكّل معيارا للقبض على نبض المجتمع من خلال اللغة المتوائمة معه، ووَجدت شبيها لها، أو تطبيقا لتجلياتها عند الرّوائية منى بشلم في “تواشيح الورد”، حيث أضافت هذه الرّوائية وصف “اللغة الحياء”، ويبدو لي أنّ الوصف ليس عضويا بقدر ما هو ترسيم حالة لغوية تجلّت بشدّة في ذهن الكاتبة، أيضا وجدتها، أي اللغة المتوائمة مع الحدثية المجتمعية عند عبد الله كرّوم في مجموعته القصصية “حائط رحمونة”، ولعلّ هذه اللغة تسترشد بالحركة المجتمعية في توتّراتها الصّائرة إلى الكبد الإنساني، حيث “اللغة لا تقدّم بديلا عن الواقع، وليست، في ذاتها واقعا، إنّما هي وسيلة لنقل هذا الواقع، بشكل حيّ، ومؤثر.” كما يقول حنا مينة، فقربها من المجتمع هو الذي يمنحها حرارتها وحيويتها.

3

في قصّة “معادلة الحياة” تبدأ القاصة النص بجملة: “لم تكن طفولتي تحمل أحزانا أتأسّف عليها”/ص7، رغم أنّ الوحدة السّردية تنفي الحزن عن الأنا السّاردة، إلا أنّها في الوقت ذاته تكثّف الإحساس لدى المتلقي بالنّفي الذي يثبت التأكيد، فالحزن ليس حالة معيشة نستعين على وجودها بدلالاتها الملموسة، ولكنّها إحساس عميق ينشأ في الذّات من خلال ما يحيط بها، ولهذا كانت هذه الجملة الافتتاحية تعبير عن رصيف الفجيعة في النّصوص الموالية لنص البداية، ففي قصّة “مشغول، مشغول” يأتي الحدث على سرد اللامبالاة بالآخر، وانكفاء الذّات على ذاتها، والحسرة على التّفتيت المجتمعي، “لكن لا يمكنني الاعتماد على رجل مشغول ومشغول”/ص84، هذا الإنفكاك من عرى التواصل المجتمعي، أدّى بالذات إلى تكريس حدود انفصالها المجتمعي وترتيب أنانيتها الطاغية، وبالتالي نبذ الحلم المجتمعي في ترميم حدود التّشارك.

في قصّة “عينان”، تضطلع الكتابة الشّفيفة بغياب التّواصل مع الرّوح، حيث كثافة التّفاصيل مَحَتْ من وجودية الجسد طيفية النّغمة المعنوية، إلى درجة الاحتياج إلى استعادة ذلك النّمط الذّاتي الحميم من خلال تحديد الإنتماء الرّوحي الأصيل وبهاءات الهوية الأولى، لهذا ربطت القاصّة العودة إلى الرّوح بالعودة إلى المكان المقدس البدئي، الذي يحمل الهوية المستمرّة في الوعي والتاريخ وجغرافيا الرّوح.

4

تعمد القاصة إلى توظيف مشهديات، أو لوحات تقدّم من خلالها حالة متفشّية في الوسط المجتمعي، تعمل في سكون لكنّها تدمّر الذّات من حيث هذه الأخيرة لا تلقي لها بالا سوى أنّها تمارس واجبا اتّجاه الآخرين الذين تشعر بأنّها مسؤولة عنهم، ولكن في ذات الوقت تساهم هذه الشّخصية في تدمير ذاتها وتحويلها إلى الهامش، وهذا ما اضطلعت به اللوحات القصصية في “تضحيات لا جدوى منها”، ثم تقدّم لوحات أخرى في “من كلام الناس ما قتل”، حيث لا يريد الإنسان أن يقف على الحقيقة من خلال الحوار ولكن يتصرّف من خلال ما يسمعه  من الآخرين، وهو ما يكشف عن عدم قابلية المجتمع للحوار وسماع الآخر، وبالتّالي ترسيخ الأبوية، تلك التي تُقصي كل صوت وبالخصوص صوت المرأة.

من خلال هذه اللوحات القصصية تقدّم القاصّة رؤية لما يجب أن يكون عليه المجتمع، عن طريق تعرية حقيقة الوضع القائم، فهي كما يقول بول إيلوار، “إن مهمّتي أن أمنح الرّؤية للناس”، لذلك من خلال هذه اللوحات فالقاصة تعبّر بفنية عن جوهر القصة القصيرة كما يراها حنا مينة من حيث “هي تعبير محدود عن اللحظة المأزومة، أو اللّحظة اللقطة”.

5

ترسم المرأة سوسيولوجيا خاصة في قصص الأنثى، إذ تتحوّل السّردية برمّتها إلى مسار أنثوي، لعله يتغذّى من الصّراع الأبدي بين الذّكورة الأبوية والأنوثة الخاضعة، أو هكذا ينتج التصوّر في مجتمع لا يحدّد الهامش الحركي لكلا الجنسين، من حيث كونهما كائنين وُجدا ليتكاملا، فمعاناة المرأة في قصص “معادلة الحياة” طاغية إلى درجة أن نص “ما المرأة” يطرح إشكالية وجودية من خلال صيغة السّؤال التي جاء بها العنوان، وتحكي إنكار قدرة المرأة على صياغة مجرّد فكرة، بدعوى نقص العقل والدّين، إلا أنّ الساردة تنتصر للمرأة بردّ الرّجل إلى ذات الوصف الذي أسبغه على الأنثى.

ضمن هذه البانورامية من الألم الاجتماعي في قصص “معادلة الحياة”، نكتشف أن القاصة ضمن قصدية محتملة تكون قد حاولت الاقتراب ممّا يمكن أن يلغي الفواصل الوهمية بين عالمي الذكورة والأنوثة، على أساس الظلم الإجتماعي الواقع على المرأة، بتسليط بقعة ضوء سردية تندرج ضمن سردية الأنثى على مناطق الإنكسار في العلاقات بين الجنسين، هذه العلاقات التي تبدو في طبيعتها الوجودية محكومة بالمحبّة، كما أنهت بذلك مجموعتها القصصية في نص “صاحبة الحجر”.

 

 

 

*كاتب وناقد وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق