ثقافة السرد

حرمتان ومحرم

الجزء الرابع من رواية المأساة الفلسطينية ل صبحي فحماوي

قد يحطم الرجل ولكنه لا ينهزم !

وإذا سألت عن أبو مهيوب، أقول لك إنه من سكان معسكر الحصار، واسم هذا المعسكر، نشأ مع عدة أسماء معسكرات أخرى للاجئين، بعد أن نُهش جسد المغدورة فلسطين، وشُتت أهلها، فتجمعوا من جديد، في مخيمات متباعدة ومحاصرة، حيث أمطروهم بوابل من الخيام، فسكنوها عَوداً على بدء. هكذا أرادوا لهم أن يعودوا أعراباً، وبدواً يسكنون الخيام، ويا ليتهم بدو، فالبدو عندهم الحلال والغنم، ووسائل الحياة المتكاملة من ألبان ولحوم وشحوم، ووسائل دفاع، وأراضٍ للرعي، وشيوخ وعِزّ وماعز، وأما أصحاب هذه الخيام، فكلهم ماعز بلا عِزّ، ينتظرون يوم الذبح العظيم، يتسلّون بهم على مراحل، عبر خمسينات السنوات، وبالتقسيط المُمِلّ! ولماذا هم مستعجلون، فإن الأندلس ذاب جبل جليدها خلال ثلاثمائة عام من التقهقر.
ورَدّاً على الغرباء الآليين المدججين بكل قوى الشر والطغيان قرر المهجّرون استبدال أسماء المخيمات-المأخوذة من التخييم- بالمعسكرات ليخيفوا الأعداء ويشعروهم بأن هذه التجمعات هي معسكرات تتحفز وتستعد وتتدرب للعودة إلى يافا وحيفا والجليل.
ولأهداف دبلوماسية تعاطفية عولمية، سموا هذا معسكر مدريد وذاك معسكر العرب وهذا معسكر الملك جورج الخامس، وذاك معسكر أوسلو، ومعسكر الإسلام، ومعسكر المحسن الكبير، ومعسكر (هولي لاند)، ومعسكر الطريق.. لعل وعسى هذه الأسماء، تجلب الحظ والمساعدة والصدقة لهؤلاء “الأقل حظاً” في شعوب العالم، ولكن ما حصل أنه كما تقول المغنية الصلعاء: (ما حدا لحدا يا حبيبي!) فلم يدفع أحد مليماً واحداً صدقةً، بقدر ما دفعه تمويلاً لرجاله وعيونه في المعسكر، الذين يكتبون لـه التقارير، ويضعون لـه بصمات جهته المعنيّة داخل المعسكر، ويوجهونه للضحية القادمة، المطلوب أن يتجه نحوها حسب “خارطة الفخ” الممهورة بمعرفة قوات التحالف؛ سايكس الجديد وبيكو القديد، والملحقات واللوائح التفصيلية المكملة لملفاتهما، والبيانات التحليلية، والاستطلاعات الصادرة عن جمعيات حقوق الإنسان وحقوق الحيوان وحقوق النبات وحقوق القرود وحقوق الجن الأزرق وحقوق مثيلي الجنس وحقوق المثيلات بالمثل، والحقوق الممولة من جهات خفية، والتي تحركها من الخلف أصابع عرائس المسرح، ولا يعلم ما ترمي إليه إلا الله. وهو رجل أرمل، ليس (سايكس) أو (بيكو) هو الأرمل، بل أبو مهيوب يا أخي! فبعد وفاة زوجته والتي لم تُخلِّف لـه إلا الشهيد مهيوب، والبنات الثلاث ورغم التحديات القاتلة، لم تهزمه المآسي العظام التي تحاول طحنه كل يوم. والرجل الخمسيني لا يعرف ما قاله (إيرنست همنجواي) على لسان عجوز البحر: (قد يحطم الرجل ولكنه لا ينهزم.) ولكنه يعتقد بهذا النهج الذي سار عليه السابقون وأنتم اللاحقون، والقائل بأنه (لن يضيع حقٌّ، وراءه مُطالب) ولهذا ظل شعلة نشاط وحركة عمل.


يستمر أبو مهيوب كعادته، يدور على بساتين وبيوت عباد الله، يُطعِّم شجرات خشخاش دار أبو ناب ببراعم ليمون وبرتقال ومندلينا ويوسف افندي، ويطعم اللوز البري في بستان دار أبو معيط، ببراعم اللوزيات المحسنة، ويوصي برش العنب بالكبريت في بداية الصيف. كبرتوه! هذا العنب إذا لم يُكَبرَت، فإن قطوفه تتعفن، ويذهب المحصول هدراً! الآن يا أم خرفان موسم زراعة البقدونس والجرجير والفجل في البستان!
الرجل يقوم بوظيفة مستشار، ولكن بلا مستشارية، وخبيراً بلا شهادة خبرة، وهو رجل فاعل في عهد يتعطل فيه كل شيء، ما عدا دخول رجال آليين أغراب علناً، أو متخفِّين بزي أبناء البلد، يقولون إنهم عاربون أو مستعربون أو مستلئمون أو مستقردون، هذا لا يهم، المهم أنهم يدخلون إحدى حارات المعسكر، فيصطادون لهم ذبيحتين، عشر ذبائح من نشطاء شباب المقاومة الذين يسمونهم “إرهابيين”، صار المحتلون رجال سلام، والمقاومون لتجريف بيوتهم على رؤوس أطفالهم يسمون “إرهابيين” فيتسلل رجال “السلام” المدججون بكل أنواع الأسلحة الفتاكة والكيميائي والفيزيائي، وكل شيء (بيئائي)، وينقضون على”الإرهابيين” المعارضين للاحتلال، ويصفِّدون بالجنازير أيديهم وأرجلهم التي ستشهد لهم أيام التعذيب في المعتقلات .
لا بد هنا من التأكيد على أن القوانين والأنظمة الدولية تمنع اصطياد وقتل حيوانات الطبيعة، إلا في موسم قصير قد يكون في الخريف، وبقدر ما يستطيع الصياد القاتل أن يأكل من اللحم لا أكثر، وأما قتل بني آدم فمسموح بأعداد لا نهائية وطوال العام، طوال العمر، طوال التاريخ فقط! وحسب نظام التعبئة والتغليف والشحن التجاري، الذي يتقنونه، فهم تُجّار مهرة، تجدهم يعبئون رأس كل مقنوص بكيس بلاستيكي أسود مقوّى مقلوباً، ثم يحزمون الكيس حول عنق المقاوم بخيط بلاستيكي لا ينقطع أبداً، ويدفعونهم ببساطيرهم وبسونكيات بنادقهم الرشاشة، ليحشروهم داخل سيارة جيش من ذوات الدفع الرباعي، والتي تلتهم الجبال مثل التهام النيران لأخشاب منقوعة بالبنزين، وهناك يخرجون بهم مصفّدين مضروبين مهانين باتجاه سجون الاحتلال التي تعج بأحد عشر ألف متهم بالتململ، أو بالمعارضة، أو بالمقاومة، أو رفض التعاون مع الاحتلال للتجسس على عباد الله.. وهناك يَتَعَشّون عليهم بطريقة حضارية ديمقراطية، وبالشوكة والسكين، وفوطة الصدر حذرين ألا تتساقط نقاط دماء على ربطات أعناقهم أو ياقات قمصانهم البيضاء البريئة.. البراءة ترتسم على وجوههم وهم يتحاشون سقوط قطرات الدم على فوط صدورهم البيضاء.. يا أخي، رجال سلام فعليين! ألا تُصدِّق كلامي ؟ نعم ؟ هل تعتقد أنني أبالغ في كلامي؟ صدِّقني! لقد شاهدت مذيعة أخبار التلفاز، تلك الصبية العربية الشقراء ذات الرقبة الزرافية الشفافة، والمختومة بشامة جهة الشمال، نعم شاهدتها وسمعتها بأذنيّ هاتين من تلك القناة الفضائية (اللي ما تتسماش)، وهي تنعتهم برجال السلام!
وأما أبو مهيوب، فهو يعيش على هامش ما يجري، لأنه ليس في عمر الشباب المقاومين، وليس لـه أولاد بعد مهيوب يردّون على العساكر، ولا زوجة يخاف عليها، ولكنه يعيش رغم أنف الاحتلال، وسبيله الوحيد للمقاومة هو خدمة أشجار المعسكر، فهؤلاء الفلسطينيون يعشقون الخُضرة الداكنة لغابات الكرمل والجليل، والخضرة الفاتحة لبرتقال بيارات يافا واللد وجوافة غزة التي أشتهي رائحتها، إنهم يحبون أي زرع أخضر ولذلك تجدهم يزرعون أية أرض تحيط بالخيمة أو (البرّاكية) أو البيت الطوبي الصغير.. فبعد شهر من هجرتهم الأولى إلى المخيم، تأتي لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة ضدهم، فتشاهد أول ما تشاهد أنهم قد زرعوا الأراضي المجاورة لخيامهم ، وأن البصل قد طلعت أوراقه الخضراء! تُدهش لجنة تقصي الحقائق المتحدة ضدهم! لم تُدهَش لمأساة بقايا المقتولين، والمحشورين في تلك الخيام، بل تدهش لإنبات ورق البصل الأخضر خلال شهر واحد، وبهذه السرعة! فيقول أحدهم:
– خلال شهر واحد (زرعوا فأكلنا، ويزرعون فنأكل!) لأنه غريب، لم يُرَسِّخ مقولتنا: (زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون) بل رسّخ مقولتهم التي تأكل كل شيء . ويُفلسف آخر بقوله: “هؤلاء الملاعين يقاوموننا بالأعشاب، بالخضرة!” وبناء على هذه التقارير، يقرر رئيس اللجنة ما يلي: “كي تكسروا شوكتهم وعنفوانهم، ومصدر استمرار حياتهم، اقتلوا الخضرة أينما حلت في ربوعهم!”
كان مصطفى مهيوب الصنفوري آنذاك، طفلاً في خيمة، ولكنه الآن في القرن الواحد والعشرين، قد غدا في مرحلة حصاد العمر! وما زال أبو مهيوب يواجه الشقاء والتعب بالضحك! نعم إنه يضحك ويسرد نكاتاً كثيرة، ينقلها من زيد إلى عبيد، فيضحكون كثيراً، ويقول أبو مهيوب لصاحبه أبو غازي:
– كلما استشهدت مجموعة من اليافاويين، كان جارنا البدوي مشاتل يسخر من أهل المدينة، فيقول:” إن مدنيي الساحل (مُيّع، ودُلّع)، ولا ينتقمون لقتلاهم، وليس عندهم شجاعة ولا غيرة، ولا قبائل ولا عشائر تحميهم من غزوات الغرب! والله لو هجم الغزاة على عشيرة بدو، لرددنا لهم الصاع صاعين، وأرسلنا لهم سبوعتنا، بالسيوف الرهيفة، يقُطُّون رقابهم قَط، وياكلونهم أكل، ويريحون البلاد منهم! كل العشيرة ستتكاتف يا رجل، وستنتقم من المعتدين! “
وفي يوم من أيام الثمانية وأربعين يا (أبو الحبايب)، هاجم الغزاة الذين خرجوا من البحر شابين كانا يرعيان أغنامهما، فقتلوهما، وسرقوا مواشيهما، وقال الناس يومها: “لقد تورط الغرباء بدماء عشيرة بني ظوجان، الآن خذ ثارات وانتقام البدو! الآن سيُجنّ جنون البدو، وستثور ثائرتهم، وسيهيجون ويموجون!”
وانتظر الناس، وأيديهم على قلوبهم، يوماً، اثنين، ثلاثة، عشرين، خمسين يوماً..ستة أشهر..ولم ينتقم بنو ظوجان من قاتلي ابنيهم! ورداً على ذلك، قال لي أحد حكماء البدو:
” نحن نعرف أننا شجعان، ولكننا نعرف أيضاً أن القوة غلبت الشجاعة، ولذلك يقول المثل: إن العربي يخبىء الحجر في صدره خمسين عاماً، ليضرب به غريمه)! لقد تعلمنا أن العدوان شديد، ولا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يحرر فلسطين إلا تكاتف كل فئات الفلسطينيين؛ البدو والفلاحين والمدنيين، والعرب والمسلمين، وكل القوى العالمية المناضلة من أجل الإنسانية والسلام. “
وللخروج من الموضوع، يقول أبو مهيوب: اضحك يا رجل، (محدِّش ماخذ منها حاجة!) تعرف يا أبو غازي؛ الشغل في الشجر والزراعة يجعلك تتعامل مع كائنات حية، غير بني آدم، فتخدم نباتاتك التي تعطيك ثماراً شهية! كل شيء يا أبو غازي تزرعه، فتخلعه، إلا ابن آدم، تزرعه، فيخلعك! ولهذا السبب أنا أحب النباتات، وزراعة النباتات، وقطف ثمارها، وأعشق الأشجار، وتحت ظلالها أتوارى عن الأعين، فلا أعود أرى المحتلين!
ومثل الديناصورات المتوحشة التي خرجت من مختبرات جيراسك، وفلتت في شوارع المدينة، تنطلق الجرافات من عقالها، فتمحو الأشجار من على وجه الأرض، تلك الأشجار التي قال عنها(ديستويفسكي): ” يحزنني أنني سأموت، ولن أكون قادراً بعد ذلك على رؤية هذه الأشجار!” كانت الأشجار وليس غيرها، هي أعز شيء لدى )ديستويفسكي)، بينما هو يفارق الحياة…وأبو مهيوب لا يعرف “ديستو، ولا فسكي”، ولكنه يقول لأبو غازي: أنا أفهم أن اثنين يتقاتلان، وأن فلاناً يعتدي على فلان من الناس، ولكنني لا أفهم سبب خلع الأشجار! وهل هي كائنات إرهابية بمفهوم هؤلاء الغرباء أيضاً؟ ترى هل لهؤلاء الغرباء عقول وعواطف مثل بني البشر ؟ وإذا كانوا يفهمون مثلنا، فلماذا يقطعون الأشجار؟ رحمك الله يا أبا بكر، إذ قلت لجيش أبي عبيدة (ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة.)! جعل أبو بكر قطع الأشجار، مثل قتل الأطفال! قال: “ولا تقطعوا شجرة”، ولم يقل حتى: “شجرة مثمرة” !
وأبو مهيوب لا يعرف أن الإسلام يهتم بشيء اسمه “بيئة” منذ القرن السابع الميلادي، وأن أهل الغرب لم ينتبهوا لهذا الشيء إلا بعد منتصف القرن العشرين، ولا يعرف أن انهيارات الجليد في القطبين وثقب الأوزون، وارتفاع درجة حرارة الأرض المتجهة إلى موت حتمي للحياة على الأرض، سببه دخان الآليات والمصانع الغربية، وقطع الأشجار!
عندما تنتهي نشرة أخبار إذاعة لندن، يدير المفتاح على إذاعة صوت العرب من القاهرة، ثم يتابع أخبار إذاعة القدس، حيث لم تصلهم بعد حضارة التلفازات الفضائية، وإذا كانت قد وصلت، فليس معهم تكاليف شرائها. ويعلق أبو مهيوب قائلاً: هذه الأخبار كلها عذاب في عذاب! مفيش خبر واحد يسر البال! ستة قتلى في مخيم جباليا! سبعة جرحى في مخيم طولكرم، ثلاثة عشر معتقلاً في مخيم جنين، قتل مستوطنين تسللا على شكل مستعربين إلى سوق مخيم بلاطة لخطف مقاومين! فيجيبه أبو غازي قائلاً :
– الفقراء يأكلون الأعشاب البريّة، لعدم تمكنهم من شراء خضار السوق، اسألني أنا بائع الخضار، فتجريف الأرض، وما عليها من أعشاب، يقتل مصدر رزق الفقراء الذين يأكلون الأعشاب البرية!
يعود أبو مهيوب وأبو خليل من تشييع جنازتي الشهيدتين؛ الطفلة منى الشويني وأمها التي كانت ترضعها في فناء البيت، فاخترقت رأس الطفلة مروراً بفمها وثدي أمها رصاصة واحدة موحدة… انطفأ الثدي، وبردت الأم وسقطت زهرتها قبل أن تعقد ثمرتها!
وبعد الدفن تدعوه أم خليل لمشاهدة شجرة اللوز المريضة، وبالمناسبة، يدعوه زوجها لتناول طعام الغداء، فتحضر لـه أم خليل رغيف خبز ساخن من فرنيتهم، وكأس ماء بارد من الزير، وصحن لبن رائب من عنزتهم الشامية )المانحة) التي تأكل قشور خضار المطبخ، ثم تحلب أحسن حليب، فيأكل ويشرب، ويكتفى بهذه الوجبة الفاخرة في أيام جوع الانتفاضة، ويحمد الله، ويتابع عمله.
وكثيراً ما يلجأ إلى دكان (أبو غازي)، ليحك جلده بجلد هذا الرجل القاعد، منتظراً زبوناً يدخل دكانه ليشتري أي غرض، فلا يستقبل غير أبومهيوب الخاوية جيوبه، ومع ذلك فالرجل مرغوب فيه، ومعروف في الحارة بأنه تقي وأمين ونافع، وليس منه ضرر، وباختصار ابن ناس وابن حارة، بهيئة المحلِّي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلا أحد يستطيع إزعال أبو مهيوب، ذلك لأنه “إذا غضبت عليك بنو تميم….” فكيف إذا غضب عليك أبو مهيوب؟ قد يستغيبك ويشاغب عليك في الحارة كلها، فتخسر زبائنك المستهلكين لبضاعة دكانك، وكذلك فالرجل مُسَلٍّ ومضحك لجليسه، لدرجة أنه ينسيك همومك، وهموم كل أهلك. وأنت تعرف، الهموم في عز الانتفاضة على قفا من يشيل!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق