ثقافة النثر والقصيد

دراسة التلمود

أليس والكر* – ترجمة نزار سرطاوي **

أول مرة اتُهِمت فيها

أنني أُظهر كأنني معاديةٌ للسامية
ظلت الصدمة عالقة بي
لأيامٍ عدّة.
الرجل الذي اتهمني
كان صديقا.
كان يهودياً
خُيّلِ إليّ أنه تفهم الأمر
أو أن لديه القدرة أن يتعلم كيف يفهم
أيَّ شيء تقريبا.
لكنه مع ذلك عجز عن
أن يفهم
لماذا أرى أن على إسرائيل أن تعيد
الأرض التي سلبتها
من شعب ليس له من يحميه
في حرب استمرت
ستة أيام. انكفأتٌ
في منزلنا الصغير
في ولاية ميسيسيبي (حيث كان الكثير من السود
يعتبرونه عنصرياً)
أستأت كثيراً من محاولته
أن يوجه الإهانة لشخصي
وتحدثت معه
بكل جديّة عن “الكرامة” و “العدالة”
و “الشرف” و “السلام”.
يحدث أحياناً، في السنين اللاحقة من حياتك،
أن تضحك ساخراً من نفسك.
تفهم أخيراً،
أنك لم تفهم
شيئاً. لاشىء على الإطلاق.
في هذه الحالة، مثلاً،
حرب الأيام الستة الشهيرة،
كانت كلها مجرد عرض،
“مسرحَ” حربٍ حقيقي
ساحةُ المعركة كانت مسرحاً
رغم أن القنابل والرصاص كانت حقيقية.
الذين خسروا المعركة وحدهم
حصلوا على صورة قريبة للفيلم
والإعداد.
لاحقاً كنت أشارك في مسيرات
أو يتم القبض عليّ
احتجاجًا على هذه الحرب
وأستهجن كيف كان الأمر عديم الأهمية.
لأيام متواصلة كنا نشارك بأعدادٍ تصل إلى عشرات الألوف
أما الذين كنا نأمل في التأثير عليهم
فقد كانوا في إجازة. كان بوش
يتقن هذا. سمح لوسائل الإعلام
أن تنشر خبراً مفاده أنه كان يرتعش من البرد
في مزرعته الي تبلغ مساحتها
12000 أو 20000 فدّان.
بيل و باراك نادراً ما
كانا يظهران.
عندما كنت في فلسطين
باعتباري امرأةً كبيرةَ السن
أقوم بواجبي
في مراقبة
أطفال المعمورة
تذكرت قلقي
وكيف أن صديقي
كان يعتبر الأمر عديم الأهمية.
قال: “إن إسرائيل بحاجة إلى تلك الأرض لحماية نفسها.”
كما لو أن هذا ينبغي أن يكون
أمراً بديهياً. لم يكن الأمر هكذا في ذلك الحين
ولا هو الآن.

الأرض التي اغتُصِبت
لم تتم إعادتها أبدًا.
في الحقيقة أن أراضيَ أخرى سُرقت
بعد الهجمات
والسرقات الأولى
الأطفال الفلسطينيون، بعد سنوات
من رميهم الحجارة
على القتلة البالغين
الذين يعتمرون الخوذ ويركبون الدبابات المدرعة
يقتلون أنفسهم
هذه الأيام
ليريحوا قاتليهم
من هذا العناء.
على عكس معظم الأميركيين
شاهدت فلسطين
تحت الحكم الاسرائيلي. إنه شيطاني
حتى النخاع. لكن أين نبحث عن مصدر
الإلهام
لمثل هذا الشر الكبير؟ أين
نعثر على التعاليم التي تؤثر على
مثل هذا السلوك الشرير الذي لا حدود له وتباركه؟
أين تجد ذلك الجزء
المفقود من اللغز؟
لقد أدركنا بحدْسنا أنه لا بد أن يكون ثمة جزءٌ مفقود
وكنا على حق.
*
علينا أن نعود إلى الوراء
باعتبارنا الآن كباراً،
لا أطفالاً سُذّجاً كما كنا ذات يوم،
وندرسَ البرمجة التي تعرضنا لها،
منذ البداية.
كلها: المسيحية واليهودية
والإسلامية وحتى البوذية. كلها بلا استثناء،
ومن جذورها.
لدراسة إسرائيل وغزة وفلسطين ،
والمدن التي قُصفت في الشرق الأوسط،
والفلسطينيين الزاحفين على بطونهم
وشرطتنا وشوارعنا وسجوننا
في أميركا،
والحرب عموماً،
فإن من واجبنا، على ما أعتقد، أن ندرس التلمود.
ففي هذا الكتاب،
على ما أعتقد، سنجد إجابات
على بعض الأسئلة
الأشد إثارة لحيرتنا.
من أين أبدا؟
سوف تجد أن بعض المعلومات
لسوء الحظ، قد طالها التحريف
حين تبحث عنها في غوغل. لمزيد من الدراسة المتعمقة
أنصح بالبدء باليوتيوب. ببساطة تتبّعْ مسار
“التلمود”، حيث أن سمومه وجدت طريقها في وقت متأخر
إلى داخل وعينا الجماعي.
بعض ما تعثر عليه سوف يبدو
أغرب من أن يكون حقيقياً. لسوء الحظ، فإن هذه الأشياء على الأرجح
صحيحة. بعض الدراسات الأشد مراوغةً
ستحاول بصورة لا تصدق
أن تغلف بالسكر حبوباً ذات طعمٍ بالغ السوء
لكن تَوقّفْ هناك، تحقّقْ
وتحقّقْ مرة أخرى، استمعْ إلى الجميع،
حتى المعلمين الذي لهم ماضٍ ملتوٍ
يخيفك أكثر من أي شيء،
والصرخات المسجَّلة لمواطنين غاضبين يبدون
مثل شخصيات هستيرية في برنامج عن السيارات
إلا أنهم لا يضحكون
بل يشعرون بحنقٍ شديد.
ادْرُسْ بصورة جادّة، بذهنية
منفتحة حتى لو أحسست بإهانة كبيرة،
إلى أن يصبح في وسعك أن تفصل ما هو زائف
عما هو حقيقي.
هل يسوع يُسْلَق إلى الأبد في الفضلات الحارة،
لارتكابه “جريمه” طرد المصرفيّين
من المعبد؟ لحُبّه للفقراء
والوقوف إلى جانبهم
والدفاع عنهم؟ أكانت أمه ماري
عاهرة؟
هل الأغيار (نحن) مخلوقون ليكونوا عبيداً لليهود، وليس هذا
وحسب، بل ليكونوا سعداء بذلك؟
هل البنات اللواتي يبلغن من العمر ثلاث سنواتٍ (ويومًا) مؤهلات للزواج والجماع؟
هل الأولاد الصغار جاهزون للاغتصاب؟
هل من الواجب إيقاع القتل حتى في أفضل الأغيار (نحن مرة أخرى)؟
تَوقّفْ لحظةً وفكر في ما قد يعنيه هذا
أو ما كان يعنيه في ما مضى
من عُمرنا.
ربما تجد أننا مثل قطيع الماشية
لقد بدأنا نشعر أننا كذلك
لدينا تاريخ قديم من القمع
لم يكن معظمنا يدركه حتى لو بصورةٍ
ضبابية. سوف تجد أننا نحن الأغيار، أشباه البشر، الحيوانات
– فلسطينيو غزة
الذين يمثلوننا بالصورة الأشد وضوحاً
في الوقت الحاضر – مثالٌ قاسٍ على ما يمكن فعله
دون التعرض للعقوبة، وبلا وازعٍ من ضمير،
من قِبَل الشعب المختار
تجاهَ السواد الأعظم من البشر
الذين يعيشون على الكوكب
الذين لم يتم اختيارهم.
لم يتم اختيارهم للحصول على “النعمةِ”
المشكوك في أمرها
نعمةِ السيادة على الأرض
والبشر والوحوش الذين يعمرون هذه المملكة. كما هو
مذكور بوضوح في الفصل الأول
من الكتاب المقدس الذي نقرأه جميعاً.
غيرُ المختارين الذين كانوا وما زالوا حتى اليوم
يرتعدون خوفاً من
أن تُصَبَّ عليهم اللعنات
إن هم طالبوا بمعرفة السبب.
إنها “نعمةٌ” لم يكن يسوع يريدها.
نعمةٌ رفضها مُخاطراً بأن يُصلب.
وهذا واحد من الأسباب التي من أجلها أحبّه
أولئك الذين يعرفون الإنسان
الصالح السائر على السراط المستقيم
حين يقابلونه.
على ضوء هذه الرؤية لم يكن حتى
روحانياً تقدمياً، بل ثائراً
ملتزماً: بمثابة تشي جيفارا
من الزمن القديم.
ماضٍ مرعب، إن لم يكن أكثر رعباً من
زماننا هذا: ماضٍ
لكنه لسوء الحظ ليس بماضٍ (كما يقول
فوكنر).
إننا نكتشف هذا
ويا للأسف المستنير
حين ندرس
التلمود،
وندرس جهلنا
والتأثير المدمر لكليهما
على عالمنا المهجور.


شاعرة أميركية

** أديب ومترجم من الأردن.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق