ثقافة النثر والقصيد

هيمالايا نصف البوصة

آغا شاهد علي * – ترجمة: عاشور الطويبي **

بطاقة بريدية من كشمير

في صندوق بريدي تتقلص كشمير ،

بيتي الأنيق أربع بوصات في ست.

أحببت الأناقة دائما.

الآن في يدي

أحملُ هيمالايا نصف البوصة.

هذا موطني. وهذا أقرب ما يمكن أن يكونه.

عندما أعود،

لن تكون الألوان أكثر زهاء،

مياه الجولوم أكثر نقاء،

الكائنات البحرية أكثر عددا

حُبّي أكثر عريا.

و ذاكرتي ستكون مشوّشة

قليلا، فيها

نيجاتيف كبير بالاسود والابيض

لم يحمّض بعدْ.

ذكرى مفقودة عن دلهي

لمْ أولدْ بعدْ

إنه العام 1948 و الحافلة تنعطف

على طريق بلا اسم

هناك أبي

على دراجته

أصغر مني عمرا

عند أُخْلة حيث أترجل

أمرّ على والديّ

يتمشيان عند نهر جمونا

أمّي عروسة

ساريها شعلةُ

وغبارُ فضّة يفرق شَعرها

لا تراني

أجراس خلخاليها بعيدة

مثل صوت خزف من

محلاّت الشاي مضاءة بالقناديل

والنجوم طالعة

ترقع بألسنة من زجاج

يذهبان إلى البيت

دائما يتلاشيان في الصورة

في البوم العائلة

الآن منورة

بزيت المصباح

الذي رأيته مكسورا في العلّية

أريد أن أخبرهم أنني إبنهم

أكبر منهما

أطرق واستمر في الطرق

لكن هذه الليلة هادئة لهما

هذه ليلة خلقي

ولن يسمعاني

لن يسمعا طرقاتي تغرق

ألسنة النجوم

حلم أساور زجاجية

فصول الخريف تلك نام والديَّ

دافئين في لحاف مرصّع

بقطع مرايا

على ذراعي أمي أساور

تشبه أمواج أنهار مجمدة

وفي الليل

بعد الصلوات

ذاهبةً إلى غرفتها

سمعتُ صوتاً خافتا لتكسّر

الثلج على السلّم

بعد ذلك بسنوات

يتشظى إلى شتاء

محاط بالرجال بيتنا

يجذبون من الأسقف

رقاقات الثلج كمشاعل

يفركونها على الحيطان

إلى أن تشعل حمرة الإسمنت الغامقة

رؤوس الماء

الهواء رمال متحركة من ثلج

حال يخرج أبي

وأمي

داخل البيت المحترق

أرملة تكسّرُ الأنهار

على ذراعيها

رجال الثلج

أحدُ أسلافي، رجل

من ثلج هيمالايا،

جاء إلى كشمير من سمرقند،

يحمل كيسا من عظام حوت:

ميراث جنائز بحرية.

هيكله العظمي

نُحت من جليد، نفَسَه

قطبيّ،

بعِناقه جمّد نساء.

زوجته ذابت وصارت ماء حجرياً،

عمرها المتقدم بخار

ناصع.

هذا الميراث،

هيكله العظمي تحت جلدي، سرى

من ولدٍ إلى حفيدْ،

أجيال من رجال الثلج فوق ظهري.

يدقون كل سنة على نافذتي،

أصواتهم خفتت إلى ثلج.

لا، لن يسمحوا بخروجي من الشتاء،

ولقد وعدت نفسي،

حتى لو كنت آخر رجل ثلج،

بأنني سأمضي إلى الربيع

الذائب فوق أكتافهم.

صور مشروخة

رسمة جدي لجدي،

بن علي، طبيب غريب

في أرواب مزينة، عمامة بيضاء،

المصحف مفتوح على الطاولة بجانبه.

ابحثُ عن صلواتٍ

في عينيه، عن كتابة

بالعربية.

أجدُ وصيّته:

ترك لنا أرضا

في مقبرة العائلة.

الجدّ الأعلى؟ سيّد في سروال.

ببساطة يصيبني بالخيبة،

يداه مفقودتان في صورة حجرة الرسم

لكنه حازم حين يلسع بالصوتِ خيله

أو خدمه.

يثير غضب الغرامافون ،

الإبرة ترعى أغاني ماليكة بوخراج

وهو سكران، قطع ملابسه

و بكى عند القفلة،

“أنا لا زلت شابا.”

جدي، صبي وسيم،

تهادى نحو الجنون

في دواخل سريناغار.

في محل معتم دخّن الحشيش،

قرأ أشعارا صوفية

ذهب أبي ليحضره إلى البيت.

وحين تقدم في العمر تحول نحو أفلاطون،

مغمغماً “الملك-الفيلسوف،”

نابليون على شفتيه.

جالسا في ركن غرفة نومه،

مدخنا شيشته، أخبرني

ثلج سيبيريا

جمّد عظام الفرنسيين.

في كأسه،

يدوِّمُ سقراط.

أقلّب الصفحات،

أرى والدي حاملا مضرب تنس،

جاهزا ليحرز أهدافا مع نساء،

متألقات متعلقات بقميصه.

هو يقرّبني لنفسي

وهو يقتبس حب لينين لبتهوفن،

لكنه يفقدني حين يتحول إلى غاندي.

سمك الفضة أكل يفاعة وجهه.

شبكات عنكبوت تتشبث

بكلمات أسلافي

الصامتة.

لا أحد الآن يأتي من قندهار،

عزيزي علي، انصب خياما على الجيلوم،

تحت أشجار القيقب الخريفية،

و ادّعي نسباً نبويا.

صورتك موحشة

في ممر يصطفقّ.

* شاعرأميركي كشميري (1949-2001)

**اديب ومترجم من ليبيا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق