ثقافة السرد

الأقواس

إبداع: محمد  الزاكي*

لبست الأقواس لباسا برتقاليا، تظهر للقادم إليها في كل مرة بلون غير لونها الأصلي ، تمنحها شمس الصباح إشراقات جديدة ، وتتجمل لتبدي زينتها بزينة شمس الأصيل ، فتصير أكثر فتنة وجاذبية. في موقع صنع لنفسه تفرده ، ووسط زخم حركة المارة ، ارتشفت التأملات ما في كنانتها.. المكان يتمايل أحيانا طربا بسياحته المتنسمة بمجاورة البحر القريب بخطوات قلائل. ما خطب هذه الأقواس تشعرنا بتفردها في غلالة سحرية ؟! تنفذ إلى أفئدتنا عازفة على نشوة المعرفة والاطلاع، نكاد نذوب في وسط جاذبية محمومة ، يأسرنا الشوق لسر الشوق. كنا نجلس بمقهى “النخيل” بالأقواس، نستدفئ  بحنين لحظات الدراسة الذهبية، وتظللنا الأقواس بما جادت به من ظلال السعادة على من قبلنا ، ونحن نحتفر سر المظهر والمخبر للأقواس.

كنا نتشردم في هذه المقهى ، نتنافس في إظهار فهمنا لعويص مسألة من دروس الامتحانات الجامعية التي على الأبواب ، نتناقش حول الموضوعات المحتملة للامتحان ، حيث يكرم الطالب بنجاحه ، وحينما يبحث عن عمل يخيب سعيه فيهان في هذا الزمن الغريب . نحس بالتعب ، فنرتاح قليلا .

كنت أخلو بنفسي لحيظات بعد الانهماك في درس من دروس السيميائيات مع بورس , غريماس و رولان بارت … فأكون مضطرا  لراحة قصيرة .

فأهيم بهوسي للأقواس وتيهاني في هذه المداخل المقوسة ، في عالم أندمج وأمتزج بهذه الأقواس ، فأراني بلمحة طرف قد أصبحت عريسا في موكب أقواسي ، أستفيد من انجذابات ماضية لم يفد منها الكثير ، فأغدو بفرس يهدى لي لأركبه ، فارسا مغوارا ، لا أحتاج إلى سيف أو رمح ، بل إلى اعتبار وتصحيح للتاريخ ، وتمعن ونخوة ، وغيرة على إبداعات أولئك الذين خلدوا معالمهم .

تزف لي في هذا العرس الأقواسي أجمل عرائس الأقواس . تناديني ، فأحملها بين ذراعي ، فتعلو ظهر الفرس الأصيل كأنه قد من ضوء شمس أصيل الأقواس ، أو أنه صنع من تراب لبنات سور الأقواس .

يطير بنا – يا حبيبتي – راكضا في الهواء ، فأرى الناس والبنيان ، وأرى شيئا من الصورة الأولى للمكان ، فيوضع على كتفي وسام الحب للأقواس كتب عليه ” عاشق الأقواس ” ، ثم ينطلق بنا الفرس ياعروستي الأقواسية إلى جانب البحر ، حيث يرقد فيه جثمان وليك الصالح ” سيدي موسى الدكالي ” ، فنعود بعد هذه الزيارة  لنكون على موعد مع مدخل ” باب شعفة ” في امتصاص لرحيق تاريخ عسلي ، فتكتسحني في لحظتي سهام عيون أشباح تخمرني بصهباء معتقة بتاريخ الباب العظيم دون أن أفقد لبي ، بل أزداد  حكمة إلى حكمة .. ويكاد الفرس أن يتفضل علي ببعض جواهر الأقواس ، وهو يحوم فوقها ، فيعدل عن نيته ، فينزلني إلى الأرض ، فأجد نفسي في لقاء واقعي حقيقي هو متابعة دروس الامتحان .. ولا أرى إلا أطلالك ، ثم أنظر عبر زجاج المقهى ، فأجد الليل قد أرخى إزاره  والأقواس لبست حلة أخرى ليلية .. وما أروع ليلك كذلك !.

أترك الزملاء الكرام يرتاحون قليلا بمشاهدة شاشة التليفزيون إلى أن تصل التاسعة ليلا ، فأخرج من المقهى .. أجوب الطريق كأني أود السفر إلى مدينة ” القنيطرة ” عبر هذا الطريق الحيوي ، أتأمل سير الناس وحركة السيارات والشاحنات والحافلات ، أقف بين الأقواس لعلي أجد حبيبتي الأقواسية .

أغادر الأقواس حتى أصل إلى تلك المدافع العتيقة المصوبة نحو البحر ب” سيدي بنعاشر ” وقد محت أكف الدهر شيئا من معالم السور ، فتآكلت أحجاره ، لكن برجه ما برح يصمد ، والمدافع تشهد على شهيق وزفير أنفس أبية حرة مضت .

فأصل إلى ” باب شعفة ” ، فيخل إلي أن الأقواس تناديني كي أعود إليها مرة أخرى ، وكأن روحي عجنت بسحرها وسقيت بماء الوفاء لحبها ، فأتابع سيري بهذا الميثاق ، وأنا على يقين بعودتي إلى الأقواس .

*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق