حوارات المجلة

الروائي الجزائري سمير قسيمي للمجلة الثقافية: النص يختار لغته وشكله وأنا كاتب يشتغل على المنافسة وانتقادي لرواية أحلام من باب حق أي قارئ في انتقاد ما يقتني وما يقرأ

روائي شاب، مبدع ومتمكن من أدواته الأدبية، استطاع في فترة وجيزة أن يفرض نفسه بقوة على الساحة الأدبية الجزائرية، بروحه الجديدة، والنفس الروائي المتجدد. في هذا الحوار، يفتح سمير قسيمي قلبه للمجلة الثقافية الجزائرية، تكلم عن الكتابة، وهمومها وعوالمها، مثلما  تكلم عن ماهية المثقف إزاء واقعه اليومي، ودارة ال”ثورة” العربية بآلياتها الراهنة. إنه سمير قسيمي، بصراحته، ودفاعه عن آرائه، وعن الرواية التي يحبها ويكتبها.. نترككم مع الحوار كاملا:

 المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك أولا: ما معنى الكتابة بالنسبة لسمير قسيمي؟

 ما أنا واثق منه أنها قصة حب متبادل: أحب الكتابة وأعتقد أنها تحبني لقدرتي على تجديد حبي للرواية مع كل نص جديد. وكأي علاقة حب صادقة فأنا ملتزم بما تفرضه هذه العلاقة من التزامات، لعل أبسطها الإيمان بالكتابة لا باعتبارها منفذا ومتنفسا فحسب بل لكونها ضرورة لا مفر منها. هذا ما يجعلني أشعر دوما بالحزن والأسى وأحيانا الشفقة على من يخوضون تجربة الحب تلك من طرف واحد، كما أشعر بنفس القدر من الحزن على من ملك الموهبة ذات يوم ولكنه لم يجتهد لتطويرها واهتم بما أعتبره آثارا جانبية يعرفها كل من عاقر الكتابة والوهج الإعلامي، فلطالما اعتبرتُ الكتابة موهبة إلا أن الموهبة غير المشتغل عليها، الخالية من كل جهد لا معنى لها ولا تصنع أديبا يستحق اسمه. لقد منحني سوء الطالع وربما خيباتي الحياتية المتعددة الفرصة للتفرع للكتابة بنحو ما، صحيح أنه تفرغ غير كامل ولم يكن أبدا خيارا من مجمل الخيارات المتاحة لي ولكنه أصبح لاحقا رغما عني سببا وجيها لأكتب وأكتب المزيد إلى درجة أن أصبحت منصهرا مع كتاباتي بكل ما يعنيه لفظ “الانصهار” . حين أشرع في كتابة نص جديد تنحسر حياتي كلها بما فيها الشخصية لأصبح مجرد كاتب لا يعنيه من الوجود إلا فعل الكتابة، ثم تصبح هذه رغما عني كل عالمي، وهو أمر أجتهد كثيرا ليتفهمه أصدقائي وعائلتي وأيضا رب عملي. مع كل نص جديد أكتشف أن أسرتي الصغيرة وحدها القادرة على تفهم الأمر، إذ أصبح من البديهي بالنسبة إليّ الآن أن أفقد مع كل عمل جديد بعضا من أصدقائي وغدا من المؤكد مع كل رواية أن أفقد منصب عملي كذلك. كان هذا مبعثا لبعض القلق سابقا، إلا أنه أصبح الآن أمرا يمكنني التعامل معه بنحو أقل فظاظة وقد أقول أتعامل معه بنحو من اللطف حتى لم يعد يشكل سببا لاكتئابي أو حتى دافعا لأي نوع من الحزن على فقدان صديق أو وظيفة أستقيل أو أقال منها. 

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك قررت ذات يوم اعتزال الكتابة وأنت في تجربتك الأولى؟ كيف حدث ذلك؟ وهل يستطيع الكاتب أن يعتزل الكتابة حقا؟ 

لم أكن في تجربتي الأولى، بل بعد صدور روايتي الثالثة “هلابيل”. من مساوئي أنني رجل انفعالي، أقرر أمورا ثم أعيد النظر فيها، كما أتخذ الكثير من القرارات في حالة الغضب ثم أعدل عنها. أما عن ذلك القرار المضحك فقد اتخذته بعد صدمتي من الواقع الأدبي والإعلامي في الجزائر، وهي صدمة قد أذكر مليون سبب لها ولكنني لن أفعل. لقد أدركت أن واقعنا الأدبي مريض بشكل لا ينفع معه أي تحليل، كما لا توجد رغبة حقيقية لمحاولة علاجه. الذين يتحدثون عن التهميش هم أول من يُعمل التهميش إذا ملكوا أي سلطة، والذين يحاضرون بلا انقطاع عن فساد القطاع هم أسباب فساده في الحقيقة. لقد أدركت أن ما نعاني منه يشبه الغنرينا لا شفاء منها إلا بالبتر أو الموت. لقد اخترت أحلى الأمرين واخترت العلاج بالبتر، وأعتقد أنه علاج ناجح جدا. صحيح أن كبريات الصحف الجزائرية صامت على اسمي، بل وأصبح مجرد الحديث عني يقضي على صاحبه بالطرد أو الإقالة أو التوبيخ، إلا أنني نجحت في النهاية إلى خلق عالم خال من الهواء الفاسد، ما جعلني أكتب المزيد والمزيد. وأنا واثق أنني كلما بقيت بعيدا عن ذلك العالم النتن كلما أمكنني إبداع نصوص تستعصي عن سواي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ولماذا الرواية بالذات؟

 لا أدري ولكنها الرواية والرواية لا غير. اخترتها كما اختارتني هي، ألا ترى أن ارتباطها بي من نفس قوة ارتباطي بها. هكذا هو الحب، لا سبب له ولا مبررات.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل من يطلع على تجربتك الروائية على حداثتها يبدو مشدودا إلى حقيقة أننا أمام كاتب جاء ليقول وليفعل شيئا داخل نصه الروائي.. حدثني كيف تصنع نصك الروائي؟

 لم أت لأقول وأفعل شيئا داخل النص الروائي، بل لأقول وأفعل أشياء كثيرة فيه. أومن بأن الكتابة في مجملها هي مشروع يكتمل مع استمرار الكاتب في البحث عن نصه، ونصي أنا هو النص الذي أسعى لكتابته منذ بدأت الكتابة، لا أعرف مضمونه ولا شكله بعد، ولكنني على يقين أنه مختلف عن كل ما كتبت لحد الآن. فلحد هذه الساعة لا أشعر أنني كتبت شيئا مهما. صحيح أن أعمالي بلغت الخمسة وهي أعمال ناجحة بشكل ما، بل وقد تكون أعمالا يتمنى كتابتها الكثيرون غيري، ولكنني لست راض عنها، لا بسبب مستواها فهي ذات مستوى بلا أدنى ريب، بل لأنها ليست في نظري إلا تسخينا عقليا لما يمكنني كتابته لاحقا. ما زلت أتحدث عن روايتي تلك التي لم أكتبها، تلك التي لا تتشبه، تلك التي حين أكتبها سأتوقف عن الكتابة حقا. لهذا أقول لك إنني جئت لأكتب وأقول أشياء كثيرة في النص الروائي، لا لأنني أرغب في ذلك بل لأنني مضطر إليه في سبيل أن أعثر على نصي الأخير.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما لفت انتباهي في روايتك الأخيرة “الحالم” هو اشتغالك على اللغة بشكل لافت. هل تشعر أنك معني باللغة السردية داخل النص أكثر من شيء آخر؟

 على العكس تماما، لم أشتغل أبدا على اللغة في أي نص كتبته حتى الآن. إنني أستعين بلغة عادية بل وبسيطة أيضا، ولا أجد أن اعتناء البعض باللغة وتصريحهم بذلك إلا إقرارا بضعف مخيلتهم الروائية وانعدام الثقة لديهم في أنه بمقدورهم كتابة رواية بحق بعفوية، فالعفوية ما يميز كتاباتي، فأنا لا أضيع أي وقت لأسأل نفسي مثلا “كيف أقول هذا”، بل أقوله وأمضي لأن ما يشغلني وقت الكتابة هو أهم ما في الرواية، تشغلني الحبكة، انتقاء الشخصيات، صناعة الأحداث، معرفة مسار الرواية.. أمور كهذه، أما اللغة فلا يعقل بمن يسرد ألا يكون موهوبا في السرد. أما ما أصبح موضة اليوم فيمن يعتقد أن الكتابة الشاعرية تمتن العمل الروائي فأجد أنه مجرد هراء، كهراء الحديث الدائر مثلا عن شيء اسمه الرواية اللغوية أو رواية اللغة، أو حتى ما أصبح يدعو إليه بعض الصحفيين عندنا مثلا في ضرورة أن يكون العمل الروائي خاليا تماما من الأخطاء، وهي دعوة جميلة لو أنها أتت في سياقها، ولكنك تعلن أن الذين ساقوا هذا يحاولون إيهام الناس بأن على الروائي أن يكون ضليعا في اللغة وهو أمر غير صحيح. يحضرني هنا مقدمة الأديب المصري الكبير يوسف إدريس التي كتبها لرواية الروائي صنع الله ابراهيم، والتي لم يعبأ فيها بالأخطاء اللغوية والنحوية، حتى أن صنع الله ساق رأيا جريئا لأحد الكتاب حين سأله عن أخطائه في الطبعات الأولى من رواياته من أنها “مسألة تافهة يمكن أن تعالج بأزهري مقابل شلن”.. إلا أن المؤسف أن تجد بعض من نحترم من نقادنا الجامعيين يتبنون هذه الفكرة كلما سئلوا عن رأيهم في الرواية الجديدة. أعتقد أنه جواب “ستندار” يجعلهم في منأى عن الخوض في روايات لم يقرؤوها حقيقة.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع ذلك فإن عددا قليلا من الكتاب يشتغلون على اللغة، مما يثير الكثير من الأسئلة عن أولويات الكاتب الجزائري: لغوية أم شكلية؟

لنكن أكثر صراحة، الأولويات عندنا هي كتابة رواية فحسب، لا أعتقد أن مسألتي اللغة أو الشكل تشكلان أزمة من أي نوع بالنسبة للكاتب الحقيقي، إن النص يختار لغته وشكله هذا ما يمكنني قوله لك، وهو ما أومن به شخصيا. ثمة فرق بين التنظير والممارسة. وكما قلت أرى أننا نهدر وقتنا بالإصغاء إلى التنظير، خاصة إذا صدر من أشخاص أثبت الوقت أنهم فشلوا في كتابة رواية حقيقية. كما أنني تعلمت أن من لا يحسن التنظير لأعماله هو من يكتب أعمالا تستحق القراءة بالفعل. أنا شخصيا بسبب تكويني وابتعادي عن النقد وكتبه إلا نادرا لا أفهم في تلك المصطلحات التي أصبحت تثقل على أذني: لغة، شكل، سيميولوجبا.. ولا أدري ماذا أيضا. أنا كاتب يحب أن يكتب فحسب.

المجلة الثقافية الجزائرية: لا شك أن الناقد ثم القارئ المتمرس أكثر الناس قدرة على تقييم النص الأدبي الجيد. مع ذلك أريد أن أسألك كيف يقيم سمير قسيمي نفسه؟

سيجيبك غيري أنها مسألة لا تهمه. أريدك أن تعرف أن من يجيبك بهذا شخص لبق، للأسف لست لبقا على الإطلاق. وقد يكون كاتبا سيئا يتوارى خلف ما يشحذ أو يشتري من آراء، وأنا لست كذلك. وقد يكون من يجيبك بهذا يؤمن بحق بنبل الأدب وضرورة أن يكون الكاتب متواضعا، أما أنا فلا أومن أن على الأدب أن يتصف بأي شيء وإن كان النبل، ولا أصدق أن ثمة كاتب متواضع وإن أظهر للناس ذلك. كما قد يكون من يسوق إليك بمثل تلك الإجابة شخصا متملقا وهي صفة سائدة أما أنا فلن أتملقك أو أتملق سواك. لهذا فسأقول لك بثقة – ولك أن تسميها غرورا- أنني كاتب يشتغل على المنافسة ويعيش بها، لا مناقسة أقراني فحسب بل جميع من يكتب الرواية، فأنا لم أومن ولن أومن أبدا بأن عالم الرواية هرمي بقمة وقاعدة، بل طالما اعتبرته مسطحا، لكل واحد مكانة وموقع، اللعبة وما فيها أن تكتب ما يجعلك دائما تتموقع في دائرة الضوء. نصوصي بلا غرور قوية وجميلة ومتميزة بمواضيع مبتكرة كتبتها بلغة سردية وباسترسال يسمح لي بالتواصل مع أي فئة من القراء وهي نصوص أصبها دوما في قوالب لا تفهم في الرتابة والثبات. سأختصر وأقول لك أنني كاتب جيد وإن نصوص يحسب لها حتى حين تكون مجرد أفكار غير مكتملة في رأسي.

المجلة الثقافية الجزائرية: تحضرني جملة قالها الكاتب الأمريكي “ميتش ألبوم” بأن الكاتب ابن طقوسه الخاصة.. هل لديك طقوس خاصة قبل وأثناء وبعد الكتابة؟

تمنيت أن أجيبك بـ”نعم”، ولكن لا طقوس لديّ. كل ما أحتاجه موجود في رأسي. بالطبع يلزمني الكثير من علب السجائر، فأنا مدمن على التدخين كما تعلم وأيضا إلى فناجين لا تحصى من القهوة، عدا هذين فلا أحتاج شيئا. يمكنني الكتابة متى أتيح لي الوقت وأنا في العادة أكتب يوميا واستغرق ساعات طوال في الكتابة في كل مرة جلست لأعمل. حتى أنني أكتب في أي مكان وفي أي وقت، إلا أنني أحب الكتابة ليلا.

المجلة الثقافية الجزائرية: في أحد تصريحاتك الجريئة قلت أن كتاب أحلام مستغانمي الأخير وضعته مراهقة لا تفرق بين الرواية والخاطرة، وتبعه نقد كاتبة سورية لأحلام متهمة دور النشر العربية بأنها تسوق لأدب المراهقين؟

لم يكن تصريحا، بل مجرد رأي نشرته على صفحتي على الفايسبوك. لقد جاء انتقادي لرواية أحلام من باب حق أي قارئ في انتقاد ما يقتني وما يقرأ من كتب، وأيضا بسبب الإحباط الذي لازمني وأنا أقرأ من دون أي متعة كتابها الأخير. وهو أمر لا يبرره مستوى الرواية فحسب، بل يبرره أيضا ما علقته من آمال على أن تكون “الأسود يليق بك” بمستوى اسم صاحبته ومستوى الدعاية التي حظيت به روايتها. أعترف أنني ما كنت لأشعر بنفس الإحباط لو صدرت هذه الرواية عن كاتبة مغمورة أو حتى أقل شهرة من أحلام، وما كنت لأنتقد العمل كما فعلت لو دأبت أحلام على إصدار أعمال روائية أخرى بمستويات مختلفة. ومع ذلك فأنا أرى أن “الاسود يليق بك” قد يكون إعلانا ذكيا من أحلام على أنها اختارت نوعا خاصا من القراء. لا يجب أن ننكر أبدا أن الرواية قد توجه إلى فئة عمرية دون سواها أو حتى إلى نوع معين من القراء. أعتقد أن أحلام اختارت النوع الذي يضمن لها البقاء على عرش “الأكثر مبيعا” وهو خيار أحترمه بل وأجد من وقع عليه يحترم نفسه ولا يعيش حالة من الشيزوفرينيا التي يرغب فيها أن يكون “الأكثر مبيعا” و”الأكثر أدبية”، كما لم يحدث الجمع بين الحالتين إلا نادرا جدا. إن هناك فرق بين الأمرين، فرق أجد أن مجرد الخوض فيه هدر للوقت ليس إلاّ. لكن الذي يجعلني أشعرني بالأسى هو الموقف الذي تبناه بعضهم فيما سموه “دفاعا عن أحلام”. وكأن هذه الأخيرة تحتاج إلى دفاعهم أو حتى مؤمنة بضرورة الدفاع عنها. في ظني أن أحلام تعرف جيدا كيف تصنف الناس، والناس في نظرها باعتقادي إما: محب لأعمالها أو غير محب لأعمالها. من خلال ما أقرأ لها من تصريحات، فلا مشكل لديها حتى مع الذين لا يحبون أعمالها ويصرحون بذلك من دون عقدة، فكما يقال ليس للذوق لجام. إذا وجدت مشكلة ما فستكون في اعتقادي مع من لا يحبون أعمالها ولكنهم يصرحون بعكس ذلك. أعتقد أنه تصرف يسميه الدين “النفاق” ونسميه بعيدا عن الدين “تملق” ويسميه من يمتهنوه “براغماتية”. لقد ذعرت وأنا أقرأ على إحدى صفحات جريدة جزائرية واسعة الانتشار ندوة حول الأمر بداعي “الدفاع عن أحلام” من “حرب بالنيابة” شنها بعض الجزائريين رغم أن انتقاد العمل علانية لم يكن إلا من قبلي على صفحتي السابقة في الفيسبوك وتم نقله لاحقا على الصحافة العربية. كل ما أتمناه لصاحب الندوة أنه حظي بما قد يكون قد توقع الحصول عليه نظير خدمة لا أحد طلبها منه حتى أحلام. ثم لا شيء حدث في الحقيقة غير أن “روائي” انتقد زميلة “روائية” وهو حق مشروع بل ومطلوب أيضا إعمالا للسير الحسن للرواية، وحين يتدخل من لا علاقة له بالرواية في الأمر فمن حقي أن أتساءل عن السبب. مهما يكن أفكر كثيرا في أن أرضي صاحب ندوة “دفاعا عن أحلام” ببعض التصريحات التي سيكون موضوعها على العموم عن عبقريته السردية غير الموجودة في الحقيقة، كما سأكتب عن أعماله العظيمة وفق مقاييس الابتدائي وأعلن توبتي من كل قراءة نشرتها من قبل عن أعماله التي كتبتها بحسب زعمه مدفوعا من أعداء يتخيلهم وحده أو غيرة من أعمال عالية المستوى لم يكتبها بعد…

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن رواية “الأسود يليق بك” هي الأكثر مبيعا في الوطن العربي؟

وهو أمر رائع بالنسبة لرصيد أحلام البنكي. أنا لم أتحدث عن مبيعاتها بل عن أدبية الرواية، لقد شرحت بما فيه كفاية الفرق بين “الأكثر مبيعا” و”الأكثر أدبية”، لا أعرف لماذا لا نميز بين الظاهرتين. أعتقد أنه قبل سنة نشر واسيني الأعرج مقالة مهمة في الموضوع يمكنك العودة إليها. ثم ما الهدف من الحديث عن نقدي لأحلام؟ لقد انتقدت أعمالا أكثر قوة، ربما قرأت رأيي في “قناديل ملك الخليل” لابراهيم نصر الله وأنت أدرى أنه يفوق أحلام سردية ولا مجال للمقارنة بين الروائيين، كما انتقدت روايات أخرى لروائيين عرب من القامات. ومهما يكن هو رأيي وكما للناس ذوق في قراءاتهم فلديّ ذوقي أيضا.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل العيب هنا في القارئ إذا؟ القارئ الذي يبحث عن “الحب والبوح” داخل الكتاب بعد أن فقده في حياته الخاصة؟

 لا أقبل أن تجتمع كلمتا “القارئ” و”العيب” في جملة واحدة. قد يحب القارئ كتابا سيئا ولكنه يبقى قارئا أما الرداءة فلا تصيب إلا الكتاب، فكما يتنزه الله عن كل فعل غير جميل، بحيث لا يجوز أن نقول مثلا: الله خالق كل شيء خلق الحسن والقبيح، فلا يجوز في اعتقادي أن نسيء إلى القارئ بمثل هذا. فأنا لا أرى سوءا في بحث القارئ عن مواضيع تمنح الحياة وهجها كمواضيع الحب، حتى أنني لا أرى أي عيب أو إساءة في أن يحب القارئ أنواعا أخرى من الروايات حتى تلك التي توصف باللا أخلاقية، فهو وصف كما تعلم لا يفهمه الإبداع ولا الأدب، فالرواية الإيروتيكية الغائبة الأكبر في الأدب الروائي العربي نوع مهم للغاية ولكن للأسف لا أحد يهتم به حقيقة، ولا أعتقد أنه كتبت روايات إيروتيكية أو جنسية صرفة “بورنوغرافية” في العالم العربي بكل ما يعني هذا التعبير. لقد اطلعت على بعض ما وصف بهذا كبرهان العسل التي وإن كانت سردية جريئة فلا يمكن وصفها أولا بالرواية ولا بالإيروتيكية، وهو فن يستهويني ومستعد أن أكتب فيه وقد أكتب فيه قريبا جدا.

المجلة الثقافية الجزائرية: شهدت العديد من الدول العربية ما يعرف بـ”الربيع العربي”. دعني أسألك كمثقف في ما يسمى بالثورات العربية؟

 ماذا يمكنني أن اقول؟ خيارات الشعوب لمصائرها لا تقبل أي نقاش، كما أن أي تنظير للمسألة هو حرق للمراحل على اعتبار أنه سيكون تنظيرا خارجا عن كل موضوعية.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما يبدو مثيرا للدهشة داخل هذا الربيع هو انسحاب المثقف العربي من الساحة تاركا المجال لخطابات بعضها شاذ، متهور أو تقليدي.. ما السبب في رأيك؟

 أختلف معك في هذا الرأي. أعتقد أن اختلافنا سببه عدم اتفاقنا في تعريف “المثقف”: هل تقصد هؤلاء المكرسين من قبل على أنهم كذلك. كل الوطن العربي يعرف نفس مشاكلنا التعريفية، فمثلا في الجزائر اعتدنا أن نعتبر “مثقفين” الكثير ممن تراهم يقفون أمام وزارة الثقافة في طوابير تبدأ من مقر الوزارة ولا تنتهي إلى أي مكان، يكفي فقط أن تقرأ قوائم المكرمين والمكرسين والمدعوين بلا سبب وقوائم ممثلينا في التظاهرات الثقافية في الداخل والخارج لتفهم من تعتبرهم السلطة ودوائرها مثقفين، هل تعتقد مثلا أن هؤلاء قد يملكون موقفا ولو بسيطا وغير ملتبس إذا قامت ثورة شعبية في الجزائر. إنني أتحدث عن أناس يوظفون ويأكلون ويشربون ويسكنون ويملكون ويتزوجون وينكحون بفضل أموال الوزارة الوصية، وهي مؤسسة مفلسة وقد سبق وأن صرحت بذلك؟.. المثقف النزيه قدم موقفه من الأمر، وصرح وكتب وألف بشأن ما يحدث في بلدان الربيع العربي.

المجلة الثقافية الجزائرية: لماذا لم يسع المثقف إلى صناعة “ربيع ثقافي” ينقذ ما يمكن إنقاذه من الثقافة كإرث إنساني شامل؟

 تعرفني صريحا: يا رجل لا تسأل سائس خيول عن طريقة إصلاح محرك مرسيدس..

المجلة الثقافية الجزائرية: حسنا.. هل يقرأ سمير قسيمي لزملائه الكتاب الجزائريين؟ ومن منهم يلفتون انتباهك من الجنسين؟

 لم التق بالراحل الطاهر وطار إلا مرة في حياتي، وقد دام لقاؤنا ثلاث ساعات في بيته، فبل شهر من وفاته. ورغم أنه تحدث معي في كل شيء يخص الرواية إلا أنني لم أعمل إلا بأمرين نصحني بهما: الأول أن أستمر في الكتابة ما دمت مؤمنا بموهبتي، والثاني أن أقرأ أي شيء له علاقة بالرواية حتى وإن كان كتاب طبخ أخطأ الناشر وصنفه بالرواية. لقد قال لي ما معناه “ما دمت تقرأ لسواك، فيمكنك دوما أن تموقع نفسك أولا بينهم، وحين تبلغ مستوى معين من الكتابة فسيمكنك أن تموقع نفسك خارجهم”. لقد دأبت من ذلك اليوم على أن أقرأ كل شيء متاح، لا جزائريا فحسب بل عربيا أيضا. لقد قرأت هذه السنة مثلا ولا فخر كل ما صدر عربيا من جانفي 2012 حتى جويلية 2012، وأحاول الآن أن أحصل على ما صدر بعد هذه الفترة. لقد تعدت المطالعة بالنسبة لي مفهوم “المتعة” لتكون ضرورة يقتضيها عملي كروائي، فالرواية لم تعد هوايتي بل هي عملي من دون أن أقصد أنني أعتاش منها. الرواية كأي حرفة أخرى، وفي كل حرفة ثلاث أنواع من الناس: صاحب الحرفة، المتوهم والمحتال. في الرواية أيضا أصحاب حرفة يحسنون كتابة الرواية، وهم على ندرتهم في الجزائر موجودون، بعضهم مكرس إما بسبب أعماله فقط وإما بسبب أعماله ومتانة علاقاته مع السلطة والإعلام ومع بعض النافذين، أما غير المكرسين فقد تكون أعمالهم جيدة ولكنهم لعدم امتلاكهم للعلاقات أو بسبب مواقفهم لا يظهرون كالمكرسين. وعلى اختلاف هذين فلا مشكلة لي مع أي قسم لأن علاقتي بهؤلاء هي علاقة مع نصوصهم، وما دامت تلك جيدة فلا يهمني إن باعوا أنفسهم للسلطة أو اشتروا أرواحهم منها. إلا أن صداقتي لا أمنحها أبدا إلا لمن رأيت فيهم ثباتا على مواقفهم وصدقا من نوع ما. أما المتوهمون للموهبة فلا خطر منهم أيضا، فهم من جانب يُعملون حركة ما في الساحة الأدبية، ومن ناحية يجربون هذا المجهول المسمى “رواية” وهؤلاء مهما حدث فإما أن يبقوا في الساحة الأدبية في آخر صف وإما أن ينسحبوا. وهؤلاء لا مشكلة لي معهم. تبقى فئة المحتالين الذين يحاولون بأية طريقة أن يوهموا الناس على أنهم روائيين، وهم في ذلك يستغلون مراكزهم الاجتماعية والمهنية وحتى المالية، والسائد عندنا مثلا أن تجد بعضهم في رئاسة تحرير جريدة أو رئاسة قسم ثقافي في جريدة معروفة. أعتقد أن هناك مثال معروف لدى الجميع اعتاد استغلال وظيفته لهذا الغرض، بل وتعداه ليجمع التأييد ممن يشخذون “فرصة” نشر خبر ما عن أعمال لا يقرؤها سواهم. المحتال في أي حرفة هو من يعطي صورة سلبية عن الحرفة و محتالو الرواية هم من جعلوا النقد يتوهم أن الرواية الجزائرية الجديدة سيئة ورديئة. مثل هذا النقد لم يحظ بقراءة إلا تلك الروايات المعوّقة على تعبير الراحل الطاهر وطار في وصفه لعمل قدمه له محتال روائي أهداه عمله المنشور على نفقة الاحتيال أيضا. 

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب الآن؟

 ما سيصدر حين أنتهي منه. يكفي القارئ الآن ما أصدرته لحد الساعة، كما أنني مستمتع بنجاح “الحالم” وكما تعلم تحتاج المتعة إلى وقت كاف للتلذذ بها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ؟

 نتهيت اليوم من قراءة “على الطريق” لجاك كرواك وسأبدأ في قراءة “الحكمة المجنونة” لتشوجيام ترونجبا بالتوازي مع “المواقف والمخاطبات” للنفري.

 

 

 

 

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق