الموقع

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي

إن تهميش المرأة فعل متجذر في تاريخ المجتمع العربي عموما والجزائري خصوصا، فقد احتلت مكانا ثانويا وتم إقصاؤها من مختلف ميادين الفعل الاجتماعي بحجة أنها كائن ضعيف مكانه البيت والمطبخ، مخلوق للمتعة ولحفظ النسل وليس مؤهلا للفكر والإبداع. واستمر توارث ذهنية التهميش هذه من جيل إلى آخر. وإذا كانت حدتها قد نقصت في مناطق الحضر مدنا وأمصارا، فإنها ما تزال شديدة الوطأة في مناطق البدو أريافا وجبالا. لقد اختزل المجتمع بأعرافه وتقاليده، المرأة في جسدها ومحا عقلها ما جعل ثنائيات كثيرة (المرأة والسياسة، المرأة والعلم، المرأة والفن، المرأة والفلسفة) تبرز على بساط البحث والنقاش هدفها إثبات فكرة أن المرأة إنسان أيضا وكائن قادر على الإبداع في مختلف المجالات شأنها شأن الرجل.

ولا شك أن الإبداع إنساني، ليس ذكوريا ولا أنثويا، لكن الملاحظ أن مجالاته تتنوع وتتعدد عند الرجل من علوم وفلسفات وفنون، بينما تقل وأحيانا تندر عند المرأة، وهذا هو حال الإبداع في مجال الفلسفة. والحق أن هذا الأمر ليس مقصورا على مجتمعات وثقافات معينة دون أخرى، بل هو ظاهرة عالمية وتاريخية كانت في الماضي تشمل العالم كله، لكن المؤسف أنها ما تزال موجودة في عالمنا العربي على وجه الخصوص. وما يهمنا في هذا المقام هو النظر في ما يعيق الباحثة الجزائرية عن الحضور والتميز والابتكار، ولما لا التنظير في مجال الفلسفة.
نعتقد أن هناك ثلاثة عوامل أعاقت الباحثة الجزائرية عن الإبداع في مجال الفلسفة وهي:
أولا: انتماء الجيل الأول من أساتذة الفلسفة إلى التيار الإصلاحي الذي كرس فكرة النساء قعيدات البيوت وظيفتهن حفظ النسل وتربية الأطفال والعناية بأمور المنزل.
ثانيا: بغض النظر عن الانتعاش الراهن فقد نالت الفلسفة، هي الأخرى، حظها من التهميش والإقصاء مثل المرأة. لقد كانت الفلسفة وما تزال موضع سخط الفقهاء وإقصاء الساسة وذلك من أجل تعطيل فعل النقد. فالفقهاء يرون فيها بابا من أبواب الكفر والإلحاد والزندقة. أما الساسة فقد وجهوا عنايتهم للعلوم الطبيعية والرياضيات أولا، ثم للعلوم الاجتماعية والآداب ثانيا، مكرسين فكرة أن الفلسفة كلام من أجل الكلام.
ثالثا: دعا الفكر الإصلاحي في الجزائر إلى تربية المرأة وتعليمها إلا أنه بالمقابل رسخ أولوية الرجل وهيمنته وسيادته عليها. لقد أقتصر تعليم المرأة على أمور المنزل والأولاد مما أسهم في تعطيلها عن ممارسة النشاطات الإبداعية المختلفة. ربما تطلب الوضع آنذاك هذه المقاربة لكن المشكلة، اليوم، أننا ما نزال نفكر بالطريقة نفسها بعد مرور سنوات وسنوات على هذا المسعى الإصلاحي الذي لم يعد في شقه هذا منسجما مع مستجدات الراهن.








د. جميلـة حنيفـي
*كاتبة وأستاذة جامعية جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق