ثقافة النثر والقصيد

غيمة مرّت من هنا

بسمة الشوالي*

أفق الانتظار ناصعاً يصحو
مطأطئ الفكر، خفيض القلب
كعابر خطّاء يجتاز الحياة خاشعا يتعبّد
ينضو الصّديد عن شفار اللّغة الأفق
يسنّها على الحرف اليمين من الشّفق
ويتُلّ الحلم الكبير على قفاه مدّا
يتلو ترانيم ما قبل النّحر بالجهر والهمس
ثمّ يقرّب الذِّبح العظيم في سكرة الطّقس
يحزّه من أوّل القلب إلى طرف الوريد
فيأتلق دمه اللؤلؤيّ السّفيح
كحبّات العقيق في جفنة الشّرق
تلتفع في احتمالات السّواد
السّماء المحيطة بالذّبيح
قوس البدر تأرجح على حبل السّحر
صدره الوضّاء مُتكأ وثير
لناثر الشّعر وناظم النّثر ومدّاح مُريد
والبحر أيضا هادئ جدّا
مراكب تمضي
مراكب ترسو
يد في جنح المنام تهدهد أرق النّيام
وتفصيلَ الثّياب على مقاس جديد تعيد
وما تمزّق من ثوبه الماضي
على شمعة الأوهام ترفو
وشخص ما أو كثير ربّما
فإنّني أسمع الهمس يجلُب كالجعجعة
وأرى رياحا تُدار، نقاعا تثار
ولا ركبان في البيداء والخضراء تجري
يتدّثرون حرير الليل، على رفرف من أرائكه الوِثار يجلسون
ومنزل الأرض على ذوق جديد يرتّبون
والقمرِ والأنجم الأخرى
ولا أحد الذي يجري الآن يرى
غيمة سمراء لم يكتمل نضجها
من جرح بحنجرة الحلم السّفيح
أطلّت
لا شيء للرّيبة يدعو
قالت
مدى الرؤية صحو
ودم الحلم يفيض على جانب الأرض اليمين
كحنّاء يهمي
يضمّخ خنصر الجبل العتيد
وكفّ تلّتِه العروس
ورائحة الشّواء المشتهى
في تجاويف الخواء بالأمعاء تسري
والفرح العزيز من بين الترائب ينسِل
واليأس التّليد
لا مجال الآن للرّيبة
السّاحل الرّمليّ رخو
يعدّ مفارشه الرّخاء لعشاق ما بين الوتر والفجر
سهيل في حقول النّجم يرعى الهوى
يغازل حبّه مكسور القفار جوزاء
ويهشّ بالأغنيات العذاب قطعان السّماء
فيسّاقط على الأرض اليراع
وترفع حناجر الشّوق أناهيد[1]
فتدرك الشّعرى الغميصاء
وتنسى بنات نعش [2]ثأرهنّ
وتعثر منتصف القلب عند خطّ الاستواء
على عاشق أعمى لا يرى النقّصان في خطوها “العرجاءُ”
فتسري في النّواحي جميعها زغاريد
وينتشر غناء
اِطمأنّت الغيمة خرجت
وحيدة تمشي الهوينى
كغادة فيحاء أينعت للتوّ
تهادى في مروج السّواد الفسيح

تقفز كضفيرة جذلى
تداعب الشَّعر على شباب اللّيل[3] أخرى
وتحثّ الغيم أن يمشي دربَها فيسيح
تدافع الغيم زِحاما خلفها
في ربكة الوجل ورجفة الزّهو
وفرحة الثّكلى
يعود عليها الشّهيد في علبة القبر
كتدفّق الشّمس إلى قبو السّجين الغيم همى
الغيمة أيضا ما درت
أنّ الجفولَ ريح مُرسلة
في كل منعطف للحياة، وزاوية للعناق تباغتها
فأعرضت عن الذّكرى
وظنّت عصف الهواء في فناء الشوق
كعصفه بالقلوب الهوى
فانسكبت حيث لا تدري
وضيّعت شكل الغيم إلى الأبد
وتناثرت سُبحة الغيم في ركبها
حناجرَ خرساء في الصّيحة بددا
لم يبكها أحد
وهل أحد رأى الذي جرى؟
لا وقت للبكاء على غيمة تاهت كالجُفاء
منازل الكواكب على الخريطة الآن تغيّرت
ولحمة القربان توزّعت
والضّحى في رُواق النّهار استوى
وأفق الانتظار غائم في الأبخرة
تصّعّد منه إلى العُلا رياح الأدخنة
وما تبقّى من رماد الحلم الحنيذ
توزّعه السِّمان والعجاف كلّ بقدر
والغانمون العرايا على البقايا
يتخاصمون، وكثيرا ما ترى
اللدّ على اللّدّ يجتمعان
إخوة بررة في العشايا
على مفرش الجلد السّليخ
الملحَ مرشوشاً على بيْض النّوايا
يتقاسمون، ويعركون من لحمه ما تبقّى
وأفرقة تراهم إذا ما أشرقت قِددا

________________________________________
[1] – أناهيد هي نجمة الصّبح أو كوكب الزهرة حسب أساطير العرب.
كما تروي بأنّ النجم سهيلا أمير من اليمن جاء إلى الشمال ورأى النجمة الجوزاء فتحابا ولكن أهلها رفضوا تزويجها به
فقررا الفرار وأردف الجوزاء خلفه ولكن أهلها علموا فطاردوهما .. ووقعت الجوزاء فتكسرت فقارها. يهرب سهيل إلى أقصى الجنوب وتجري وراءه أختاه (الشعريين) أما الشعرى ( النجمة اليمانية) فتتمكن من عبور نهر المجرة وأما الشعرى ( النجمة الشامية) فلا تتمكن من عبور النهر فتجلس هناك لتبكي كثيراً حتى تغمص عيناها ولذا سميت الغميصاء .
[2] – “بنات نعش ” نجوم سبع، قتل الجدي أو النجم القطبيّ أباهنّ “نعش” فحملته أربعة منهنّ على الأكتاف وسارت خلفه الثلاث الأخريات وكانت الأخيرة منهنّ “عرجاء” وقد قررت البنات ألاّ يدفنّ أباهنّ حتى ياخذن بثأره. على حدّ ما تروي بعض الأساطير العربيّة.
[3] – شبّ الليل نبتة تعيش بأمريكا الاستوائيّة زكية الرائحة مختلفة الألوان . وسميت كذلك لأن أزهارها تتفتّح بعد الظّهيرة وتنغلق في الصباح .

* أديبة من تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق