قراءات ودراسات

القصة البرقية وجماليات التكثيف:

مقاربة إلى قصص محمد فريق حسن

يوسف يوسف*

للقصة القصيرة كما نتبين من نماذجها المتعددة شكلها المقتضب . وهي بحسب أطوالها ثلاث : القصة القصيرة الطويلة ، والمتوسطة الطول ، والثالثة القصيرة جدا ، التي ما إن تطلق إشعاعاتها الاولى لتنير جوانبها وتكشف ما فيها من الخفايا ، حتى تخفت حدة هذه الاشعاعات ، فإذا نحن وكما يشير واقع الحال أمام ما يمكن أن توصف بالقصة البرقية، التي تنقضّ على المتلقي كمثل ما يتراءى له البرق أمام عينيه ، ساطعا خاطفا وسريع الانطفاء . والقصة القصيرة جدا من بين غيرها أصناف القصة في حاجة شديدة بالنظر إلى قصرها إلى ما يعوّض عن محدودية هذا الطول إلى الجماليات التي يعدّ التكثيف اللغوي عامودها الأساسي، وهو ما يجعلها أقرب إلى الشعر منها إلى الكلام المنثور، الذي ربما يخفت فيه صوت الموسيقى ، التي لها شأن كبير في استدعاء المتلقي إلى مجالها ، وكمثل ما يمكننا أن نرى في قصة “الأيام” التي تقول : يا للزمن الصاخب بالصياح والصراخ . أنا لست قشا وأنت لست النار ، تشتعل فجأة ، وتسري ملتهمة معالم عمري . لست كتلة من الجليد وأنت لست الشمس ، تجعلين قامتي بقايا شمعة قصيرة .
يتحدد مجال هذه المقالة ابتداء بالقصص القصيرة جدا التي وضعها الشاعر عبدالله البرزنجي بين يدي عند تكليفي بالكتابة لملف حول هذا القاص الكردي، وهي نماذج قليلة قياسا بما أنتجه صاحبها ، الذي لم يترجم أدبه إلى العربية ، على الرغم من كونه واحدا من الأدباء الكرد المرموقين كما قال عنه الشاعر البرزنجي ، ولعل هذا الرأي هو ما سنكتشف صحته من قراءة هذه النصوص التي أفضت إلى ما يحسن بنا قوله بشأنها باعتبارها نماذج مما أنجزه محمد فريق حسن .
هنا وبصرف النظر عما يمكننا تعريف النصّ به ، وفيما إذا كان متتالية من الأقوال أوالجمل أو القضايا ، أو سوى هذا مما قالته الكتابات ، فإنه في اعتقادنا لا بدّ أن تكون له علاقة بأرضية اجتماعية ينبت فيها وينمو ويحمل ملامحها . ومن هذا الاعتقاد ظهر التعريف الذي يعتبره أصحابه فيه بأنه بنية دلالية ، تنتجها ذات ، ضمن بنية نصيّة منتجة في إطار بنية أوسع ، اجتماعية وتاريخية وثقافية(1) .
ويتمثل ما نقصده بالسؤال حول النص والتعريف المقبول له ، بمحاولة الكشف عن الرابط بين النصّ الذي يكتبه محمد فريق حسون والواقع الذي يعيش فيه ، الذي هو واقع شرقي في إطاره الخاص وإنساني في إطاره العام ، وإن اتضحت في النصوص الأطول البيئة الكردية ، وذلك باعتبار هذا الواقع البنية النصية المنتجة ليس لنصوص هذا القاص وحدها ، وإنما لغيرها من النصوص الأدبية التي يكتبها أدباء آخرون ، الكرد من بينهم بكل تأكيد . ولسوف نرى ما دمنا في هذا الصدد ، بأن القاص هنا ، وفي عين ثاقبة تنفذ إلى الأعماق ، صارت الحال عنده كمثل حال الطيور،وهي تبحث عما يفيدها في بناء أعشاشها ، فتهبط من أمكنتها المرتفعة في الجو حيث تطير، أومن فوق الأشجار، لتلقطها وتدسها في هذه الأعشاش بين أغصان الأشجار أو في شقوق الصخور وسواها من الأمكنة . ومعنى هذا فإنه وفي ما تحتمه الضرورة الفنية التي قوامها في حالة مقالتنا التكثيف ، صار لزاما عليه الأخذ من الواقع ما هو أكثر إشعاعا من سواه من الموجودات، وبما يمنح القصص طابعها الانساني الشامل ، وليس الذي يرتبط بشعب بعينه . من هذه القصص التي تتناول موضوعات إنسانية لا يمكننا حصرها بالكرد وحدهم ، القصة التي تحمل عنوان” رأس السنة ” التي تتكون من سبعة سطور ، ينتقد فيها واقع الناس الذين اعتادوا التصفيق لكل ملك جديد ، وليس لملك بعينه ، وبما نتبين من خلاله قدرة القاص على الكشف المتعاقب وفي فنية عالية الجودة حقا ، لما ستصوره القصة التي لا نعدم فيها الانقلاب في خط الحبكة إن صح التعبير، وبما يقرّب القصة من المتلقي فتنال إعجابه ” وبعد بضع لحظات سيموت العام بشهوره وأيامه وساعاته وثوانيه، يقصّ الثلج لقامته الكفن ، ولا أحد يقيم له المأتم . يا لصفاقة هؤلاء الناس ، يتعجلون موت عام من أعمارهم . يشربون حتى الثمالة ، يرقصون حتى الارهاق. كيف أيقنوا بأن العام الجديد لن يكون عام غلاء وحروب داخلية وزلازل .. إنها المعايير المعتادة العتيدة نفسها . يزاح ملك ليحل في مكانه ملك آخر . عاش الملك الجديد”.
غالبا ما نرى في القصص الجيدة عالما واضح المعالم والأبعاد ، كمثل العالم الذي نراه في القصة السابقة . سوف يكون المحتفلون برأس السنة الميلادية جزءا من ناس هذا العالم الذين يتندر القاص بأفعالهم ، لكن المقصود ليسوا هؤلاء وحدهم ، وإنما هو يقصد أيضا أولئك الذين يصفقون لكل ملك جديد ، الذين سرعان ما يصفقون له ، وحتى قبل أن يكونوا قد عرفوا خيره من شرّه . هذا هو العالم الأهم والأبرز نصوعا في القصة التي يتخفى كاتبها وراء قناع التندر باحتفالات الناس في كل رأس سنة ميلادية جديدة ، ليقول ذاك الذي سبقت الاشارة إليه – التصفيق بجهالة للملك الجديد ، كمثل التصفيق لكل سنة جديدة ، على الرغم من أنها الأخرى وبحسب منطوق القصة ، قد تكون محملة بالزلازل والويلات والنكبات، وغلاء الأسعار وسوى ذلك من منغصات الحياة وهمومها . والمشكلة التي نتبين كيفية حلها عند القاص ، إنما تتمثل بالكيفية التي يتبعها ليكشف أي غموض ربما يتراءى للقارئ في هذا المكان من القصة أو ذاك . إن القصة وهذا ما يجب أن لا ننساه ونحن في صدد إصدار حكم نقيّم فيه هذه القصة أو تلك من القصص ، أنها-القصة- طريقة لقول فكرة ما ، لا يمكن قولها بطريقة أخرى، ولهذا يصبح لزاما علينا القول بأن كل كلمة وبالذات في القصص القصيرة جدا التي كمثل القصص التي نتناولها ، إنما يجب عند استخدامها أن يكون لها معنى ” الناس عميان فلمن أحلق لحيتي وأصفف شعري وأرتدي ألبسة من أحدث المودات الشائعة” . هذا ما يقوله في قصة “العمى” التي تتكون من أربعة سطور لا أكثر . هنا ومع بدء عملية القراءة وتسليط ما تسمى بالقوة القذفية للعين على المفردات المستخدمة ، سيتوجه تفكيرنا إلى ناحية ترتبط في طبيعتها وملامحها بما سنتوقعه مما سبق من الكلمات ، إلتي نفهم منها بأن القاص إنما يقصد عدم اهتمام الناس بأناقته ، لكن هذا القاص وفي السطر الأخيرمن القصة – وهذا ما يحسب لصالح الجماليات التي في القصة- عمد إلى توجيه تفكيرنا وعيوننا إلى ناحية أخرى ، فإذا نحن أمام اعتقاده بانعدام الجدوى من عملية كتابة القصة وهي نهاية تختلف تماما ، ومحبطة حتى لنا كقراء”الناس عميان . فلمن يتدفق بعد الآن نبع قصصي ويجري ولا أحد يشرب منه ؟”.
لا شك في أن النصّ الأدبي بناء لفظي . لكن بحسب ما يذهب إليه كراهم هاف فإنه حتى الناقد المهتم بالدرجة الأساس بتاريخ الأفكار أو التضمينات الاجتماعية للأدب ، قلما يستطيع أن يتخطى العموميات بدون الانتباه إلى الطريقة التي تستعمل فيها الكلمات (2) . إننا على سبيل التقريب أيضا ، وعند قيامنا بقراءة قصة ” دكتاتور” التي تتكون هي الأخرى من أربعة سطور ، ستجذبنا إليها هذه البنية المتماسكة التي تنتظم الكلمات فيها مع بعضها ، بحيث يصبح من المستحيل الاستغناء عن أي منها ، فهي كالسلسلة الحديدية المتشابكة حلقاتها مع بعضها في قوة، وبما يبين الجماليات التي في هذا التكثيف الأقرب ما يكون إلى الشعر المنثور “ساهر طيلة الليل . أنظم ظفائر الكلمات التي تنعم فرحة في ظلالي بكل حقوقها” .ولأن هذه القصة من نوع تلك القصص التي تحاور عقل المتلقي ، فإنه يصبح لزاما علينا التفكير بالمقصود من المماثلة بين الكلمات والانسان “وذلك لأن الكلمات أيضا مثلكم ، كائنات حية ، تبكي ، تنام، تكتب رسائل الغرام ، تقهقه ضاحكة ، وتغضب” . هذا يعني أن القاص يمنح القارئ الفرصة لكي يصبح هو الآخر منتجا تاليا للنصّ الذي يكتبه ما دام هو – القاص نفسه – من تقصده القصة باستخدامها مفردة الدكتاتور وليس غيره من البشر، وبما يبين لنا عملية العسف التي يمكن أن يمارسها مع شخصيات قصصه على اعتبار أنها الأخرى كائنات لها حقوقها التي يجب عدم التجاوز عليها حتى لو كان هو من يضعها فوق الورق وفي قصصه ، وذلك في إشارة بالغة الذكاء إلى أولئك الأدباء الذين يعقصون ظفائر الكلمات ويلوونها إلى غير الاتجاه الذي عليهم أن يوجهوها إليه . وتتداخل هذه الفرصة التي يمنحها محمد فريق حسن للقارئ مع ما يقوله رولان بارت التي يرى فيها بأنه في مقدور القارئ أن يكون منتجا آخر للنصّ – أي نصّ أدبي وبصرف النظر عن جنسه ، وليس القصة وحدها .
هذه القصص وفي صريح العبارة تشترط النباهة والقدرة على تذوق ما فيها من الجمال في أبنيتها اللغوية على وجه الخصوص ، فهي الحصان الذي يمتطيه القاص ليمضي بنا إلى غايته . وفي حالة القراءة المتأنية التي يحفر فيها صاحبها في الأعماق، وليس في تلك التي تتعامل فيها العينان مع سطور قليلة تنتهي من قراءتها في سرعة ، سنتمكن بكل تأكيد من اكتشاف المقصود بالقوة القذفية للكلمة في هذه المرة . لسنا أمام تحليل لغوي نتعقب فيه المفردات واحدة فواحدة ، وإن كنا ندرك بأن المفردة في حالة التحليل اللغوي للنصّ هي نقطة البدء التي ينطلق النقد منها ، وإنما الغاية من هذا القول الاشارة إلى لغة فيها من المجاز الكثير ، وفيها من الخروج على ما في المعنى المعجمي ما هو أكثر، وفيها سوى هذا ما يجعلها تستعير من الشعر طابعه ، وهذه تخاطب مخيلة المتلقي ووجدانه، ومن هذا الذي نقصده ما يقوله في القصة التي تحمل عنوان “اليوم” :
اليوم يتردد في أذني صدى . ربما كان هناك أحدهم ، يقرع من خلف آلاف الجبال الوعرة الأجراس . ترف أجفاني. ربما كان هناك صديق ، انتهى به الطريق إلى هذه المدينة ، وسأل عني . أشمّ من بعيد رائحة الزهور . ربما كان هناك قريب يهمّ بطرق الباب . تسقسق العافير . سيزفون عروسا . إفرشوا السجاد .. ها قد وصل الضيوف .
في قصة ” النمو ” يتمنى القاص لو أنه بقي طفلا صغيرا لم يكبر ويصبح رجلا، ليس هكذا بدون سبب جوهري لهذه الأمنية الفانطازية ، وإنما لأنه بعد أن كبر وصار يافعا، اكتشف أنه قد خسر بسبب هذا النمو الكثير مما كان يجلب إليه السعادة في الحياة آنذاك “كبرت .. والآن.. لا يقبّلني أبي . ولا يحملني على كتفيه . أمي لا تغسلني في الطشت . ولا تعدّ لي التمر بالدهن . وخالي لا يأتي من قرداغ حاملا إليّ باكورة اللوز .. وما من أحد يمنحني العيدية ” . صحيح انها أمنية بعيدة المنال بحكم مخالفتها واحدة من سنن الكون في نمو الانسان ، إلا أن القاص يقصد أيضا القول بأن الناس هم الآخرون لم يعودوا كما كانوا سابقا متحابين متآلفين يشدّ بعضهم أزر بعض، وإنما أصبح لكل واحد منهم عالمه ، وصاروا متباعدين ، هذا يشيح وجهه عن ذاك ، والآخر عن سواه . وهذه الثيمة التي فيها قدر كبير من اليأس مما حوله ، لا تكاد تختلف عما في قصة (ورقة) التي يتمثل القاص فيها أحزان ورقة من أوراق الشجر ، فيؤنسنها في حالاتها المتعاقبة قبل وصولها إلى خريف العمر ، الذي هو خريف عمر الانسان أيضا ، فتسقط عن الغصن الذي كانت جزءا منه ، بعد أن كانت داكنة الخضرة ، متلألئة يغطي ظلها حتى الأشواك . هنا نرى حال الانسان في الدرجة الأساس، من خلال حكاية الورقة التي لا تختلف عن حكاياتنا نحن بنو الانسان ، يجتمع المحبون حولنا ويقتربون منا حينما يكون الواحد منا في عنفوان شبابه كمثل حال الورقة ” كان النحل جاري الأيمن والفراشة جارتي عن الشمال . كنت فوق أعشاش الطيور الصغيرة والفواخت ظلا، تزدحم تحت إبطي الفاكهة . تمر الريح العاصفة من تحت ذراعي وهي تعزف من غير أن أبالي بها أوركيسترا ريح الصبا وأغاريد البلابل وهديل الحمام الزاجل “، لكنه ما إن يكبرفي العمر، وتتراخى قوته ، فإن من كان يراهم باستمرار ، يغادرون بل ويتعجلون التخلص منه عند موته حاله كمثل حال الورقة كذلك” وها أنا الآن في ساعة الاحتضار. نحاسية اللون . انكفئ مريضة . ممددة على الأرض . الأرض التي كنت مظلة فوق رأسها ، لا تؤويني لحطة واحدة . ها هو منظف الشوارع الذي كان ينام تحت ظلي يتجه نحوي حاملا مكنسة كبيرة . يريد أن يجمعني مع قشور الباقلاء والموز وأعقاب السجائر، ومن ثم يرميني في عربة النفايات “.
ونحن نتحدث عن القصة البرقية ، فإنما نقصد السرعة في التبليغ وإيصال الرسالة . ليس ثمة وقت طويل وعلى القارئ أن يكون فطنا يتقن كيفية الدخول في جدل خلاق يفيده في الوصول إلى غاية القصة وما يضمره الكاتب بين كلماتها . محروسة من البلاء ابقي ، يقول للمرأة التي يحبها. هذا هو الظاهر من قصة ” انحياز “، ولكن الأهم أن القاص وفي سطور محدودة إنما يوجه القارئ إلى وجوب النظر إلى ما في أعماق الانسان وعدم الاكتفاء برؤية الظاهر منه ” أيتها المرأة الجميلة لا تتأملي مندهشة وجهي. ما الضير في أن أكون حنطي اللون ، فالمسيح كان حنطي اللون . أسود الشعر ، فأي عيب في لوني ؟ لوني كلونك أنت .. لم أختره بنفسي .. إنه يا حورية الشمال قسمة الله .. ما هكذا يكون التقييم .. أنت انظري إلى أعماقي ، فهناك شمس لا تغيب ” . وفي قصة “التحليق ” التي تصور عاملين من عمال البناء ، أحدهما يرى في المنام أنه يحلق في السماء في اللحظة التي كان على صاحبه أن يوقظه فيها ، يعمد القاص إلى تحرير بطله العامل من متاعبه ، بدفعه إلى الحلم الجميل الذي يتمنى لو أنه لا يصحو منه ، على اعتبار ما يحمله إليه من الارتياح والسرور ومفارقة الواقع المرير الذي يحياه ” في الحلم كنت أحلق بجناحي فوق هيكل بيت الحاج والحاج نفسه والمدينة .. كنت أنظر من السماء إلى المدينة وهيكل القصر ورب عملي الحاج ، حين ناديتني يا عزيزي ” دولبر”. ليتك افلتني أثناء التحليق من غير أن أستيقظ “.
لقد قيل بأن جماليات القصة القصيرة تتمثل في وضع عناصرها جميعها في نقطة واحدة تشع لمعانا ، لتكون لحظات الحكاية كلها مستحمة في الضوء كيما تكون مرئية مثل إشراقة مضيئة (3) . وفي قصة ” الهجيجي ” التي تصور حكاية أحد الباعة الكرد المتجولين، يحركنا القاص مع العم الهجيجي في رحلته التي يحمل فيها على ظهره صندوقا خشبيا سداسي الشكل ، وأنفه من ثقل الصندوق يكاد يلامس ركبته ، لنتبين من خلاله تعب الانسان من أجل العيش الكريم . إنه حتى عندما يتوقف سائق إحدى الشاحنات ليحمله معه في صعوده الطريق إلى قرداغ ، يأبى ويفضل مواصلة الصعود بالاعتماد على ساقيه . إنها حياته التي ينبغي عليه مواجهتها بشهامة الرجل الذي لا يقبل الشفقة من أي كان، على الرغم من أنه كان قد أمضى أربعة أيام وهو على تلك الحال
” العم الهجيجي بعمامته وحزامه القماشي المنقط بالأحمر والأزرق وبدلته الكردية المنسوجة من شعر الماعز وحذائه الهورامي، التزم جانب الطريق وهو يسير صامتا من غير أن يرتبك في سيره ” . وفي قصة ” في خريف العمر هذا ” ثمة مقايسة بين الانسان في مرحلتين من حياته : الاولى حينما يكون فيها شابا ، والثانية حينما يصل إلى خريف العمر . وعلى الرغم من أن هذا العنوان يذكرنا بثيمات أخرى، إلا أن المعالجات تختلف ، والقاص لا يكرر موضوعاته ، وإنما يحرص على الإتيان بالجديد، وهو هنا يستخدم ضمير المتكلم ، الذي يعتبر أقرب الضمائر إلى الصدق ، لأنه إنما يستخدم لسرد تجربة ذاتية ، المحسوس والواقعي فيها أكثر من المتخيل ” فمي مرّ وعيونك – يقول للفتاة- عسلية . شفاهي متغضنة وشفاهك كحبات الرمان في تلك الجبال ، حمراء ريانة . قامتك شجرة سرو باسقة تتمايل مع أنسام المساء ، وأنا شجرة هرمة وحيدة فوق تلة من تلال ” كرمسير – المنطقة الحارة من كردستان” المغبرة الجافة ” .
في قصة ” مسخ ” يصور الانسان اللاهث وراء الدنيا يقول – بطل القصة – إنه “متعجل دائما، ولا يرتاح حتى في الأعياد. حيثما تكون يكون حاضرا هناك . أحضر إلى هذه المدينة شاحنة من التفاح تجده حاضرا هناك ، وإذا أحضرت شاحنة من الاطارات فستجده أيضا هناك “. والقاص إنما يقدم مثل هذه الشخصية ، لكي يبين لنا كيفية تحول النماذج التي من هذا الصنف إلى كائنات ممسوخة يجعلنا نسخر منها ” إنه دائم الهرولة . وقد تغير حتى شكله ، وبصورة خاصة ذراعيه وساقيه . لقد حمل على كاهله الدنيا لدرجة أنه أصبح لا يستخدم ذراعيه للمصافحة والتحية بل للهرولة . وهو الآن يهرول على أطرافه الأربعة”.إنها صورة يتحول فيها إلى قرد ، وتثير في النفس المرارة ، ليس عليه فهو لا يستحقها ، وإنما على الانسان ينسى نفسه ويظل لاهثا يلتقط الأنفاس .
إن حال المسخ في القصة التي تحمل اسمه ، لا تختلف عنها حال الوزير في قصة
” الثالث مجهول ” التي ينحصر دوره فيها بتوزيع الجوائز . ولسوف نرى بأن القاص يقدم قصة ساخرة ، يجعل قارئها ينفر من الوزير بسبب جهالته التي نراها في سكرتيره . يقول السارد في استجواب جميل لسكرتير الوزير:إذا عرضت عليك آخر صورة لمجلس الوزراء في عهد صدام حسين ، هل تستطيع أن تميز وتعرف من كان وزيرا للزراعة ومن كان وزيرا للعدل ؟ ويجيب السكرتير : لا.. أعجز عن تذكرهم ، ثم ما هدفك من هذه الأسئلة ؟.
القصة انتقادية وثيمتها الأساسية إنما نتبينها في السطرين الأخيرين ،حيث مركز الثقل الدلالي، وحيث يقول القاص في التعليق على إجابة السكرتير بعد أن التقطت صورة تجمع الوزير مع فنان تشكيلي وناقد :
– إذا وقعت هذه الصورة التي نريد التقاطها بعد تسعة أعوام بين يدي صحفي، ماذا سيكتب تحتها : من اليمين : الأول الفنان التشكيلي سامان ، الثاني سردار الناقد ، ولكنه إذا وصل السيد الوزير الحالي سيكتب : الثالث مجهول . شأنه شان الوزراء في عهد صدام ..
هكذا نرى كيف استطاع القاص اقتياد القارئ إلى نهايات قصصه ، ربما دون أن يشعره في لحظة أنه السارد الذي في يده دفة السفينة يوجهها ،ومعها القارئ بالطبع إلى حيث يشاء ، وإن كان هذا ما يحدث تماما . إنه النجاح في الصنعة، الذي جعل القصص سلسة سريعة ومكثفة ومتألقة جميع هذه الصفات معا . وهي أيضا قصص واقعية تلتقط المحسوس من الأشياء وتقدمها في اقتضاب، غلب عليها فيه متاخمتها حدود الشعر، بل ويصحّ القول فيها أنها قصص برقية ، تنتظم مع بعضها في انقضاضها السريع على القارئ ، الذي بقدر تجربته في قراءة القصة سيشعر بالمتعة عند قراءتها ، وإن لم يكن على هذه الحال من التجربة ، فلربما ينهي قراءتها في وقت قصير ، يتناسب طوله مع أطوال القصص وحركة عينيه وهما تقعان على مفردات لن يكتشف قيمتها إلا من كان كمثل ما قلناه حول التجربة في القراءة وأهميتها في حالات القصص ذات الأبنية المفتوحة .
القصص التي تناولناها في تعبير آخر تفرح النفس وتبعث فيها الارتياح، ليس فقط لأنها تمتاز بالتكثيف ، الذي هو منزع أساسي في القصة القصيرة ، وهو ما يذهب إليه الناقد عزالدين اسماعيل(4) ،وإنما لأنها سوى هذا استطاعت أن تكون واحدة من تجارب القاص في الحياة ، على اعتبار أنها تجبرنا نحن القراء على التحول إلى كائنات خيالية كمثل كاتبها . وهي في أغلبها ينسى القارئ نفسه ، ويستغرق في التفكير ، كمثل ما يحدث له في قصة ” خاطفو العمائم في الليل ” التي هي في طولها من القصص متوسطة الطول . وهنا على القارئ أن يجهد نفسه لمعرفة ما تحيل العمامة إليه في حياة الرجل الكردي . هنا ثمة تصادم بين الواقع والخيال ، الواقع الذي يتمثل في مجموع العمائم التي سرقت من فوق رؤوس الرجال ، والخيال الذي ينفتح عليه عقل القصة أو عقل كاتبها ، وهو يتلمس طريقه للعثورعلى ما يسعف في احتفاظ والده بالعمامة التي كانت آخر ما بقي فوق الرؤوس التي لا يريد لها أن تسرق منه بالنظر لقيمتها في حياة الناس ” كان أبي شأنه شأن هؤلاء الناس ، يعتبر عمامته جزءا من كرامته ، ويرى أن على المرء المحافظة عليها حتى الموت ، وأن حسر الرأس عيب”.

هوامش
(1) عثمان أبو زيند ، النص – الحدود والمكونات ، مجلة جرش الثقافية 11/2009
(2) كراهم هاف ، الأسلوب والأسلوبية ، ترجمة كاظم سعد الدين ، دار آفاق عربية ،
بغداد 1985ص49
(3) وليفرد ستون ، مقدمة في القصة القصيرة ، ترجمة رياض عبدالواحد ،مجلة
الثقافة الأجنبية 3/2000، بغداد
(4) عزالدين إسماعيل ، الأدب وفنونه ، دار الفكر، مصر 1976،ص202

* أديب من الأردن مقيم في كردستان العراق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق