قراءات ودراسات

أقنعة الراوي في قصص” المستهدف” لجمال ناجي

د. إبراهيم خليل*

استأثرت قصص جمال ناجي بعناية الباحثين، مثلما حظيت باهتمام الدارسين، والنقاد الأدبيّين، فقد تناول قصصه القصيرة بالدراسة محمود الريماوي(أفكار:216) وأميمة الناصر(افكار: 228) ومحمد صبيح (نزوى: 59) وتناول بعضها مصطفى الفار (الدستور:14135) ومجدي ممدوح (الدستور:15843)وإبراهيم عقرباوي(الدستور: 14163) ومنيرة صالح (الدستور: 14230) ورسمي أبو علي(الرأي: 13260) وصالح القاسم (الرأي: 13348) وإياد نصار(القدس العربي: 6882) وكتبت عن قصصه بعض الفصول في كتب نقدية عن القصة القصيرة، منها كتاب ” لعنة المدينة ” (2001) لسليمان الأزرعي، وكتاب ” قراءات في تجارب روائية وقصصية ” لهيا صالح(2010) وكتاب ” القوس والوتر ” لحسين جمعة(2002).
وأيا ما كان الأمر، فإن لجمال ناجي – مثلما هو معروف- أربع مجموعات قصصية، أولاها هي التي بعنوان” رجل خالي الذهن ” 1989 والثانية ” رجل بلا تفاصيل ” 1994 والثالثة بعنوان ” ما جرى يوم الخميس ” 2006 وأخيرا مجموعة ” المستهدف ” 2011 التي هي موضوع هذه القراءة.
تغلبُ على قصص جمال ناجي في “المستهدف” الرغبة في إيجاد نموذج جديد للقصة ذي مزايا فنية وتركيبية يمكن أن تكون خاصة به وبقصصه. وهذه الخصوصية تشكل ملمحا جماليا ينأى به الكاتب عن الأشكال التقليدية المتداولة في كتابة القصص. فهو يولي الراوي في قصصه هذه عناية أكبر مما نجده في مجموعات أخرى. فالراوي يبدأ بالإعلان عن نفسه من الجملة الأولى في القصة. ففي “الكحلاء” (ص10) نجد هذا الإعلان في عبارة ” قالت أمي” ص11 وفي قصة الحلاق نجده في عبارة ” الحلاق الذي اعتدت الذهاب إليه .. ” ص 27 وفي قصة أخرى نجده في عبارة ” لم يبق من جدي سوى .. ” ص37 وفي قصة “المستهدف” يبدأ بعبارة ” امرأتان تحكمتا بي .. ” ص 43 وفي قصة بعنوان” تكبير ” يبدأ الحكاية بكلمة ” قد يعيدونني … ” ص 51 وفي الصديق الذي صار قديمًا ” نحن لا نكف عن الأكل والشرب ” ص 61 وفي ” مغص متعدد الاتجاهات .” نجد البداية على النحو الآتي ” أصابني مغص ” ص71 وفي بداية قصة ” تلك الأيام ” يقول ” كنت أحسد أبي على طوله الشامخ “. ص 81
وتوهمنا قصة ” صديقي الأحمر ” بأن الراوي شخصٌ مختلف عن بطل القصة، لكن العنوان نفسه يبدد هذا الانطباع، زيادة على ذلك نجده بعد فقرة واحدة يستهل بها القصة متحدثا عن عن الحدث كما لو كان ساردا غير مشارك، ولا علاقة له بالشخوص، نجده يتطوع لإزالة هذا اللبس، قائلا ” ومع أنني لا أحسده على قدرته العجيبة على التسامح ” ص87 وقد استأنف طريقته تلك في بدء القصة بعبارة تشير إلى الراوي باستخدام ( أناه) في قصة لهاث ليلة العيد ” ما أعرفه هو أن زكاة الفطر .. ” ص 105 وهذا النهج ينسحب على سائر القصص كزيارة متأخرة، وشيء يخصني.
والقصة الوحيدة التي خالف فيها جمال ناجي هذا الأسلوب، وشذ فيها عن هذه القاعدة، هي قصة ” الموت شخصيًا ” التي سلك فيها مسلك من يكتب القصة على لسان الراوي العليم بكل شيء(ص19- 24)
والراوي في هذه القصص، علاوة على أنه يحتل موقع الفاعل النحوي بالنسبة للقصة المحكية، تقع على كاهله مهمة سرد الملفوظ الحكائي، وفي الوقت ذاته يحتل موقع الفاعل الوظيفي بالنسبة للحدث الذي يرويه ، أي أنه لا يكتفي بوظيفة الشاهد، الذي رأى ما جرى فتطوع لنقله، وروايته عبر الملفوظ الحكائي، وإنما هو ضالع فيه، يحتل وظيفة الفاعل في الحكاية تمامًا كالراوي المُمَسْرح. ففي ” الكحلا ” أولى قصص ” المُستهدف ” هو صاحبُ النبتة المشؤومة، وعليه تقع أكثر النُذُر التي حذرته منها الأم عندما رأته آتيًا بها، وعندما نهته عن زراعتها في حوض من أحواض البيت، فلم يسمع النصح. فهو الذي سقط عن السلم وكسرت رجله، وهو الذي تعرض لحادثة سير كادت تودي بحياته إثر زرعه تلك النبتة، وهو الذي فزع إذ تصادف موت جاره بعد أن قدم إليه فسيلة منها ليزرعها في حديقته المنزلية، وهو الذي تعرض لنذر أخرى قبل أن يقرر الخلاص منها بمساعدة الأم.
والأم، والجار الذي توفي، ما هما في الواقع إلا شخصيتان هامشيتان، تذكران في ما يُذكر من اهتمامات الراوي (السارد) وما جرى له، ويجري، بسبب نذُر الشؤم التي ترتبط بتلك النبتة، غير أنها – أي النبتة- تمثل على مستوى الحدث شخصية أخرى إذا ساغ التعبير. فالراوي يسلط الضوء عليها مثلما يسلط الضوء على ما جرى له هو. ولها حضورها المادي، والنفسي، في أكثر أجزاء القصة، بل يكاد يكون حضورها أكثر جذرية، وأهمية، من حضور الشخصيات الأخرى. فبعد أن تخلص السارد، وتخلصت أمه، من الكحلا ، ومن التراب الذي زرعت فيه، قبل أن تقتلع، وتلقى في كيس بلاستيكي مخصص للقمامة والمهملات، تساءلت الأم في خوف ألا يمكن أن تعود بذورها المبعثرة في التراب للنموّ من جديد؟.
لا نريد – ها هنا- أن نتحدث عن مغزى القصة، فهو واضح ، فنذُرُ البلاء – وإن كنا نحاول قدر استطاعتنا التخلص منها، إلا أن مخاوفنا تظل تنبعث، ولا يمكن أن تنتهي. وهذا ما يجعل الأم، والراوي، على السواء، حريصين حرصا شديدا على اجتثاث النبتة من جذورها، دون إغفال البذور التي يمكن أن تكون قد اختلطت بالتراب. وعلى الرغم من أنهما ألقيا بها، وبالتراب، في حاوية، إلا أنهما لا يطمئنان للنجاة، أو الإفلات من هاتيك النُذُر بصفة نهائية.
وما نريد الحديث عنه هو أنَّ الراوي في هذه القصة يرتدي قناعين، أولهما هو قناع الكاتب الضمني، الذي يؤلف الحكاية على قصرها بإيحاء من الكاتب، واختصار أحداثها، وقناع البطل، الذي يقوم ببعض الأفعال الكاشفة عن بعض طباعه النفسية، فهو من الناس الذين يؤمنون بالتطيُّر، ولديهم الاستعداد الفطري لتصديق المقولات الشعبية عن ارتباط الكوارث ببعض الأشياء التي تحيط بهم، في ما يشبه الإيمان بالسِحْر، والشعوذة، شأنه في ذلك شأن الأمّ التي لا يختلفُ عنها، ولا عن جاره.
والراوي في قصة “الحلاق” (ص27) يختلفُ عن نظيره في القصة السابقة كونه صغيرًا من حيث العمر، فهو يروي الوقائع من منظور صبي صغير ما زال تلميذا يهدده المعلم بإعادته من المدرسة إذا لم يقم بحلاقة شعره الطويل، فيضطر للذهاب للحلاق في يوم عطلة الحلاقين. وبعد جدل مع الحلاق يقوم هذا الأخير بالتنازل عن إجازته، ويفتتح صالون الحلاقة، ويقص للراوي شعره، ثم يبتزه في نهاية الأمر، ويتقاضى منه مبلغًا أكبر مما يتقاضاه في العادة. ولكن الفتى الذي طرب لكلمة نعيمًا، وهو يرددها الحلاق، عندما عاد إلى البيت وأبصر رأسه في المرآة، اكتشف أنه – أي الرأس- مثل دجاجةٍ منْتوفة الريش.
يكثرُ الراوي في سرده لهذه الحكاية من الإشارة لمظاهر تثير السخرية من الحلاق، من ذلك تميُّزُه بالثرثرة، والابتزاز، والتحدث من أنفه، وهذا كله أضفى علي الراوي وظيفة مزدوجة لا واحدة. فعلاوة على أنه هو السارد ، وهو البطل، يتعرض لذلك الموقف المشين، لديه وظيفة أخرى هي إضفاءُ السخرية على الحكاية، وبث الفكاهة فيها من حين لآخر. مستعينا في أداء هذه المهمة بتفاصيلَ، بعضها يتعلق بالحلاق، وبعضها يتعلق بالأب، وبعضها يتعلق بالطبيب الذي يقتل مريضه بدواء خاطئ، وبعضها يتعلق بالجار الذي لا يُسلّمُ رأسه للمرأة. وأخيرا يتعلق بعضها بالصالون، وبالحلاق، وبالأدوات التي تستعمل في الحلاقة من (مريلة كتانية بنية، ومقص) وطريقته في نطق كلمة نعيمًا.. وبهذه الحركات التي يقوم بها الراوي – بطل القصة- يضفي الكاتب على هذا العمل القصصي صورة من صور الدراما الهزلية.
فالراوي – ها هنا- لم يكتفِ بوظيفته المُعتادة، وهي سرْدُ الخبر، بل تصرّفَ – بوصفه بطلا- وكاتبًا ضمنيا بإضفاء التفاصيل التي تحيل الحكاية المكثفة إلى ما يشبه النكتة المضحكة، والنادرة الفكاهية، المَرحَة. وهذا يعني- في ما يعنيه – أنه يقوم إلى جانب روايته للوقائع بتفسيرها، أو توجيهها، نحو تفسير معين له وظيفته الأخلاقية، والاجتماعية الانتقادية.
وفي قصة “ساعة جدي” (ص35) لا يكفُّ الراوي عن تفسير الحوادث ، فضلا عن روايته لها. فالساعة التي ورثها أبوه عن جده وانتقلت إليه، يضفي عليها دلالة رمزية، فعندما هزها بقوة ازدادت سرعة عقربيها، فأصبح التوقيت فيها تبعا لذلك متقدما على غيرها من الساعات .. وكأن الصبي الذي يروي حكاية الساعة يروي حكاية الزمن الذي يوازي تقدم الأب في العمر وتخطيه الشيخوخة، فتضارب لديه فرق التوقيت مع مواعيد الصلاة واليقظة، والقيلولة، وهذا التضارب أو الاختلاف، يمثل فرق التوقيت بين سن الشباب وسن الشيخوخة مما يدفع به دفعا للتخلي عن الساعة لابنه الذي ما يزال فتيًا، والاكتفاء بتقدير الوقت بمراقبة طول الظلّ، وقِصَره، مثلما كانت الحال قبل اختراع الساعات.
والراوي في قصة ” المُسْتهدف ” يقوم بوظائف متعددة لا واحدة. فهو علاوة على سرده للواقعة – واقعة ارتداء الملابس التي ضاقت على من هم أكبر منه، أو قصُرتْ، أو واقعة احتفاظ النساء؛ زوجاتٍ، أو أمهات، بكثير من الأشياء التي لا لزوم لها، يوثق ما جرى، ويتتبعه في الزمن، ليجعله من حيث الواقعية(المصداقية) في منزلة الحدث الذي جرى، ووقع، فعلا لا تخْييلا. ثم يلقي الضوء على الأسباب التي تفسر لمَ جرى هذا وكيف تكرر. الأب أولا، ثم الأبناء، والأم أولا، ثم الزوجة، فهو حريصٌ حرصًا شديدًا على تثبيت ديمومة هذا الحدث على الرغم من أن الزمن يتغير، وبتغيره يفترض أنْ تختلف التصرفات، ومع ذلك ” تلك كانت أمي، والآن، وقد بلغت الخامسة والستين.. أجد نفسي أمام مشكلة من نوع مختلف.” (ص 45) وهذا الاختلاف ليس سوى اختلاف شكليّ، فالزوجة بدأت تكرر ما فعلته الأم معه عندما كان صغيرا. فقد عمدت لإغرائه بارتداء ملابس ابنائه التي قصرت عليهم نتيجة الغسل، أو ضاقت (ص46) فيتقبل ذلك على مضض، (ص47) ولا يفتأ بوصفه ساردًا يوجه الحدث توجيها يتضمن القليل من عدم الارتياح، والارتياب، فيما إذا كان هذا الذي يُتّبع صحيحًا أم لا. وإذن، علاوة على توثيقه للحدث، وتتبعه له في الزمن، لا يكفُّ عن انتقاده، وانتقاد الذات التي تخضع لما لا تؤمن به بشيء قليل من الترويض، الذي يحيل الأشخاص ذوي النفوس المتمردة إلى مخلوقات طيعة مُسايرة(ص48).
وبما أنَّ السارد في قصة ” تكبير ” ذو نشاط سياسي سابق، فقد عمد عن طريق الكنايات الرامزة التي تظهر في نسيج القصة حينا بعد آخر، للتنبيه على نهاية حكايته ، وهي إعادته من المطار، وعدم السماح له بالسفر، والمغادرة(ص51) وهذه حنكة من الكاتب انتقلت للراوي بحكم أنه متورط في نشاط محظور لا يعجب أمه ولا شقيقته التي ينتقدها بقسوة، بل يصفها بفردة حذائه.(ص53) وتلك الصفعة، التي يمر بها السارد مرور الكرام، هي حجر العثرة الذي وضعه بنفسه في طريق سفره. وذلك خلافا لما كان يظن من حيث أن إعادته كانت لأسباب أمنية، وذلك قبل أن يخبره شرطي المطار بالشكوى الجنائية المرفوعة ضده من شقيقته، فأصبح بموجبها مطلوبًا للمحكمة(ص58).
وتبعًا لذلك، فإن الراوي – ابتداءً من تسليم الركاب جوازات سفرهم وتأخير جوازه، (ص54) وانتهاءً بالنداء الذي سمعه من أحد شرطة المطار يردّد اسمه- يراوح بين سارد يعتمد الملفوظ المباشر في السرد، وسارد آخر يعتمد في رواية الحدث على منولوج داخلي غير مباشر يخاطب فيه نفسه: ” أنا راسم خلف. لماذا لم يذكر اسمي من وراء الحاجز كبقية المسافرين؟ لماذا ترك مكتبه ونادى باسمي دون كل الناس، وهو واقف في القاعة؟ المسألة واضحة. لا يريدونني أنْ أسافر. وربما كان في الأمر ما هو أخطر. ألا يمكن أن يكونوا عازمين على اعتقالي؟ ” ص55.
مثل هذا المونولوج يمنح السارد موقعيْن في آن، أحدهما قريب من الحدث، والآخر أكثر قربًا. فالمسافة التي تفصل بين الراوي المشارك والحدث تتقلص حتى تكاد تنعدم تمامًا، وبهذا يكون الساردُ في هذه القصة راويًا ومفسرا ومنتقدا ذا رأي فيما يرويه، وبطلا يتحرك في بؤرة الحدث، أيْ في المركز، وليس على الأطراف.
وفي هذه القصص لا يفتأ الكاتب يكرر الأقنعة، وتلك الوجوه التي يختفي وراءها الراوي. يبدو ذلك واضحا في قصة “زيارة متأخرة” (ص113) ففيها يكتفي من الراوي بوظيفة الشاهد الذي لا يتميز عمن عداه ممن شاركوا في الحدث، وهو الزيارة المتأخرة لزميل لهم مُنيَ بفقد زوْجَته. ويستهل الراوي – بطبيعة الحال- الحكاية، ثم يشترك الأشخاص: المدير والموظفون.. والمستقبلون .. في الوقائع. ويقلُّ التركيزُ على الراوي مقابل التركيز على الشخوص من موظفين ومستقبلين. سواء عند الوصول إلى بيت العزاء المستعار، أو عند المغادرة. ويشتركون جميعا في تفسير ما جرى بمن فيهم ابن صاحب المنزل الذي استعاره زميلهم لاستقبالهم فيه معزين. ولأن الراوي هو الذي نسي هاتفه النقال في المنزل، وعاد لاسترداده، فإن الفضل يُعْزى إليه في حل اللغز الذي حار فيه الآخرون (ص121- 122) وهنا تبدو شخصية الراوي عديمة الأثر في الحدث نفسه، وهو موضوع القصة، ولعل غلبة الحوار، والإفراط فيه، يسَّر على الكاتب تحجيم الدور الذي يؤديه السارد مكتفيا منه بوظيفة الشاهد الذي كشف عن خفايا الاستقبال الباهت الذي قوبل به المعزّون.
أما قصة ” الموت شخصيًا ” ص18 ففيها يعتمد جمال ناجي الراوي العليم، الذي يعرف من أسرار الشخصية، ومن تفصيلات العالم الخيالي لها ، أكثر مما يعرفه أي كائن آخر. معرفة تنم عليها متواليات سردية يغلب عليها الفعل الماضي، والإسناد للضمير(هو) منفصلا، ومتصلا، ومستترًا. ” منذ أشهر وهو يحاول ” و ” لطالما شعر.. ” و” الفكرة ترسخت في ذهنه ” و ” حاول النوم..” ص19 و ” وضع كفه على الجانب الأيسر .. و” اعتقد أنه ..” و ” لم يستجبْ له النعاس ” ص20 و” أسكتَ المُنبّه ” و “تذكر أنه لم يتناولْ.. ” و ” بدأ يتشمّم رائحة غريبة.. ” ص21 و ” هدأ قليلا.. ” و ” أطفأ المصباح.. ” ص22 وهي قصة توجب على الكاتب اعتماد الراوي العليم الذي يروي لنا وقائع جرت لشخص آخر غيره. فلو أنّ الراوي كان من النوع الأول (المشارك) لما جاز أن تنتهي القصة بنهايته: ” سكن جسمه بعد أنْ تملكته نوبة حادة من السُعال.. لم يعد قادرًا على تحريك أطرافه.. لم يعد ينطق.. على الرغم من أنه ظل قادرًا على سماع أصوات زائريه في المستشفى ” ص 24 .
مثل هذه النهاية تحتّمُ على الكاتب ابتداءً استخدام الراوي العليم الذي تطول المسافة بينه وبين الشخصية والحدث، فهو يرويه بعد وقوعه، لا متزامنا مع الملفوظ السردي. وهو يتحدث عما وقع في الماضي، واثقا بسلامة، ودقّة ما يرويه، وتقبّل القارئ له بموجب العرف السائد بين هذا النوع من القصص والمتلقي. إذ كيف سيروي لنا ما يشعر به، ويحس، وهو في غيبوبته في المشفى عاجزا عن الحركة، عاجزا عن النطق، لو كان السارد هو البطل نفسه ؟.
صفوة القول أنّ في قصص ” المستهدف ” ضربين من الراواة، أولهما: هو المشارك، الذي يؤدي أدوارًا لا دورًا واحدًا، وثانيهما هو الراوي العليم، الذي يبتعد قليلا عن الشخوص، وتفصله عنها مسافة كبيرة، أو أكبر من تلك التي تباعد بين الشخوص والراوي المشارك المُمَسرح، أو الشاهد، وأيا ما كان الأمرُ، فإن طبيعة القصة، أو الحدث الذي تدور حوله، هما ما يفرض على القاصّ الراوي المناسب، وهذا في نهاية المطاف ينسجم انسجامًا تامًا مع ما يعتزم الكاتب بلوغه، وهو أن يقدم نموذجا قصصيًا جديدًا مختلفًا عن الأشكال التقليديّة السائدة في كتابة القصة القصيرة، في الوقت الذي يضفي فيه الكاتب على معظم قصصه القصيرة في هذه المجموعة صفة التجانس الذي لا يتنافي مع الاختلاف والتنوع.

* ناقد وأكاديمي من الأردن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق